انتخابات 2025: نظام سانت ليغو يعيد النساء إلى سقف الكوتا

بغداد- مرتضى الحدود

في مفارقة لافتة تعكس ملامح المشهد السياسي العراقي في انتخابات 2025، سجّل التمثيل النسائي تراجعًا واضحًا مقارنة بالدورة السابقة. فبعد أن حصدت المرأة 95 مقعدًا في برلمان 2021، لم تتمكن في هذا الاستحقاق سوى من الفوز بـ83 مقعدًا فقط، وهو رقم لا يتجاوز حدود الكوتا الدستورية البالغة 25٪.

تراجعٌ نسبته 13٪ أعاد إلى الواجهة أسئلة حول مستقبل مشاركة المرأة ومدى قدرة النظام الانتخابي والقوى الحزبية على تعزيز حضورها بدل حصره في الحد الأدنى القانوني.

يقول الخبير الانتخابي الدكتور قاسم الربيعي للمنصة إن الصيغة الجديدة لقانون الانتخابات وفق “سانت ليغو المعدل”، والتي أجريت بموجبها انتخابات 2025، جعلت أصوات المرشحات تُحتسب عمليًا ضمن سقف الكوتا البالغ 25٪ مهما بلغ حجمها، الأمر الذي يحدّ من إمكانية صعودهن عبر المنافسة العامة.

ويشير الربيعي إلى أن النظام السابق، المعتمد على الدوائر المتعددة، كان أكثر مرونة للمرأة لأنه سمح لمن يحصل على أعلى الأصوات — رجلًا كان أم امرأة — بالفوز المباشر، مع بقاء الكوتا ضمانة إضافية. ويرى أن هذا النظام منح النساء فرصة للتنافس الحقيقي، وأتاح لعدد كبير منهن الوصول إلى البرلمان استنادًا إلى قوتهن الانتخابية المباشرة.

تغيير نظام التصويت في العراق حدث أربع مرات خلال 15 عامًا، من الانتقال من القوائم المغلقة، إلى الدوائر المتعددة، ثم العودة إلى سانت ليغو المعدل، ما أثر باستمرار على فرص الفئات الأضعف سياسيًا، ومنها النساء والمستقلون.

ورغم أن المفوضية كانت قد أعلنت عن تنافس 7768 مرشحًا في انتخابات 2025، من بينهم 2248 مرشحة — أي ما نسبته 29% — فإن هذا الحضور الواسع لم ينعكس تمثيلًا داخل البرلمان. فالكوتا النسوية تضمن 83 مقعدًا فقط من أصل 329، بينما تطمح المرشحات إلى انتزاع مقاعد إضافية عبر الأصوات المباشرة بعيدًا عن الاعتماد على السقف الدستوري.

وتشير التجربة الانتخابية لعام 2021 إلى أن المرأة تمكنت من كسر هذا السقف حينها بفوز 95 مرشحة، استطاعت أكثر من 50 منهن الفوز استنادًا إلى أصوات الناخبين فقط دون اللجوء إلى الكوتا، ما عُدّ دليلًا على اتساع الثقة الشعبية بقدرة النساء.

هذا التراجع أثار استياءً واسعًا بين المرشحات. الدكتورة نغم الإبراهيمي، إحدى المشاركات في انتخابات 2025، تعتبر أن القانون الجديد “أعاد النساء إلى نقطة البداية”. وتقول للمنصة إن “هناك نساء فزن بجدارة وبعدد أصوات يكفي لانتزاع مقاعد من الرجال، ومع ذلك جرى احتساب فوزهن ضمن حصة الكوتا بدل إضافته إلى التمثيل العام، وهو ما أراه ظلما يقلّل من الوزن الحقيقي لأصواتهن”. وتدعو الإبراهيمي إلى أن تُحتسب أصوات النساء ضمن المقاعد العامة وأن “تبقى الكوتا أداة لرفع التمثيل لا وسيلة لتحجيمه”.

الناشطة النسوية أسيل الشمري ترى أن القانون الحالي “حرم المرأة من حقها الطبيعي في الفوز عبر أصواتها”، معتبرة أنه أغلق باب المنافسة الحرة مع الرجال. وتشير إلى أن الكثير من المرشحات حصلن على أعداد كبيرة من الأصوات تعكس حضورًا قويًا في دوائرهن، إلا أنهن لم يصلن للبرلمان بسبب تعذّر بلوغ قوائمهن العتبة الانتخابية، ما أدى — بحسب قولها — إلى إقصائهن رغم تفوقهن العددي.

وتؤكد الشمري على ضرورة وجود آلية قانونية تتيح للمرشحات اللواتي يحصلن على أصوات مرتفعة الانتقال إلى المقاعد العامة بدل بقائهن محصورات داخل نظام الكوتا، وبما يضمن ترجمة ثقة الناخبين إلى تمثيل فعلي داخل المؤسسة التشريعية.

من جهته، كشف “المرصد النيابي العراقي” عن مفارقة أخرى في التمثيل النوعي، إذ ضمت لجنة المرأة والأسرة والطفولة أعلى نسبة تمثيل نسوي (24 نائبة)، بينما لم تضم لجنة الأمن والدفاع سوى نائبة واحدة، ما يعكس استمرار الفجوة بين حضور النساء في اللجان الاجتماعية مقابل تراجعهن في اللجان ذات الطابع الأمني والسياسي.

ويشير الدكتور علي العتابي من مركز البوصلة للدراسات والحوار إلى أن انخفاض تمثيل المرأة يرتبط بشكل مباشر بالنظام الانتخابي الجديد. ويوضح أن القانون السابق منح المرأة فرصتين للفوز، الأولى عبر المنافسة المباشرة، والثانية عبر الكوتا، بينما حدّ القانون الحالي من هذه الفرص عبر تثبيت السقف عند 25% وعدم السماح بتجاوزه.

لكنه يضيف أن “فاعلية المرأة لا تُقاس بعدد المقاعد فقط”، مشيرًا إلى أن البرلمان السابق رغم ارتفاع تمثيل النساء إلى 95 نائبة لم يحقق أداءً تشريعيًا فعّالًا.

وفق مؤشرات دولية، يحتل العراق المرتبة 117 عالميًا في تمثيل النساء في البرلمانات، رغم وجود كوتا إلزامية بنسبة 25%، بينما تتراوح نسب مشاركة النساء عالميًا بين 30% و40% في دول تتبنى أنظمة انتخابية أكثر دعمًا للتمثيل النسوي.

وتشير بيانات المفوضية إلى أن 98 مرشحة حصلن على نسب أصوات عالية تراوحت بين 4 آلاف إلى أكثر من 22 ألف صوت، لكن كثيرات منهن لم يصلن إلى البرلمان بسبب طبيعة احتساب الأصوات في النظام النسبي الحالي. الناخبة زينة حمود تقول إن “الاكتفاء بالعودة إلى حدود الكوتا يعكس أن الأحزاب لم تعد تنظر إلى تمثيل المرأة بوصفه قيمة سياسية، بل استحقاق قانوني يجب ملؤه ضمن معادلة النفوذ الذكوري”.

أما الباحث السياسي أحمد الموسوي، فيربط تراجع التمثيل بجملة من العوامل المتداخلة، من تغييرات النظام الانتخابي، إلى نقص دعم المرشحات المستقلات، إضافة إلى انتقال أصوات الناخبين نحو مرشحين يشغلون مناصب تنفيذية داخل بعض القوائم. ويشير إلى أن التحديات الاجتماعية والاقتصادية ما تزال تقيد حضور المرأة في الحياة العامة، رغم حصولها على نسب عالية من الأصوات في بعض المحافظات.

ويختم الموسوي بالقول إن الحفاظ على نسبة الـ25% بات “خط الأمان الوحيد” لضمان حضور النساء في البرلمان، وأن تجاوز هذا السقف لن يتحقق إلا عبر إصلاح النظام الانتخابي وتعزيز دور النساء داخل الأحزاب السياسية.

ورغم اختلاف القراءات بين من يحمّل القانون الجديد مسؤولية الحد من صعود النساء، ومن يرى أن العدد لا يعني بالضرورة الفاعلية، يبقى ثابتًا أن المرشحات في انتخابات 2025 قدمن دليلاً واضحًا على قوة حضورهِن الانتخابي وأن الطريق نحو تمثيل نسوي أكثر عدلًا لا يزال طويلًا، ويتطلب مراجعات قانونية وسياسية وثقافية جادة.

 

 

 

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى