حين تضيق المدينة بسكانها: مجمعات سكنية ترهق أحياء بغداد القديمة

روان وصفي- المنصة

في بغداد، حيث تتجاور الأزقة الضيقة مع أبراج إسمنتية حديثة، لا يبدو التوسع العمراني دائمًا علامة ازدهار. ففي عدد متزايد من أحياء العاصمة، بدأت المجمعات السكنية ترتفع فوق ما تبقى من فراغ عمراني، دون أن ترافقها شبكات خدمات تليق بهذا الامتداد. في النهاية، يجد السكان أنفسهم عالقين بين طموح عمراني يعلو، وبنى تحتية تتآكل تحت الأرض.

وفق تقارير وزارة التخطيط العراقية (2023)، تشهد العاصمة تدهورًا واسعًا في شبكات المياه والكهرباء، خصوصًا في الأحياء التي تعود بناها التحتية إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ورغم هذا الواقع، تُظهر بيانات هيئة الاستثمار الوطنية أن بغداد شهدت خلال السنوات الخمس الأخيرة طفرة ملحوظة في المشاريع السكنية، أغلبها داخل نسيج الأحياء القديمة، لسد النقص المتزايد في الوحدات السكنية.

لكن المشكلة ليست في التوسع بحد ذاته، بل في كيفية تنفيذه. يقول المهندس أحمد هاشم، أحد المشاركين في تصميم وتنفيذ عدة مجمعات سكنية: “في المجمعات السكنية، الكهرباء تُربط بخط ضغط عالٍ من الدولة، ثم يُحوّل إلى 220 فولت داخل المجمع، أما المياه والمجاري فهي مسؤولية الدولة بالكامل، ولا تفرض على الشركات إنشاء خطوط خاصة بها”.

هذا الاعتماد على البنى العامة يطرح إشكالية أعمق. فبموجب قانون الاستثمار العراقي (رقم 13 لعام 2006)، يقع على عاتق المستثمرين إنشاء البنى التحتية الداخلية فقط، بينما تظل شبكات الخدمات الأساسية بيد الدولة. ويخلق هذا التداخل فجوة في التنسيق والتنفيذ، خاصة عند تنفيذ مشاريع كبيرة في مناطق مزدحمة أصلًا.

في هذا السياق، يؤكد المتحدث الرسمي باسم أمانة بغداد، عدي الجنديل، أن الأمانة لا تمنح الموافقات إلا بعد تنسيق شامل مع الجهات الخدمية، موضحًا: “إذا رأت الجهات المختصة أن البنية التحتية غير قادرة على التحمل، يُلزم المستثمر بإنشاء شبكات داخلية على نفقته، فيما تكتفي الأمانة بإيصال الخدمة للموقع”.

لكن هذه الاشتراطات كثيرًا ما تُتحايل عليها. يوضح المهندس أحمد أن “تكاليف إنشاء شبكات خاصة مرتفعة، وتتطلب أعمال تمديد معقدة، لذلك يفضل كثير من المستثمرين ربط مجمعاتهم بالشبكات العامة الجاهزة، رغم أنها لم تُصمم لهذا الضغط”. ويضيف: “الشبكات الحالية تخدم كثافة سكانية مضبوطة، ومع التوسع، تبدأ المشكلات بالظهور تدريجيًا”.

في حي الجهاد، أحد أبرز أمثلة التوسع السكني الأخير، يشعر السكان بتغير ملموس في الخدمات اليومية. تقول زينب رحمن، المقيمة منذ عقدين في الحي: “أزمة المي مو جديدة، بس أول كنا نحلها بالماطور. بعد بناء المجمعات، حتى الماطور ما عاد يطلع نقطة”. وتضيف جارتها، هيام علي: “محولة الكهرباء كل يوم تنفجر. الضغط صار مو طبيعي، والمنطقة أساسًا مزدحمة، والمجمعات زادت الطين بلّة”.

دراسات جامعية حديثة، مثل بحث نشرته كلية الهندسة بجامعة بغداد عام 2022، تؤكد أن التوسع غير المنظم في الأحياء المكتظة، دون تطوير متزامن للبنى التحتية، يؤدي إلى تدهور نوعي في الخدمات وازدياد في المشاكل المرورية والبيئية.

وعن طريقة التعامل مع هذه التحديات، يقول الجنديل: “لدينا إجراءات قانونية واضحة. إذا ثبت أن مشروعًا تسبب بمشاكل في الخدمات، يُلزم صاحبه بتمويل مشاريع خدمية مثل إنشاء محطة مجارٍ أو توسيع طرق. وفي حال رفض التنفيذ، يتم إيقاف المشروع وفرض الغرامات”.

يختم المهندس أحمد حديثه محذرًا من استمرار هذا النمط من التوسع: “لا يمكن لمجمع سكني أن ينجح إن بُني فوق شبكة متهالكة. قبل الموافقات، نحتاج دراسات هندسية دقيقة، وتحديثًا فعليًا للشبكات، وإلا ستنهار الخدمات تدريجيًا مع كل توسعة جديدة”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى