نور عبد علي: حين تغادر الألوان من اللوحة وتعيش في السينما

أحمد كوكب – بغداد
في أوائل التسعينيات في بغداد، كانت الطفلة نور تقف بجانب والدها الرسّام عبد علي طعمة، تراقب كيف تتحول ضربات الفرشاة إلى ملامح، في علاقة مبكرة مع الفن شكّلت أساس حسّها البصري.
تقول أختها لقاء إنها “كانت تسرق الألوان المائية من أخواتها وتختبئ في السطح لترسم، وأحيانًا كنا نجد آثار ألوان على الجدران وكأن البيت كله صار لوحة”.

كبرت نور وهي تتعامل مع اللون بوصفه لغة يومية، تختار ملابسها بنفسها وتنسّقها بحدس أثار دهشة العائلة. وبعد إنهاء دراستها المتوسطة التحقت بمعهد الفنون الجميلة، حيث تقول إنها “تعلّمت أن اللون صوت، وأن اللوحة يمكن أن تنطق”، ثم واصلت دراستها في أكاديمية الفنون الجميلة بين الرسم والنحت والخزف والجرافيك، لتبني قاعدة معرفية انعكست لاحقًا على عملها في السينما.

بعد التخرج، شعرت أن اللوحة لم تعد تكفي، وأن ما تريد فعله هو رؤية الألوان تتحرك والشخصيات تغادر سطح اللوحة. انتقلت إلى السينما بخطوة محسوبة، بدأت بصميم الأزياء ثم عملت في الإدارة الفنية، موضحة أن “الفن التشكيلي هو الأساس، ففي السينما أُحوّل الألوان إلى مشاهد والضوء إلى إحساس والملابس إلى لغة للشخصيات”.
شاركت في أعمال بارزة منها “أركالا – حلم جلجامش” الذي وصل إلى مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، تجربة تقول إنها كانت نقطة تحول جعلتها ترى نفسها كفنانة متعددة المهارات. تركت وظيفة تدريس الرسم في مدرسة أهلية لتدخل هذا المجال، وتقول شقيقتها لقاء إنها “عنيدة، تعرف ما تريد وتعرف كيف تصل إليه.” كما شاركت في مسلسل “زهرة عمري” كمشرفة إكسسوارات، وفيلم “طلسم” في مهرجان دهوك، ومسلسل “ضربة زاوية”.

وتشير صديقتها سمر الدباغ إلى أنها “كانت تتعامل مع كل تفصيلة وكأنها جزء من لوحة، من اللون وحتى علاقة العناصر بالمكان والزمن”، وهي قدرة بصرية أثّرت في الطريقة التي تُبنى بها المشاهد الدرامية.
رغم انخراطها في السينما، لم تتخلَّ نور عن التشكيل، فقدمت أعمالًا بصرية تمزج بين حسّها التشكيلي والنظرة السينمائية، لتكوّن أسلوبًا يجمع بين الصورة الساكنة والمتحركة.

وفي المعرض السنوي لجمعية التشكيليين العراقيين عرضت لوحة “وسادة”، التي تصفها بأنها “مشهد سينمائي لرجل يتهيأ للنوم بينما يمرّ أمامه شريط حياته.. الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد”. وتوضح أن اللون الأحمر كان “إشارة إلى احتدام التفكير وتفاعل الحياة داخل الحلم”، وأنها استلهمت اللوحة من ليلة وفاة والدها، مضيفة: “لم أرسم أبي، رسمت أثره في داخلي”.
تشير نور إلى أن وجود النساء في أقسام الإدارة الفنية ما يزال محدودًا في العراق، لكنها ترى أن “الإدارة الفنية تحتاج ذوقًا وترتيبًا وحسًّا بالتفاصيل، والنساء يلتقطن ما لا يلاحظه الرجال”. ومع ذلك، تصف العمل خلف الكاميرا بأنه مرهق وغير مرئي، موضحة أنها “كثيرًا ما جلبت من بيتها أشياء صغيرة لتكمل مشهدًا، فالمهم أن يظهر العمل كما تراه.”
وتعتبر أن متعة العمل ليست في النتيجة النهائية فقط بل في لحظة الخلق نفسها، وتقول: “الفن بالنسبة لي ليس مهنة، هو وسيلتي لأقول إن العراق ما زال يرى الجمال رغم كل شيء”.

رغم إنجازاتها تقول نور إنها لم تصل بعد، وتطمح لتجربة فنية تمزج فيها بين التشكيل والسينما بحيث “تتحول اللوحات إلى مشاهد والمشاهد إلى لوحات”، مؤكدة أن الفن العراقي قادر على الذهاب بعيدًا لأن جذوره “ممتدة منذ حضارة وادي الرافدين من زمن جلجامش حتى اليوم”.

وفي استراحة تصوير طويلة، جلست قرب مشهد صممته بنفسها، تتأمل الجدران الملوّنة بيديها والأقمشة المختارة بعناية وزاوية الضوء التي انعكست كما أرادت. أخرجت فرشاة صغيرة من حقيبتها ورتّبت ظلًا خفيفًا على لوحة معلّقة، لمسة لا يراها أحد سواها، لكنها كافية لتؤكد أن الفن ما زال يسكنها أينما ذهبت.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).



