أنصاف فنانة بغدادية تعلم الشبان الرسم بالخيوط في زمن التكنولوجيا

أنصاف، فنانة، تعلم الرسم بالخيوط والتطريز للشباب، تحافظ على التراث رغم إغلاق ورشتها وتحولها للتعليم أونلاين.
مهدي غريب – بغداد
في قلب بغداد، وتحديداً في ساعة القشلة العريقة، تقع ورشة أنصاف الصغيرة التي كانت منارة للشباب الطامحين لتعلم فن الرسم بالخيوط والتطريز، مهنة نادرة في زمن السرعة والتكنولوجيا التي طغت على كل شيء.
أنصاف، امرأة في نهاية الأربعينيات من عمرها، جمعت بين حبها للتراث والابتكار، لتعلم وتربي جيلاً جديدًا يحافظ على هذا الفن العريق، وينقله إلى أجيال قادمة.
بدأت أنصاف رحلتها مع الرسم بالخيوط والتطريز قبل حوالي عشر سنوات، بدافع حب عميق وشغف حقيقي لهذا الفن اليدوي الذي وجدته وسيلة للتعبير والإبداع. تقول: “لم تبدأ قصتي مع التطريز عن طريق أحد من العائلة، بل من داخلي، من شغفي وحبي للحرف اليدوية. رأيت أن بإمكاني أن أعلّم الشباب هذه المهنة الجميلة التي تعكس هويتنا وتاريخنا”.

تحكي أنصاف كيف أن أولى خطواتها كانت متواضعة، بدأت بتجربة الخيوط والإبر في المنزل، وكانت تتعلم بالممارسة والملاحظة، ثم قررت أن تفتح ورشة في ساعة القشلة، حيث وجدت الكثير من الشباب المهتمين والراغبين بتعلم مهنة تقليدية تكاد تنقرض. تقول: “كنت أرى في عيونهم الحماس والرغبة بالتعلم، وهذا كان يحفزني على الاستمرار وعدم الاستسلام”.
لكن لم تخل الطريق من العقبات، فالورشة التي كانت مفتوحة في القشلة أغلقت مؤخرًا بسبب أعمال الصيانة التي طال أمدها، مما فرض على أنصاف تحديًا جديدًا. تقول: “كانت صدمة لي ولطلابي، فالورشة كانت بيتنا الثاني ومصدر أمل للكثيرين”. لكنها لم تدع هذا العائق يقف في وجه حلمها، فقررت أن تنتقل بالتدريس إلى الإنترنت، وأن تقدم دروسها أونلاين من ورشة صغيرة في منزلها.
محمد: شاب يتعلم الصبر والإبداع
محمد، شاب في العشرين من عمره، كان من المتدربين في ورشة أنصاف قبل إغلاقها. يروي تجربته قائلاً: “كنت أبحث عن مهنة تجمع بين الفن والعمل اليدوي. وعندما انضممت للورشة تعلمت الكثير، ليس فقط عن التطريز، بل عن الصبر والتركيز على التفاصيل”.
ورغم أن التعليم أونلاين كان مختلفًا، إلا أنه يثني على طريقة أنصاف في إيصال المعلومة. يقول: “هي تحرص أن تبقى الدروس تفاعلية، حتى نشعر أننا نعمل معًا في مكان واحد، وهذا يجعل التعلم أكثر فعالية”.

ويضيف: “تعلمت كيف أستخدم الإبرة والخيط بمهارة لتحويل قطعة قماش بسيطة إلى لوحة فنية. هذا ساعدني على تطوير حاسة الإبداع والصبر، وأتمنى أن أتمكن من فتح مشروعي الخاص في المستقبل”.
ليلى: شغف يتجاوز الصعوبات
أما ليلى، فتقول: “كنت دائمًا أحب الفنون اليدوية، وأنصاف كانت الداعم الأول لي، هي أكثر من معلمة، هي مصدر إلهام وصديقة تقدم لنا الدعم الدائم”.
مع انتقال الدروس إلى الأونلاين، وجدت ليلى أن المرونة أصبحت أكبر، حيث يمكنها متابعة الدروس في الوقت الذي يناسبها، لكنها تفتقد أجواء الورشة وروح التعاون. تقول: “لكن أنصاف تستمر في تشجيعنا، وتبث فينا حب الفن رغم كل الظروف”.
وتضيف: “تعليم أنصاف ليس مجرد تعلم مهارة، بل هو رحلة تعلم كيف نؤمن بأنفسنا ونصبر على العمل. وهي مهارة حياتية قيمة جدًا”.
سارة: الطموح يتحدى الظروف
انضمت سارة إلى دورة أنصاف قبل عدة أشهر، وهي طالبة جامعية تبحث عن مهارة تساعدها على التعبير عن نفسها بطريقة فنية. تقول: “كنت أريد شيئًا مختلفًا عن الدراسة الأكاديمية. ورشة أنصاف، حتى وإن كانت أونلاين، فتحت لي عالمًا جديدًا من الألوان والخيوط”.
تضيف: “التعليم عن بعد لم يمنعني من الشعور بالاتصال مع أنصاف وزملائي. نشارك بعضنا أعمالنا، ونحصل على تشجيع مستمر. هذا يجعلني أشعر أنني جزء من مجتمع صغير يعتني بالفن والتراث”.
التحديات لا توقف الإبداع
تواجه أنصاف صعوبات متعددة، من إغلاق القشلة إلى قلة الدعم وارتفاع تكاليف المواد، لكنها تتمسك بحلمها. تقول: “أريد أن أنقل هذه المهنة الجميلة لأكبر عدد ممكن، وأتمنى أن تحصل ورشتي على دعم يضمن استمراريتها”. كما تخطط لإنشاء مركز أكبر للتعليم والتدريب، ليصبح ملجأ للشباب الباحثين عن فرصة للعمل الفني.

تؤكد أنصاف أن الفن بالخيوط والتطريز أكثر من مجرد مهنة، بل وسيلة لإعادة إحياء التراث الثقافي وربط الماضي بالحاضر، وأنه قادر على تغيير حياة الناس مهما كانت التحديات. تقول: “الفن يجمعنا ويعطينا معنى وقوة. أنا أؤمن أن الشباب قادرون على حمل هذه الرسالة بكل فخر”.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)



