أرصفة خضراء: أحمد يعيد الحياة إلى الشارع

فاطمة كريم – الكوت
قبل عامين من الآن، في حي هادئ من مدينة الكوت، حيث الهواء الساخن يلسع الوجوه، والأرض مغبرة، لا ظلّ ولا خضرة سوى أعمدة الكهرباء المتربة والنفايات المتناثرة، انحنت يدا أحمد حسن تغرسان بذورًا صغيرة في التراب. لم تمر أشهر حتى اخضرّ المكان وامتلأ بالأشجار والعصافير والقطط وتحوّل الشارع المنسيّ إلى فسحة ظلّ وراحة.

أحمد حسن، البالغ من العمر 38 عامًا، موظف في دائرة الموارد المائية ويقيم في حي دور الشؤون بمنطقة العزة في محافظة واسط. نشأ في عائلة تمتلك بساتين زراعية واسعة، ما جعله يحمل حب الأرض في روحه منذ الطفولة. وبرغم انتقاله إلى المدينة ظلّ هذا الارتباط حيًّا، فحوّله إلى مشروع بيئي غيّر ملامح منطقته وأثر في سلوك مجتمع كامل.

بين جدران منزله الإسمنتية ظلّ حب الزراعة رفيق أحمد الهادئ. بدأ بشراء سنادين صغيرة يتفقدها كل صباح، يسقيها ويمسح أوراقها ويراقبها تكبر، وسرعان ما أنشأ حديقة منزلية غرس فيها أشجارًا معمّرة على رأسها شجرة الألبيزيا، وكأنه كان يبحث عن بستانه المفقود في أحضان هذه النبتة.
في صباحات الكوت اللاهبة، وبينما تنهض الشوارع ساخنة حتى قبل طلوع الشمس، كانت بذور أحمد تنمو على الأسطح أيضًا، حيث بدأ بزراعة الخيار والباذنجان والبصل. الفكرة بدأت بسيطة ثم تحولت إلى بديل منزلي مهم، خاصة بعد جائحة كورونا، حين أصبح كثيرون أكثر وعيًا بأهمية الغذاء ونظافته.

يروي أحمد إنه ذات صباح، وبينما كان ينحني لتفقد إحدى السنادين، التفت إلى الشارع المغبر أمام منزله وقال لنفسه:
“لماذا لا أزرع الشارع ليصبح نموذجًا كما رأيت في بعض حملات التشجير في بغداد والمحافظات الأخرى؟”.

من ماله الخاص، وبدون دعم رسمي، بدأ أحمد بتنظيف الرصيف وإزالة النفايات ثم غرس أشجارًا اختارها بعناية لتناسب أجواء العراق القاسية. كان الهدف أن تصمد لسنوات، وتمنح الشارع حياة ظلّ وراحة.
يقول أحمد إنه واجه، ككثير من أصحاب المبادرات الفردية، انتقادات من الجيران وتساؤلاتهم المتكررة: “لماذا تزرع مكانًا لا تملكه؟ هذه مسؤولية الدولة، لماذا تهدر أموالك؟”، لكن أحمد لم يرد بالكلام بل بالزراعة وبالماء وبالإصرار. كان يشرح مرارًا: “ما أفعله ليس ترفًا، بل ضرورة. هذه حماية لنا ولأولادنا”.

اليوم تحول الشارع إلى نموذج يُحتذى به في الكوت، تزوره العائلات من أحياء أخرى، وانتقلت العدوى الإيجابية او ما يسميها أحمد “الغيرة الخضراء”، وبدأ الناس يقلدون ما فعله.
يقول جاره، أحمد رحيم، في الثلاثينات من عمره: “لم أكن أتصور أن الشارع الذي قضينا فيه عمرنا بين الغبار والنفايات سيتحول إلى جنة صغيرة تنبت من بين الأرصفة”.

ويتابع: “تحوّل المكان إلى متنفس لأطفال الحيّ. تعلّموا أن الشجرة صديقة لا عدو. الطيور وجدت فيه مأمنًا، والعصافير باتت تغرد مع الفجر”.
منزل أحمد الاسمنتي تحول هو الآخر إلى مركز بيئي مجتمعي صغير، ففي كل موسم، يجهّز أحمد ما يقارب 500 شتلة ويوزعها مجانًا. صارت المنظمات والمشاتل تسلّمه شتلاتها بثقة، وبدعم شخصي ومادي، يساعد كل من يريد أن يزرع.

ولكي تنجح زراعته، اعتمد أحمد منظومة ريّ بالتنقيط لتقنين استهلاك المياه مستخدمًا خزانًا وأنابيب تمتد بطول الشارع تكفي لري الأشجار أسبوعين أو ثلاثة، كما دمج التكنولوجيا بالزراعة عبر جهاز إلكتروني ذكي متصل بهاتفه، يتحكم بتوقيت السقي عن بعد. “من يريد، يستطيع. كل شيء ممكن وبسعر مناسب”، يقول بثقة.
قصة أحمد ليست عن تشجير شارع فحسب، بل عن شخص غيّر مكانًا كاملاً بإرادته، وزرع وعيًا جديدًا في مدينته، وأثبت أن المبادرة الفردية يمكن أن تكون أقوى من كل مؤسسات الدولة، حين تتسلّح بالإيمان والمثابرة.



