طفايات على الموضة… لإخماد حرائق بغداد

 

المنصة – فاطمة كريم

 

في العراق، يكفي أن تنتشر صورة أو مقطع فيديو لحادثة مؤلمة حتى تتحول إلى موجة سريعة تكتسح الأحاديث اليومية للناس وتغير سلوكهم فجأة، هذا تماما ما حدث بعد حريق هايبر ماركت الكوت وحرائق أخرى حدثت قبله وبعده في مدن عراقية عدة والتي تسببت بارتفاع الطلب على طفايات الحريق وازدهار سوقها بشكل مفاجئ.

أحمد فيصل شاب ثلاثيني واحد تجار سوق الشورجة في بغداد، وهو ليس مجرد تاجر يبيع أجهزة إنذار وطفايات حريق منذ التسعينات، بل هو أيضا مهندس ومدرب دولي معتمد في مجال السلامة عمل طويلا على تدريب فرق الدفاع المدني بالإضافة إلى توعية الناس بكيفية التصرف وقت نشوب الحرائق وتصميم أنظمة الإنذار داخل المباني.

يقول احمد ان “الطلب على طفايات الحريق بعد حادثة هايبر ماركت الكوت وصل إلى ذروته خلال أيام قليلة وكأن الناس استيقظوا بشكل مفاجئ على خطر كانوا يغفلونه لسنوات فأصبحوا يبحثون عن طفاية ليس فقط الفنادق والأماكن العامة بل حتى أصحاب الأكشاك الصغيرة وسائقي سيارات الأجرة حتى أن بعض التجار لم يتمكنوا من تلبية الحاجة بسبب نفاد الكميات”.

احمد يرى أن هذه الموجة لم تكن مدفوعة بوعي حقيقي تجاه الوقاية، بل بفعل الخوف اللحظي ويقول “بعد أسبوعين بدأ السوق يبرد وتركت الناس الموضوع وكأن شيئا لم يكن”.

حرائق كبرى اندلعت في عموم العراق خلال شهر تموز الماضي أبرزها الحادث المأساوي في مدينة الكوت محافظة واسط يوم 16 يوليو 2025 في هايبر ماركت تم افتتاحه حديثا وأحداث كثيرة أخرى داخل محال وأسواق ببغداد ومحافظات أخرى بل ان الحرائق طالت العديد من المنازل آخرها الحريق الذي وقع أمس الاربعاء واودى بحياة عائلة كاملة في حي اور ببغداد.

في زاوية من المحل وقف زيد محسن رجل في الاربعين من عمره يتأمل بعناية أنواع طفايات الحريق المعروضة داخل محل احمد يسأل عن النوع الأفضل للمنزل وحجم الطفاية المناسبة للغرف وحتى عن مكان وضعها يقول محسن “كنت اعتقد ان الطفايات شي خاص بالشركات أو المحلات لكن بعد حوادث الحرائق الأخيرة  قررت شراء واحدة للمنزل فلا أريد أندم في وقت متأخر”.

زيد موظف في دائرة حكومية لم يكن يأخذ موضوع الحماية من الحرائق على محمل الجد من قبل لكنه اليوم جاء لشراء ثلاث طفايات واحدة للمطبخ وأخرى لغرفة الجلوس والثالثة للطابق الثاني يقول وهو يتحدث مع احمد ” قبل أن آتي هنا كنت ابحث عن فيديوهات على اليوتيوب توضح كيف ان تستخدم الطفاية وكيف يمكن أن اتعامل مع الحريق أثناء وقرعة.. الموضوع بسيط لكن مهم تعلمة”.

رغم الازدحام الذي يشهده محل احمد ومحلات أخرى مجاوره له في الأيام الأخيرة إلا أنهم يرفضون فكرة البيع السريع دون توعية يقول احمد ” لا يوجد شخص يدخل إلى المحل ويشتري طفاية أو جهاز إنذار ويخرج دون أن يفهم كل شيء عن القطعة التي اشتراها وكيفية استخدامها “.

 

موجة حرائق تتكرر صيفا

واعتاد العراقيون على تكرار الحرائق في الصيف سواء في الأماكن العامة او المزارع والمنازل لكن اكثرها شهرة هذا الصيف كان حريق هايبر ماركت في الكوت والذي راح ضحيته أكثر من 150 شخصا وعشرات الجرحى، هذه الحوادث تأتي ضمن نمط متكرر من الحرائق في العراق حيث يسجل سنويا آلاف الحوادث إذ أعلنت مديرية الدفاع المدني في أربيل ان الحرائق التي وقعت في المدينة خلال النصف الأول من العام الجاري 2025 وصلت الى 563 حادثة.

ومن الأسباب المتكررة لوقوع عدد كبير من الضحايا عند اندلاع الحرائق هو ضعف إنفاذ قوانين السلامة والاستخدام غير القانوني لـ”لوحات الساندويتش بنل” القابلة للاشتعال في البناء وغياب أنظمة الإطفاء والطوارئ.

ومن أكبر الحوادث التي مرت على العراق وأوقعت عددا كبيرا من الضحايا في السنوات الخمس الماضية هي حريق مستشفى ابن الخطيب في بغداد في أبريل 2021 الذي تسبب بانفجار أسطوانات الأكسجين ووفاة 82 شخصا وإصابة 110 آخرين.

وحريق مستشفى الحسين في الناصرية الذي وقع في يوليو من العام ذاته والذي اندلع في جناح المصابين بفيروس كورونا ووصلت حصيلة الوفيات فيه الى 92 ضحية مع إصابات تجاوزت 100 حسب مصادر صحفية وتقارير رسمية.

بالإضافة إلى حريق قاعة الزفاف في قرقوش سبتمبر 2023 الذي اندلع بعد استخدام الألعاب النارية وقتل فيه 107 شخصا وأصيب 82 آخرون جراء احتراق سقف القاعة حيث كشفت التحقيقات لاحقا عدم توفر شروط السلامة في القاعة وتشييدها من مواد قابلة للاشتعال.

 

يروي أحمد أن “ذروة الطلب لم تكن ناتجة عن وعي حقيقي لدى الناس، بل جاءت مباشرة بعد قرار مديرية الدفاع المدني الذي يقضي بغلق أي محل أو بناية لا تلتزم بشروط السلامة ولا تملك معدات إطفاء صالحة للعمل”.

وبحسب عدد من باعة أدوات السلامة في بغداد فإن الكثيرون من الزبائن لا يملكون أدنى معرفة بأنواع الطفايات أو استخداماتها، بل يطلبونها فقط لتجنب الغلق أو المسألة، ويرى أحمد أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب القوانين بل في ضعف وعي الناس بأهمية الوقاية والتعامل مع الحريق ويؤكد أن ما يحدث لن يصنع فرقا حقيقيا مالم ترافقه حملة تثقيفية شاملة تستهدف أصحاب المحال والعوائل وحتى طلبة المدارس.

علي رسول شاب يعمل منذ عام 2005 في شركة تقوم بتوفير معدات السلامة والإنذار الحديثة ذات المواصفات العالمية ورغم جودة ما يقدمه إلا أن علي يواجه صعوبة في تصريف هذه البضائع في السوق العراقي.

ويقول “الناس تريد الأرخص دائماً فهم يفضلون المنتجات الرديئة على الأصلية فقط لأنها أقل سعرا ويجب أن تهتم الأماكن العامة أكثر بأجهزة الإنذار ومخارج الطوارئ لدورها في حماية أرواح الناس داخل البناء تماما مثلما تهتم بالوان الجدران واختيار المرمر المناسب للأرضية”.

أسعار طفايات الحريق ارتفعت بشكل ملحوظ داخل السوق وهذا أثر بشكل سلبي على اختيارات المواطنين اذ يستغل الباعة موجة الطلب الجماهيري بعد الحوادث ويشير علي إلى ارتفاع نسب بيع طفايات الحريق الى اضعاف العدد المباع سابقا لا سيما في الشهرين الماضيين في بغداد.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى