من ميسان.. فنانة تُعلّم النساء الرسم على الزجاج

المنصة- مهدي الساعدي
في محافظة ميسان، حيث تقلّ فرص النساء في المشاركة الثقافية والمهنية، تبرز الفنانة دعاء الشكرجي كإحدى النماذج الملهمة التي سخّرت موهبتها في الرسم على الزجاج لتدريب وتمكين عشرات الفتيات في مدينة العمارة.
في ورشها الصغيرة التي تضجّ بالألوان، تحاول الشكرجي أن تمنحهن وسيلة للتعبير والاعتماد على الذات من خلال الفن.

“كان أسلوبها بسيطاً وجميلاً في الوقت نفسه، وتتميّز بقدرتها الكبيرة على إيصال الفكرة بشكل مؤثّر، لذا استفدت كثيراً منها واستمتعت بورشها الفنية”، تقول الشابة نور الهدى حسين، وهي إحدى المشاركات في دورات الشكرجي، التي تعلّمت منها تقنيات الرسم على الزجاج، لتصبح واحدة من عشرات الفتيات اللواتي شملتهن مبادرة الفنانة.
تعمل دعاء الشكرجي، وهي متخصّصة في الرسم على الزجاج، على دمج نساء وفتيات المدينة في برامج خاصة لتطوير مهاراتهن الفنية، ثم تنظيم معارض تعرض أعمالهن. وهي بذلك توظّف موهبتها لخدمة النساء وتعزيز حضورهن في المجال الثقافي والفني في المحافظة.

تقول الشكرجي للمنصّة إن رحلتها لم تكن سهلة: “كانت بدايتي متواضعة، لكني كنت مصمّمة على التعلم. بدأت كهواية وتحولت إلى شغف حقيقي تطور مع الوقت والخبرة”.
تضيف: “في الفن عموماً، والبصري خصوصاً، لا توجد بداية واحدة. هي بدايات متكررة، فالفنان التشكيلي المؤمن بموهبته والمهتم بتقييم تجربته يعود دائماً إلى علاقته الأولى بالألوان والأدوات”.

نجحت الشكرجي في التوفيق بين دراستها الأكاديمية وشغفها الفني، “أنا مختصّة في دراستي بنفس مجال شغفي، وهذا ساعدني على فهم الفن بعمق أكبر. استطعت أن أخصّص وقتاً للفن خارج أوقات الجامعة، ثم اندمج الاثنان مع مرور الوقت”.

تعمل الشكرجي اليوم على تنمية مهارات الموهوبات من بنات مدينتها من خلال ورش فنية متواصلة. وتوضح: “في كل دورة أحرص على تطوير الحسّ الفني والذوق الجمالي، وتعليم استخدام الأدوات والخامات الخاصة بالرسم، وتعزيز الثقة بالنفس عبر تنفيذ أعمال تعبّر عن ذوق المتدربة”.

وتضيف: “أحاول اكتشاف ميول فنية قد تشكّل نواة لمشاريع صغيرة تدرّ دخلاً على الفتيات، إلى جانب تشجيع التعاون عبر مشاريع جماعية في نهاية كل ورشة”.

انعكست جهودها بوضوح على المتدربات. تقول رنا أحمد، وهي إحدى المشاركات في إحدى معارض الشكرجي: “أحببت المشاركة في الورش لأنها أتاحت لي تطوير مهاراتي في الرسم على الزجاج، واستفدت كثيراً من أسلوبها في استخدام الألوان والمواد”.

يأتي عمل الشكرجي في وقتٍ تشهد فيه البلاد تراجعاً في إقامة الورش الفنية وبرامج التمكين الخاصة بالنساء، وهو ما دفع فنانات ميسان، ومن بينهن الشكرجي، إلى المطالبة بدعم حكومي أو مؤسسي يمكنهنّ من تطوير مشاريعهنّ الفنية.
تقول الشكرجي: “أتمنى أن يكون هناك دعم من المؤسسات والجهات المعنية بفتح دورات تطويرية أو من خلال تقديم دعم المشاريع الفنية الصغيرة”.

ورغم القيود الاجتماعية التي تكبّل المرأة في العمارة، استطاعت دعاء أن تفرض حضورها كفنانة ومدرّبة، تقول: “المرأة الميسانية أثبتت حضورها بجدارة، وأظهرت شغفاً بالتعلم والمشاركة، ما يجعلني متفائلة بإمكانية تحقيق نقلة نوعية في تمكين الفتيات فنيًا ومهنيًا، إن توفرت لهن البيئة المناسبة والدعم المستمر”.
وتضيف: “وجدت أن الجو العام أصبح مشجعاً إلى حد كبير، مع تزايد الوعي المجتمعي بأهمية دور المرأة الميسانية”.
تقول هدى حسن، وهي إحدى اللواتي شاركن في ورش الشكرجي: “كنت أرسم على القماش باستخدام الأكريليك، ثم قررت تجربة الرسم على الزجاج. في البداية كنت خائفة، لكن بعد مشاركتي مع الفنانة دعاء الشكرجي، تعلمت تقنيات جديدة وأصبحت أمارسها باستمرار”.

اليوم، لا تكتفي دعاء الشكرجي بأن تكون فنانة تحمل فرشاة وألواناً، فمن مرسمها الصغير في العمارة، تواصل رسم طرق جديدة لنساءٍ يبحثن عن فرصة للظهور والإبداع.
أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)



