رقصة ضد الصمت: كيف أسست تبارك أول مدرسة للباليه في ذي قار

ذي قار- مرتضى الحدود
لم تكن تبارك حميد، وهي في الخامسة عشرة من عمرها، تتوقع أن خطواتها المرتجفة على أطراف أصابعها ستقودها لاحقًا إلى أن تصبح رائدة في مجال لم يألفه المجتمع من قبل. في وقت لم يكن فيه “يوتيوب” ولا دروس إلكترونية متاحة، كانت تكتفي بمشاهد عابرة في أفلام أجنبية، تعيدها مرارًا لتتعلم حركة أو تحفظ إيقاعًا، ترقص أمام مرآة صغيرة بلا جمهور، مستعينة بأحلامها بدل المدربين.

اليوم، بعد سنوات من المثابرة، أسست أول مدرسة متخصصة في رقص الباليه بمحافظتها، لتمنح الفتيات مساحة يعبّرن فيها عن ذواتهن بثقة ورشاقة، وتزرع في قلوبهن حب هذا الفن الراقي.

تبارك، البالغة 28 عامًا، تروي أن فكرة تأسيس المدرسة كانت منذ البداية مثيرة للجدل داخل عائلتها. ورغم دعمهم المبكر، إلا أن المخاوف من التقاليد الاجتماعية في مدينة الناصرية بقيت حاضرة. لكنها أصرت على المضي، معتبرة أن هذه المدينة، بما تحمله من إرث ثقافي وفني، هي البيئة الأنسب لولادة المشروع. وتضيف أن بداياتها لم تكن سهلة، إذ استعانت بالكارتون لصنع حذاء يشبه حذاء الباليه، بعدما عجزت عن العثور عليه في الأسواق.
الخطوة العملية الأولى جاءت عام 2021، حين استعانت بإحدى المدارس الأهلية لتأسيس صف صغير خلال العطلة الصيفية. تقول: “بدأنا بأربع طالبات فقط، لكن العدد لم يكن محبطًا، بل كان حجر الأساس. بعد أسبوع أصبحوا ستًا، ثم وصل العدد إلى 25 طالبة”.
تاريخيًا، تعود أول مدرسة باليه في العراق إلى عام 1969 في جانب الكرخ من بغداد، بمبادرة من الموسيقار الراحل منير بشير وزوجته أكنس بشير ذات الأصول الروسية، التي ساهمت في نقل تقاليد الباليه الكلاسيكي إلى البيئة العراقية. ومنذ ذلك الوقت، ظلت هذه المدرسة المؤسسة الوحيدة التي تجمع بين التعليم الأكاديمي والفني حتى اليوم.
تبارك ترى في مشروعها امتدادًا لذلك الإرث، لكنها تؤكد أن التجربة في الجنوب تحمل خصوصيتها. فهي لا تسعى فقط لتعليم الرقص، بل لترسيخ ثقافة فنية جديدة تحترم البيئة الاجتماعية. تقول: “الحركات المعتمدة في الباليه مدروسة، وتُقدَّم في أجواء منضبطة تراعي الخصوصية المحلية”. وتشير إلى أن المدرسة تحظى بتفاعل إيجابي من العائلات، خاصة مع اعتماد رسوم تسجيل بسيطة تراعي الظروف الاقتصادية، وهو ما شجع الكثير من الأسر على إشراك بناتهم.

المدرسة لا تمثل لتبارك مجرد مشروع شخصي، بل نواة لوعي فني جديد يعيد للباليه مكانته كفن جمالي رفيع. وهي تدعو الجهات الرسمية لدعم التجربة، وإدماج الفنون الراقية في حياة المجتمع.
وتستعد الشابة مع مجموعة من الفتيات لتقديم أول عرض باليه من نوعه في محافظة ذي قار، ضمن فعاليات مهرجان أور السياحي لهذا العام. عرض تتوقع أن يكون علامة فارقة في تاريخ الفعاليات الفنية في الجنوب، ليس فقط لأنه يقام أمام جمهور واسع من شخصيات ثقافية وسياسية، بل لأنه يُقدَّم في مدينة أور السياحية، رمز الحضارة، التي تسعى الحكومة المحلية إلى جعلها وجهة دائمة للسياحة.

تقول تبارك: “المشاركة في هذا المحفل تتويج لسنوات من التدريب في ظروف صعبة وغياب للدعم المؤسسي. أطمح أن يكون هذا الظهور بداية لدمج الفنون الاستعراضية في المشهد الثقافي للجنوب”.
الناشط الفني علي عباس يرى أن وجود مدرسة للباليه في ذي قار ليس حدثًا عابرًا، بل تأكيد على أن روح المدينة ما زالت تنبض بالإبداع. يقول: “إنها رسالة بأن ذي قار قادرة على احتضان الحداثة دون أن تفقد أصالتها، وأن تقدم فنًا عالميًا برؤية محلية تحترم القيم وتراهن على الجمال”.
من رقصة أمام مرآة صغيرة إلى عرض على مسرح عام، ومن حلم فتاة إلى واقع ملموس، هذه ليست قصة تبارك وحدها، بل قصة مدينة تكتب فصلاً جديدًا في علاقتها مع الفن، وتؤكد أن الجنوب ليس هامشًا، بل قلبًا نابضًا بالإبداع والتجدد.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)


