ألف كرسي متحرك.. من ساحة التحرير إلى بيوت ذوي الإعاقة

فاطمة كريم – بغداد

في ساحة التحرير، حيث اعتاد العراقيون رفع أصواتهم، ظهرت هذه المرة غرفة زجاجية لافتة تجمّع حولها المارة بفضول. خلف الجدران الشفافة جلس صُنّاع محتوى عراقيون، لا كنجوم على الإنترنت، بل كأفراد من الجمهور نفسه، يحملون الهدف ذاته تحت شعار “حلمي أمشي” لجمع ألف كرسي متحرّك لذوي الإعاقة.

أحمد نبيل، المعروف بـ”داسكي العراقي” الذي يبلغ 31 عاماً ويقدّم محتوى إنساني على مواقع التواصل، يشغل منصب الممثل الإعلامي لنقابة صناع المحتوى. قبل أيام أطلق داسكي مع مجموعة من الأسماء البارزة، وبدعم من نقابة العمال ونقابة صناع المحتوى، مبادرة “الغرفة الزجاجية” لجمع ألف كرسي كهربائي مخصص ذوي الاحتياجات الخاصة.

يقول داسكي إن “صناع المحتوى يمتلكون جمهوراً واسعاً، واليوم يجب أن نستخدم هذه القوة بطريقة صحيحة وبما يخدم الناس… هذه المبادرات شاهدناها في لبنان ودبي، وحان الوقت لتنجح في العراق أيضاً”.

الغرفة التي بُنيت في ساحة التحرير ضمّت إلى جانب داسكي مجموعة من صناع المحتوى منهم مهيمن علاء، حمادة العاني ومرتضى محمد. بقاءهم داخلها طيلة عشرة أيام من 21 نوفمبر حتى 1 ديسمبر بدا رسالة التزام واضحة أكثر من كونه حضوراً إعلامياً. يدخل يومياً ثلاثة ضيوف من صناع المحتوى أو الناشطين لإجراء جلسات حوارية تزيد من التفاعل وتمنح صوتاً لقضايا ذوي الإعاقة واحتياجاتهم. استخدم الفلاونسرز شهرتهم هذه المرة بشكل مختلف: منصة للتضامن الاجتماعي، لا للتسلية. يقول داسكي وهو يحث الناس على التبرع إن “كل ألف دينار يمكن أن تصنع فرقاً حقيقياً في حياة ذوي الهمم”.

حمادة العاني، الممثل وصانع المحتوى، يرى أن اختيار ساحة التحرير لم يكن صدفة، فهي “المكان الذي يقصده الناس لإيصال أصواتهم، ورمز للحرية وفضاء مفتوح لكل العراقيين”. ويوضح أن هناك بثاً مباشراً مستمراً على يوتيوب لزيادة التفاعل وحجم التبرعات.

على الجانب الرسمي دخلت نقابة صناع المحتوى واتحاد نقابات العمال بشراكة لدعم المبادرة بينما حصل صناع المحتوى على الموافقات القانونية من وزارة الداخلية وأمانة بغداد، وهو ما منحهم غطاءً مجتمعياً ورسمياً يحميهم على حد وصفهم.

منسق الحملة الإعلامي مصطفى صلاح الدين يؤكد أن ضعف البنية التحتية في العراق يجعل حصول ذوي الإعاقة على كرسي كهربائي بمثابة “نافذة جديدة للحياة”، مضيفاً أن شعار “حلمي أمشي” ليس مجرد عنوان، بل “وعد نسعى لتحويله إلى واقع”. ويوضح داسكي في حديث آخر أن التبرعات تتم عبر حساب مصرفي موثوق (QiCard) وبطاقات ماستر كارد، وتذهب بالكامل إلى العتبة الحسينية التي تتولى شراء الكراسي الكهربائية وتوزيعها.

ويشير منسق الحملة إلى أن العتبة الحسينية، بصفتها مؤسسة دينية وخدمية كبرى، تُعد من أكبر الجهات في العراق التي تدير مشاريع إنسانية وصحية وخيرية. وتشير تقارير رسمية إلى أنها تنفّذ أكثر من 90 مشروعاً خيرياً سنوياً وتستقبل ملايين الزائرين، ما يجعلها جهة موثوقة لدى قطاع واسع من الجمهور عند تنفيذ مبادرات بهذا الحجم.

بينما يؤكد صانع المحتوى حمادة العاني أن “الكراسي المشتراة لن تبقى بيد جهة غير معروفة، بل بيد مؤسسة لديها خبرة واسعة في إدارة مشاريع إنسانية كبيرة”. وبعد أقل من 48 ساعة فقط من انطلاق المبادرة وصل مبلغ التبرعات إلى أكثر من 70 مليون دينار عراقي.

لكن الحملة لم تمر بلا عواصف، إذ يقول داسكي إن أصعب اللحظات التي مرت عليه وعلى زملائه لم داخل الغرفة الزجاجية بل خلال الساعات التي “انهار فيها كل شيء فجأة” بعد انتشار اتهامات من أشخاص “ضعاف النفوس” تتحدث عن غسل أموال أو جمع تبرعات بطرق غير قانونية.

ويضيف أن الفريق لم يكن يمتلك سوى “النية الصافية ورغبة صادقة في مساعدة المحتاجين”.

أما حمادة العاني فيصف تلك اللحظات بأنها “امتحان حقيقي للإيمان بالفكرة”، إذ فوجئ الفريق بقدوم قوة حكومية أمرت بإزالة الغرفة وإيقاف الحملة بعد 30 ساعة فقط من انطلاقها من دون أي أسباب رسمية. “كنا نبكي… شعرنا أن حلم المحتاجين انهدم أمام عيوننا”، معبّراً عن خيبة الأمل بعد الجهد الكبير الذي بذلوه.

تدفّق عشرات المواطنين إلى ساحة التحرير للتضامن مع الحملة. وقف الناس حاملين التبرعات، وارتفع صوتهم دعماً لذوي الإعاقة، وتحوّل التضامن الفردي إلى رأي عام واسع. مواقع التواصل امتلأت بصور وفيديوهات، وانتشر الهاشتاغ بشكل كبير، ما جعل الحملة حديث الشارع العراقي.

لكن لحظة الانكسار لم تدم طويلاً. فبعد مناشدات واسعة، وصل صوت الحملة إلى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي أصدر توجيهاً بإبقاء الغرفة واستمرار الحملة، وتبرع بمبلغ 10 ملايين دينار دعماً لها.

يقول داسكي إن “اللحظة التي وصل فيها القرار شعرنا أن الحق عاد وأن التعب لم يذهب سدى”، فيما يضيف حمادة العاني: “كان انتصاراً… ليس لنا، بل لكل محتاج ينتظر بصيص أمل”.

بحسب تقديرات الأمم المتحدة، يشكل ذوو الإعاقة حوالي 12% من سكان العراق، أي نحو 5 ملايين شخص، ويواجهون تحديات ضخمة بسبب ضعف البنية التحتية وغياب الخدمات الملائمة. وتشير تقارير وزارة العمل إلى أن أقل من 10% من المباني الحكومية مجهّزة بمنحدرات أو مصاعد، بينما لا تتوفر مدارس متخصصة إلا في نطاق محدود، مما يجعل الحصول على وسائل تنقل مساعدة مثل الكراسي الكهربائية مسألة حياة يومية.

هذه المبادرة أعادت تسليط الضوء على حقوق ذوي الإعاقة، وعلى أهمية تطوير البنية التحتية والقوانين التي تضمن لهم العيش بكرامة ودمجاً فعّالاً. وفي بلد يواجه تحديات إنشائية كبيرة، تصبح وسيلة التنقل البسيطة أحياناً بوابة للحياة.

يقول داسكي بنبرة مفعمة بالأمل إن “هذه الحملة قد تكون نقطة انطلاق لمبادرات تجمع بين التأثير الرقمي والواقعي.. بين الصوت الإعلامي والعمل الاجتماعي”.ويضيف: “هي تذكير بأن كل دينار وكل تبرع يمكن أن يُحدث فرقاً حقيقياً في حياة إنسان يحتاج نافذة للحركة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى