المهدية.. حيّ يختنق بين الدخان والأمراض

مهدي غريب – بغداد

في أحد أزقة حي المهدية في الدورة، حيث تصطف البيوت القديمة جنبًا إلى جنب، يسكن سليم، رجل في منتصف الأربعينيات، يعاني منذ سنوات من ضيق في التنفس وسعال مزمن. أصبح جزءًا من روتينه اليومي زيارة العيادات والمستشفيات، وأحيانًا يضطر إلى تأجيل عمله بسبب مشاكل صحية مفاجئة تتعلق بالتلوث.

يقول سليم وهو يجلس أمام نافذة بيته التي تكاد لا ترى ضوء الشمس بسبب الدخان المتصاعد من محطة الدورة الحرارية القريبة: “كل صباح أستيقظ وكأنني أتنفس دخانًا كثيفًا. أحيانًا أشعر أن رئتيّ تنهاران، وطفلي الصغير يعاني من نفس الأعراض. البيت لم يعد ملاذًا، صار مصدرًا للخطر.”

ويضيف: “حتى نومي أصبح مضطربًا، أحيانًا أستيقظ بسبب السعال أو ضيق التنفس، وأحيانًا أسمع صرخات طفلي الذي يشتكي من صعوبة التنفس. لم نعد نعيش حياة طبيعية.”

محطة الدورة الحرارية، التي كانت مصدرًا للطاقة منذ سنوات، تحوّلت إلى كابوس حي المهدية. الانبعاثات تشمل مواد ضارة مثل الغبار الصناعي، أكاسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكبريت، بحسب خبراء بيئة محليين. هذه المواد مسؤولة عن زيادة حالات الربو، التهابات الرئة المزمنة، وحتى بعض المشاكل التنفسية الأخرى بين السكان.

هذه المحطة الحرارية أنشئت في سبعينيات القرن الماضي لتغطية جزء من احتياجات بغداد من الكهرباء. لكن مع توسع المدينة وازدياد الكثافة السكانية، أصبحت المحطة محاطة بالأحياء السكنية، من بينها حي المهدية. ورغم التحذيرات البيئية المتكررة، لم تُحدّث أنظمة الفلاتر والمراقبة منذ عقود، ما جعلها مصدرًا رئيسيًا للتلوث في المنطقة.

تسرد سيدة تدعى أم محمد، وهي أم لثلاثة أطفال يعانون من الربو المزمن: “نحن لم نعد نجرؤ على فتح النوافذ، ولا حتى على اللعب في الشارع. الهواء أصبح مصدرًا للمرض، والعيادة أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية. أحيانًا نضطر إلى شراء أجهزة تنقية الهواء للأطفال، لكن حتى هذا لا يكفي.”

ويرى أبو رامي، أحد سكان الحي: “كل يوم أشعر بالقلق على أطفالي. الهواء في الشارع يصبح سميكًا بالدخان، واللعب أصبح ممنوعًا تقريبًا. حتى كبار السن يعانون من صعوبة في التنفس، والجيران يزورون المستشفى باستمرار. نحن نعيش في بيتنا لكننا لا نستطيع التنفس بحرية.”

النائب باسم الغرابي، عضو لجنة الصحة والبيئة النيابية، يحذر من تداعيات التلوث على السكان ويقول: “الدخان المتصاعد من محطة الدورة الحرارية يحتوي على جزيئات دقيقة وأكاسيد غازية تسبب تهيج الشعب الهوائية، وزيادة حالات الربو والتهابات الرئة المزمنة. المنطقة أصبحت مكتظة بالسكان، وإذا استمر الوضع الحالي، سيواجه السكان مستقبلاً أمراضًا رئوية وربما حتى سرطانية.”

ويضيف: “الحل لا يقتصر على مراقبة الانبعاثات فقط، بل يجب وضع معايير صحية واضحة للهواء، تركيب فلاتر حديثة عند مخارج الدخان، وتحسين أنظمة التهوية في المنازل والمدارس. الصحة العامة للسكان يجب أن تكون أولوية قبل أي حسابات اقتصادية.

بحسب تقارير وزارة الصحة والبيئة العراقية، تتجاوز مستويات التلوث في بغداد أحيانًا الحدود المسموح بها دوليًا لثاني أكسيد الكبريت والجسيمات الدقيقة (PM2.5). وتُعد المناطق القريبة من محطات الكهرباء ومصافي النفط من أكثر البقع تلوثًا، حيث لم يتم حتى الآن وضع معايير صارمة أو خطط طويلة الأمد لمعالجة الانبعاثات.

يتابع النائب الغرابي: “بالإضافة إلى الإجراءات التقنية، من الضروري أيضًا التفكير في نقل السكان إلى مناطق آمنة وشراء منازلهم، أو دراسة نقل المحطة إلى موقع بعيد عن التجمعات السكنية. أي تأخير في اتخاذ هذه الخطوات سيضاعف معاناة الأهالي على المدى الطويل.”

كريم الخزرجي، وهو ناشط بيئي محلي يشير إلى أن “التلوث الناتج عن محطة الدورة الحرارية يضر بصحة السكان بشكل يومي، خاصة الأطفال وكبار السن. الهواء المليء بالجزيئات الدقيقة يسبب تهيج الجهاز التنفسي ويزيد من احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة إذا استمر الوضع على المدى الطويل.”

ويؤكد الخزرجي: “هناك حلول عملية يمكن تنفيذها فورًا، مثل تركيب فلاتر حديثة عند مخرج الدخان لتصفية الغازات الضارة، وتحسين أنظمة التهوية في المنازل والمدارس. هذه الإجراءات التقنية البسيطة يمكن أن تقلل بشكل كبير من تأثير الانبعاثات على صحة السكان. كما يجب مراقبة الهواء بشكل مستمر ونشر بيانات واضحة للسكان ليكونوا على وعي بمستوى التلوث.”

من جانبه يرى الناشط البيئي جمال الطائي، المختص بالشؤون البيئية والمناخية: “إن انبعاثات محطة الدورة الحرارية لا تؤثر فقط على صحة البشر، بل تساهم أيضًا في تغير المناخ. الغازات الدفيئة والملوثات التي تطلق في الجو تزيد من ارتفاع درجات الحرارة وتلوث الغلاف الجوي على نطاق واسع.”

ويؤكد الطائي: “الاستمرار في تشغيل المحطة دون تحديث أنظمة التحكم بالانبعاثات يعني أن الملوثات ستنتشر لمسافات أبعد، ما يفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري ويؤثر على المناخ المحلي والوطني. الحل يشمل تحديث المحطة واعتماد تكنولوجيا صديقة للبيئة تقلل من الانبعاثات وتحد من أثرها على المناخ.”

الأطفال وكبار السن هم الأكثر تضررًا، حيث سجلت العيادات القريبة ارتفاعًا في حالات الربو والتهابات الجهاز التنفسي. السكان يشعرون بأن حياتهم اليومية محاصرة بين الدخان والمرض، وأن أي خطوة خارج البيت قد تكون مخاطرة صحية.

كما تظهر بيانات المستشفيات في بغداد أن أمراض الجهاز التنفسي بين الأطفال ارتفعت في السنوات الأخيرة بنسبة ملحوظة، خصوصًا في المناطق القريبة من مصادر التلوث. ويعزو خبراء الصحة ذلك إلى غياب الرقابة البيئية وضعف البنية التحتية الصحية.

يضيف سليم وهو ينظر إلى محطة الطاقة من بعيد: “نحن لسنا ضد الكهرباء، لكننا ضد أن نصبح مرضى بسبب الهواء الذي نتنفسه. كل يوم أشعر أن حياتنا تُحاصر بالدخان، وأن أولادي يعانون معي. أحاول حماية عائلتي قدر الإمكان، لكن الهواء الملوث يجعل كل خطوة خارج المنزل محفوفة بالمخاطر.”

وتضيف أم محمد: “حتى في المدارس، الأطفال يعانون. المدرسون يضطرون إلى تعطيل بعض الأنشطة الخارجية في الأيام التي يكون فيها الدخان كثيفًا. حياتنا أصبحت كلها مرتبطة بالمراقبة المستمرة للهواء والتنفس.”

المهدية ليست مجرد حي، هي مجتمع يعاني في صمت. قصص السكان تحمل تحذيرًا واضحًا؛ البيئة الملوثة تجعل الحياة اليومية صعبة وصحية محفوفة بالمخاطر. السكان يطالبون اليوم بمراقبة الانبعاثات، تركيب فلاتر عند المخارج، وتحسين جودة الهواء لتخفيف معاناتهم الصحية.

“نريد أن نعود لنستنشق الهواء النقي، أن نعيش في بيوتنا بأمان” – بهذه الكلمات ختم سليم حديثه، وكأنها صرخة جماعية لكل ساكن في حي المهدية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى