رأي

256: الرقم الذي أخاف المفوضية

19/08/2025

كمال العياش

“اللي بعبّه صخل يمعمع” مثل شعبي عراقي بليغ يعرفه الناس جيداً، ويستخدمونه للإشارة إلى من ارتكب خطأ أو يحمل عيباً يحاول إخفاءه، لكن أفعاله أو كلماته تفضحه وتكشف ما يضمر. أصل الحكاية يعود إلى سارق سرق “صخلاً” (عنزة) من جاره، وحين التقيا في اليوم التالي، بادره الجار بالسلام، فما كان من السارق إلا أن قال من دون وعي: “يا صخل!”، ففضح نفسه بنفسه.

قفز هذا المثل إلى ذهني مؤخراً، ليس بسبب سارق الماشية، بل بسبب موقف جعلني أفكر بعمق في علاقتنا مع القانون. علاقة تبدو في كثير من الأحيان انتقائية ومبنية على الخوف من “السمعة” أكثر من الخوف من خرق القانون ذاته.

كنت أجلس في مقهاي المعتاد حين اقترب مني أحد العاملين وبصوت منخفض سألني عن المادة 255 من قانون العقوبات العراقي، ربما ظناً منه أن الصحفيين موسوعات قانونية متنقلة. لم أشأ أن أخيب ظنه، وبينما كنت أفتح هاتفي لأستعين بالعم “غوغل”، بدأت أطرح عليه أسئلة عن تفاصيل مشكلته محاولاً كسب بعض الوقت. لم تمر سوى ثوانٍ حتى أجبته بأنها المادة التي تعاقب شاهد الزور. ارتسمت على وجهه ابتسامة صفراء، وتمتم قبل أن ينصرف على عجل: “مو اني، هذا واحد من معارفنا”. كان “الصخل” في عبّه “يمعمع” بوضوح.

وبينما كنت أحلل مع زميلي ما قد يكون هذا العامل قد تورط به، وصلتني رسالة عبر الواتساب من المتحدثة باسم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. كانت الرسالة إجابة على سؤال سابق مني، تؤكد فيه استبعاد التسلسل الانتخابي رقم “256” من قرعة أرقام القوائم الانتخابية، والسبب كما أوضحت هو “ما له من مدلولات اجتماعية”.

المفارقة هنا أن الرقم 256 استُبعد لأنه يحتوي على “56”، وهو الرقم الذي ارتبط في المخيال الشعبي العراقي بالمادة القانونية (456) المتعلقة بالاحتيال. ومنذ عقود صار من يُتهم بالاحتيال يُلقب بـ “56”، حتى باتت هذه التسمية جزءاً من اللغة اليومية تُستخدم للسخرية أو الوصم. المفوضية، وهي مؤسسة رسمية، لم تتعامل مع الرقم كرمز محايد، بل كـ “صخل” يجب إخفاؤه، معترفة ضمناً بأن دلالته الاجتماعية أقوى من حياديته كرقم في نظام انتخابي.

لكن إذا فتحنا هذا الباب، فإلى أين سنصل؟ هل سنتوقف عند الرقم 256 فقط؟ ماذا لو حصل أحد الكيانات السياسية على التسلسل 406؟ هل سيتهم تلقائياً بالارتباط بجريمة القتل العمد التي تنص عليها المادة 406 من قانون العقوبات؟ وماذا عن التسلسل 393، هل سيصبح وصمة لأنه يوافق المادة الخاصة بجريمة هتك العرض؟ بل ماذا عن 444 الذي قد يربطه البعض بالسرقة في ظروف مشددة؟ إن المضي بهذا المنطق يعني تحويل القانون نفسه إلى قاموس للأرقام المشؤومة، بدل أن يكون مرجعاً للعدالة.

إن مواد القانون لم توضع لتكون مجرد أرقام نخجل منها أو نتشاءم بها. كل مادة في قانون العقوبات تشير إلى فعل مرفوض اجتماعياً وجريمة يعاقب عليها القانون. وهذه المواد، بكل “مدلولاتها الاجتماعية”، هي جزء من نسيج الدولة وهيبتها. وحين تقرر مؤسسة بحجم المفوضية أن تستبعد رقماً لأن المجتمع يربطه بجريمة، فإنها لا تحل المشكلة، بل تعيد إنتاجها وتكرس فكرة أن بعض القوانين “وصمة عار”، بينما يتم التغاضي عن غيرها.

القضية ليست في الرقم 256، بل في العقلية التي ترى في رقم القانون خطراً على السمعة، لا في الجريمة نفسها. المشكلة أننا صرنا نخاف من دلالة الرقم أكثر من خشيتنا من الفعل الإجرامي الذي يعاقب عليه.

رفعت رأسي من هاتفي وبحثت عن العامل، ثم ناديته مازحاً: “تعال 55!”. نظر إليّ وضحك قائلاً: “أستاذ، راح تمشيها عليه”. كان يدرك أن أي رقم يمكن أن يتحول في لحظة إلى تهمة أو نكتة.

إن بناء دولة مؤسسات وقانون لا يتم باستبعاد الأرقام التي تذكرنا بالجرائم، بل بمواجهة هذه الجرائم وترسيخ احترام القانون كاملاً غير منقوص. هيبة القانون لا تكون في التلاعب بأرقام مواده، بل في تطبيقها بعدالة على الجميع. وإلا فسيبقى “الصخل” في عبّ من يحمله “يمعمع”، سواء كان رقمه 256 أو أي رقم آخر.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali