بين المواقع الأثرية والمراقد المقدسة: ثلاث حكايات لنساء عراقيات يصنعن أثرًا

ثلاث نساء عراقيات شققن طريقهن داخل مجالات يندر حضور النساء فيها، من التنقيب الأثري إلى السياحة الوافدة وصولًا إلى السياحة الدينية، ليصبحن جزءًا من رواية العراق وصورته الجديدة أمام العالم.

فاطمة كريم – بغداد

كانت جنان تسير بين تراب المواقع الأثرية كما لو أنها تسير فوق ذاكرة بلد كامل، تنحني على الأرض، تُزيح الغبار عن حجارة صامتة، وتبحث بعين خبيرة عن قطع صغيرة تخبئ تاريخ الشعوب التي مرّت من هنا.

وُلدت الدكتورة جنان خضير في بابل قبل 56 عامًا، المدينة التي احتضنت حضارات تركت أثرًا عميقًا في حياتها، تقول: “كنت أشعر أن كل حجر في بابل يناديني كي أحافظ عليه”.

بدأت مسيرتها بالحصول على بكالوريوس في الآثار الإسلامية من جامعة بغداد، ثم ماجستير عن المسكوكات في مدينة واسط، وبعدها الدكتوراه. لم يقتصر دورها على الدراسة الأكاديمية، فقد انخرطت مبكرًا في العمل الميداني بين التنقيبات واللجان العلمية. عملت في هيئة الآثار والتراث منذ بداية التسعينيات وتولّت مناصب عدة، وكانت جزءًا من لجان الجرد التي أعادت تنظيم آلاف القطع الأثرية. تؤكد: “كل قطعة أثرية تعود إلى مكانها هي خطوة نحو حفظ ذاكرة العراق”.

بحسب تقديرات وزارة الثقافة، يضمّ العراق أكثر من 15 ألف موقع أثري مسجّل، إلا أن أقل من 5٪ منها جرى تنقيبه فعليًا، فيما تُعد محافظات الجنوب—وخاصة ذي قار وبابل—الأغنى بالمواقع السومرية والأكدية والآشورية.

كرّست جنان جانبًا من جهودها لإبراز دور المرأة في حماية هذا المخزون الأثري، معتبرة أن “المرأة العراقية قادرة على أن تكون حارسة للتاريخ”. تتحرك بين المواقع الأثرية وكأنها تتعامل مع أمانة كبرى وُضعت بين يديها، فكل حجر تلمسه تراه جزءًا من هوية العراق التي يجب حمايتها. وفي كل اكتشاف جديد تشعر أنها تعيد قطعة مفقودة إلى مكانها الطبيعي.

تستذكر جنان واحدة من أبرز محطات عملها في بابل خلال حملة تنقيب حين عثرت على دِلّة أثرية صغيرة بدت في البداية قطعة خزفية بسيطة، لكنها كشفت عن قطع ذهبية وأحجار كريمة محفوظة كأن الزمن لم يمر عليها.

تقول: “كنت أشعر أني أمسك جزءًا من روح المكان”. كما اكتشفت مخطوطات نادرة وأحجار عقيق وقوانين مكتوبة بخط قديم، ما جعل الموقع يتحول إلى سجل حي للحضارة. وتضحك وهي تروي كيف قال المشرف على الحملة، وكان الرجل الوحيد بين فريق نسائي: “يبدو أن النساء أفضل من ينبش في الماضي”.

نور النجفي: “السائح واحد من أهلي”

إن كانت جنان ترى نفسها واحدة من “حارسات التاريخ” في مواقع التنقيب، فإن نور النجفي اختارت مسارًا مختلفًا لتقديم صورة أخرى عن العراق — من بوابة السياحة هذه المرة. لم تكن نور، البالغة 34 عامًا، تتوقع أن يقودها الطريق إلى هذا المجال. فبعد تخرجها في كلية اللغات – اللغة الإنجليزية، أمضت سنوات طويلة تبحث عن وظيفة مستقرة دون جدوى.

تقول: “كنت كل يوم أسمع جملة لا يوجد تعيين”. عندها قررت نور أن تغيّر مسارها باتجاه السياحة، فبدأت بخطوة صغيرة عبر مواقع التواصل، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى واحدة من أنشط المنظّمات السياحيات في العراق. باتت تستقبل السائح منذ لحظة وصوله، وتعدّ له برنامجًا كاملاً يشمل الطعام والسكن والنقل وحتى العلاج عند الحاجة. تقول: “أنا لا أنظر للسائح على أنه زائر… أراه واحدًا من الأهل”.

وشهد العراق خلال السنوات الأخيرة عودة تدريجية للسياحة، خصوصًا بعد زيارة البابا فرنسيس عام 2021 التي أعادت تسليط الضوء على المواقع الدينية والحضارية. تشير بيانات رسمية إلى أن أعداد الزوار—عراقيين وأجانب—ارتفعت في المواقع الأثرية والمدن التاريخية، إذ تستقبل بابل وحدها أكثر من 40 ألف زائر عراقي سنويًا إلى جانب آلاف الأجانب، بينما شهدت محافظة ذي قار زيادة لافتة في حركة السياحة نحو مدينة أور وزقّورتها بعد الزيارة البابوية، مع تقديرات بوصول عشرات الآلاف من الزوار سنويًا.

تتجول نور مع السياح بين المحافظات، وتتعامل مع جنسيات متعددة. ورغم صعوبة المهنة تراها شغفًا لا وظيفة. وقد برزت بقدرتها على جذب السياح الأجانب، وتقول إن “الطلب على زيارة العراق ازداد بشكل ملحوظ خصوصًا إلى بغداد ومحافظات الشمال، أما الناصرية فقد شهدت قفزة كبيرة بعد زيارة بابا الفاتيكان لزقورة أور”.

وتواصل: “من يوم زيارة البابا والناس تجي من كل مكان حتى تشوف الموقع وكأنها صحوة جديدة”.

ووفقاً لتقرير صادر عن موقع «Country Cassette» فإن العراق احتلّ المرتبة 105 عالميًا من حيث عدد السياح الدوليين في العام 2024، بعد أن استقبل نحو 892 ألف زائر دولي، أي ما يعادل حوالي 0.1٪ من مجمل الوافدين العالميين.

نظّمت نور عشرات الرحلات خلال العام الماضي وأصبحت معروفة لدى مجموعات السياح الذين يفضّلون وجودها كمشرفة. وتحلم بامتلاك مكتب سياحي خاص تديره مع نساء أخريات، وتقول: “أريد أجذب أكبر عدد من السائحين وأحسّن صورة بلدي. العراق انظلم إعلاميًا لسنوات، لكن بجهودنا نرجعه كما كان وأفضل”.

أم علي: من صاحبة “بسطية” إلى دليلة سياحية

مثلما تُقدّم نور نموذجًا لعمل النساء في السياحة الوافدة، تقوم سيدات أخريات بالدور نفسه داخل مجتمعاتهن المحلية، وهذه المرة عبر السياحة الدينية.

في منطقة سبع البور شمال بغداد، تعيش أم علي الأسدي، امرأة تجاوزت الخمسين لكنها تعمل بطاقة شابة. لم تخطط يومًا أن تصبح مرشدة دينية، فقد بدأت من “بسطية” صغيرة لبيع الاحتياجات الغذائية، وكانت الجارات يطلبن منها تنظيم زيارات للمراقد. جمعت عددًا من النساء وخرجت بهن في زيارات أسبوعية، وكانت الفكرة أقرب لخدمة اجتماعية منها لمشروع سياحي.

لكن الإقبال ازداد والثقة كبرت، ففهمت أم علي أن لديها موهبة لم تستثمرها. كبر المشروع تدريجيًا، فأسست شركة صغيرة للزيارات الدينية والحج والعمرة بالتعاون مع أبنائها. تحول العمل من مبادرة فردية إلى مشروع عائلي منظم. وبعد سنوات قليلة، افتتحت فرعًا آخر لها في منطقة الشعلة.

تقول بابتسامة: “لم أكن أتوقع أن أدير شركة بفرعين.. كل هذا جاء من العمل المستمر وكسب ثقة الناس”.

توسعت خدمات أم علي وساعدها أبناؤها في شراء باصات حديثة لنقل الزائرات. وهي تعلن مواعيد الرحلات مسبقًا مع برنامج واضح يشمل أماكن الزيارة ووقت العودة، إضافة إلى توفير احتياجات النساء. وتمكنت من تنظيم أكثر من 50 رحلة عمرة، وغالبًا ما تكون هي من ضمن الزائرات. تقول: “هذا رزق من الله… وتوفيق ما كنت أتوقعه”.

تُعدّ السياحة الدينية أحد أكبر محركات الحركة السياحية في العراق، إذ سجلت البلاد عام 2024 مشاركة نحو 23 مليون شخص في مراسم الأربعين، بينهم أكثر من 5.2 مليون زائر أجنبي. وتقدّر تقارير اقتصادية أن هذا النوع من السياحة أدّر أكثر من 9 مليارات دولار من الإيرادات المباشرة وغير المباشرة خلال عام 2023، ما يجعلها القطاع الأكثر نشاطًا واستقرارًا مقارنة بأنماط السياحة الأخرى في البلاد.

اليوم تنظم أم علي رحلات للنساء من مختلف مناطق بغداد، وتسهم تجربتها في تسليط الضوء على أهمية السياحة الدينية. خصوصًا مع تزايد الرغبة في زيارة المراقد ضمن مجموعات نسائية توفر الشعور بالراحة والأمان. وتشير تقديرات ميدانية إلى أن الرحلات النسائية تشهد نموًا مستمرًا خلال المواسم الدينية، ما خلق مساحة واسعة لعمل المرشدات.

تكشف قصص جنان ونور وأم علي أن حضور المرأة العراقية يتوسع داخل مجالات كانت تبدو حكرًا على الرجال، من التنقيب الأثري إلى السياحة الوافدة والدينية. وهو حضور يتشكل من تجارب عملية ومبادرات فردية، ومن كثير من التعب والصبر والإخلاص.

 

 

 

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى