الانتخابات النيابية العراقية…صورة صادمة لمشهد سياسي مضطرب

بغداد- منتظر الخرسان
تحولات عميقة في السلوك السياسي والاجتماعي داخل العراق أظهرتها النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية لعام 2025 التي بيّنت أن نحو 18% من المرشحين على مستوى البلاد لم يتمكنوا من تجاوز حاجز 55 صوتا لكل مرشح. رقم صادم أثار موجة واسعة من التساؤلات حول جدوى الترشح من دون قاعدة جماهيرية، وأعاد فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين المرشح وبيئته الاجتماعية التي يُفترض أن تكون رصيدَه الأول في أي استحقاق انتخابي.

ووفقا للبيانات فإن 1439 مرشحا من أصل 7740 مرشحا شاركوا في السباق لم يحصلوا على أكثر من 55 صوتا وتشكل المرشحات النساء من بين هذا العدد الكلي 39% ما يعكس قَطيعة بين شريحة واسعة من المتنافسين وقواعدهم المحتملة. فالأصوات المحدودة التي حصدها هؤلاء تشير إلى عدم قدرتهم على استقطاب حتى أقرب الدوائر إليهم، سواء على مستوى العائلة أو المجتمع المحلي.
ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة قد تكون مؤشرا على تراجع الثقة الشعبية بالمرشحين التقليديين، خاصة أولئك الذين يدخلون الانتخابات من دون برامج واضحة أو حضور اجتماعي ملموس.
في المقابل يعزو عدد من المرشحين الخاسرين نتائجهم المتدنية إلى تغوّل المال السياسي وتأثيره الواسع في تغيير المعادلات الانتخابية ويؤكد هؤلاء أن حجم الإنفاق المالي خلال الحملة بلغ مستويات “مخيفة”، قلبت موازين المنافسة خصوصا لصالح المرشحين المدعومين من قوى نافذة، مقابل تهميش واضح للمرشحين المدنيين والمستقلين الذين افتقروا إلى مصادر الدعم والتمويل.
المرشح حسن هادي الذي حصل على أصوات محدودة جدا يقول للمنصة بان المال السياسي لعب الدور الأكبر في قلب موازين المنافسة الانتخابية وأن بعض الناخبين جرى التأثير عليهم من خلال شراء الذمم بوسائل مختلفة.
وأضاف هادي أن “البعض باع صوته مقابل خدمات آنية مثل نصب أعمدة كهرباء أو محولات أو تعبيد طرق”، مؤكدا أن مشاهد السيارات المظللة التي توزّع الأموال قرب مراكز الاقتراع باتت أمرا مألوفا في يوم التصويت.
اما المفاجأة بالنسبة له فكانت حين اكتشف أن “بعض الشباب العاملين معي في توزيع البطاقات التعريفية تعرضوا لمحاولات إغراء مالي من جهات وشخصيات بهدف دفعهم لانتخاب مرشحين آخرين”، مشيرا إلى أن حجم إنفاق المال السياسي كان “ضخما ومؤثرا إلى حد بعيد”.

وتابع أن دعايته الانتخابية تعرضت لـ”محاولات مضايقة ومحاربة واضحة”، لكنه يعتبر مشاركته في هذه الدورة تجربة مهمة مكّنته من فهم تفاصيل العملية الانتخابية وتعقيداتها، مؤكداً عزمه على خوض الانتخابات المقبلة رغم محدودية إمكاناته، موضحاً أن “الحملة الدعائية لم تتجاوز خمسة ملايين دينار فقط”.
مدير مركز الجنوب للدراسات والتخطيط صلاح الموسوي قال إن الأرقام التي أظهرت حصول عدد كبير من المرشحين على أدنى الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة تعكس سوء تقدير واضح لطبيعة المنافسة الانتخابية، مؤكدا أن كثيرا من هؤلاء المرشحين “لم يدركوا أن خوض السباق يحتاج إلى قاعدة جماهيرية حقيقية وإلى قدرة مالية وتنظيمية قادرة على دعم الحملة الانتخابية بشكل فعّال”.
وأضاف ان “الترشح للانتخابات لم يعد مجرد خطوة رمزية أو تجربة شخصية بل عملية سياسية معقدة تتطلب حضورا اجتماعيا راسخا وتواصلا مستمرا مع الجمهور بعض المرشحين دخلوا السباق من دون قاعدة مؤيدة، ومن دون إمكانات مالية أو إعلامية كافية، فكانت النتيجة حصولهم على أصوات محدودة للغاية”.
وأوضح أيضاً أن عدداً غير قليل من المرشحين جرى إدراجهم ضمن القوائم الانتخابية لإكمال العدد فقط من قبل بعض الأحزاب والكتل السياسية، دون أن يكون لهم دور فعلي في المنافسة، وهو ما ساهم في ظهور هذه النتائج الهزيلة.
وكشف رئيس ائتلاف النصر ورئيس الوزراء في تصريح سابق الاسبق الدكتور حيدر العبادي خلال مشاركته في فعاليات المنتدى السنوي لمعهد الشرق الأوسط للبحوث MERI في أربيل عن شراء للأصوات بشكل غير مسبوق في العملية الانتخابية الحالية، مشيرا إلى أن الإنفاق الانتخابي من قبل القوى السياسية فاق الخيال ما يشوّه الديمقراطية ويُفقدها معناها الحقيقي.
وقال العبادي “إن العراق يفخر اليوم بوجود تداول سلمي للسلطة فكل رؤساء الوزراء السابقين ما زالوا موجودين في البلد، يمارسون دورهم بحرية واحترام، وهذا إنجاز يجب الحفاظ عليه”، لكن شراء الأصوات بهذا الحجم أمر غير مقبول، ويشكّل خللا يجب إصلاحه”، معللا الامتناع عن تقديم مرشحين في الانتخابات المقبلة كي لا يكون ائتلاف النصر جزءا من عملية مشوهة.
وذكرت بيانات لشركة ميتا المالكة لمواقع الفيسبوك والانستجرام وواتساب انه تم إنفاق مليون و424 ألفا و963 دولارا في جميع أنحاء العراق في الفترة من 24 أيلول إلى 23 تشرين الأول 2025. منها 473 ألفا و713 دولارا من هذا المبلغ في غضون سبعة أيام الفترة الممتدة من 17 إلى 23 تشرين الأول 2025 خلال أيام الحملة الانتخابية.
اما المختص في الشأن الاقتصادي والمالي منار العبيدي أنه رغم غياب البيانات الدقيقة حول الحجم الفعلي للحملات الانتخابية في العراق، فإن المؤشرات المتاحة تكشف عن إنفاق ضخم وواسع النطاق “أن تقديرات أولية تستند إلى عدد المرشحين وحجم الإعلانات التقليدية والرقمية تشير إلى أن إجمالي الإنفاق الانتخابي لا يمكن أن يقل عن ٣ إلى ٤ تريليون دينار عراقي وفق نظرة متحفظة جدًا، وربما يتجاوز هذا الرقم بكثير في الواقع”.

ويرى مختصون في الشأن الانتخابي أن ما جرى يكشف خللا بنيويا في ثقافة الترشح السياسي بالعراق فبدلا من أن تكون العملية الانتخابية نتاج تراكم اجتماعي ونشاط سياسي راسخ تحوّل الترشح لدى بعض الأشخاص إلى مغامرة فردية أو محاولة غير محسوبة للظهور السياسي ويشير هؤلاء إلى أن عددا من المرشحين يخوض السباق دون دراسة واقعية لحجم جمهورهم أو قدرتهم على المنافسة، ما ينتج أرقاماً متواضعة كهذه.
المختص في الشأن الانتخابي رزّاق عبيد بين للمنصة إن ظاهرة حصول بعض المرشحين على أدنى الأصوات لا يمكن فصلها عن دوافع نفسية وشخصية تدفع البعض لخوض السباق بدافع حب الظهور والرغبة في البروز، أكثر من كونها محاولة جدية للفوز.
وأضاف عبيد أنه قد قدّم نصائح مسبقة لعدد من هؤلاء المرشحين، محذّرا إياهم من أن مشاركتهم “لن تحصد سوى الحدّ الأدنى من الأصوات”، مؤكدا أن كثيرين يخوضون الانتخابات بدافع نزوة عابرة أو رغبة في تجربة الوجود على ورقة الاقتراع، من دون امتلاك أي معرفة بطبيعة العملية الانتخابية أو آليات القانون الانتخابي.
ويرى عبيد أن غياب الوعي السياسي والتقييم الواقعي للإمكانات الشخصية يجعل بعض المرشحين يدخلون السباق من دون جمهور، ومن ثم يخرجون بأرقام متواضعة تعكس فجوة بين الطموح والواقع.

في المقابل، يعتقد مراقبون أن جزءا من هذه الترشيحات قد يكون مرتبطا باستراتيجيات الأحزاب الكبيرة التي تسعى إلى ملء القوائم أو خلق توازنات معينة دون اهتمام فعلي بفرص الفوز لكل مرشح وهو ما يجعل بعض الأسماء أقرب إلى “حشوات انتخابية” تُستخدم لتعزيز حضور الأحزاب في الدوائر، بينما تُترك فرص الفوز للمرشحين المدعومين فعلياً.
رئيس الجمعية العراقية للعلوم السياسية في ذي قار أحمد الموسوي اشار الى إن جزءا كبيرا من المرشحين الذين خاضوا الانتخابات الأخيرة جرى الدفع بهم من قبل القوائم السياسية بوصفهم مجرد “إكمال عدد”، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حجم الأصوات التي حصلوا عليها.
وأوضح الموسوي أن بعض الكتل السياسية نفسها لا تؤمن بقدرات هؤلاء المرشحين ولا تراهن على حضورهم الجماهيري، ما يجعلهم يخوضون السباق الانتخابي وهم محرومون من فرص الدعاية والإعلان والدعم اللوجستي الذي يُمنح للمرشحين الأكثر شعبية داخل الكتلة. وأضاف أن الأحزاب تنظر إلى ثقل الجمهور معياراً أساسياً لتحديد مستوى الدعم، مما يضع المرشح الضعيف جماهيرياً في موقع متراجع منذ اليوم الأول للحملة.
وأشار إلى أن هذه الديناميكية تخلق وضعا مختلا فالمرشح الذي لا يمتلك قاعدة اجتماعية، ولا يحصل على دعم حقيقي من الكتلة، يكون عاجزا عن إدارة حملته الانتخابية أو الوصول إلى الناخبين بطريقة مؤثرة، وفي المقابل لا تكون الكتلة نفسها واثقة بفرص فوزه.
ويؤكد الموسوي بأن هذه الممارسات تسهم في إنتاج نتائج ضعيفة للبعض، وتعكس حاجة المشهد الانتخابي إلى مراجعة آليات اختيار المرشحين ومعايير دعمهم لضمان مشاركة أكثر تمثيلا وفاعلية.
وبين مرشحين دخلوا السباق دون جمهور وأحزاب دفعت بأسماء لا تراهن عليها، ونفوذ مالي طاغٍ قلب موازين المنافسة تبدو العملية الديمقراطية أمام تحديات تتجاوز يوم الاقتراع إلى جوهر الفعل السياسي ذاته. فغياب البرامج وضعف التواصل المجتمعي واتساع فجوة الثقة جميعها عوامل ساهمت في اتساع دائرة الخاسرين وانحسار دور المرشح الفردي غير المدعوم.



