أمواج ونور.. شغفٌ يعيد مسرح الدمى إلى البصرة
نغم مكي – البصرة
في زاوية هادئة من بيتها، تجلس أمواج علي وسط أكوامٍ من القماش والصوف والفرو، تخيط بإبرتها دمية جديدة بينما تستعيد ذكريات الطفولة حين كانت الكهرباء تنقطع في أيام الحصار المفروض على العراق في تسعينيات القرن الماضي، فتصنع من أصابعها وظلالها على الحائط عالماً كاملاً من الشخصيات والحكايات.
لم تكن تعلم آنذاك أن ذلك الخيال البريء سيتحوّل بعد سنوات إلى مشروعٍ فني يُعيد للبصرة فناً كاد أن يُنسى.
تروي أمواج، وهي تمسك إحدى الدمى الخمسين التي صنعتها بيديها: “كنا نحرك أيدينا على الحائط في الظلمة، يظهر الظل ونحركه، طيراً أو دباً”. الأم لثلاثة أطفال، والطالبة الجامعية في قسم التربية الفنية، لم تدع مسؤولياتها تطفئ شغفها، بل على العكس، وجدت في الدمى جسراً يربط بين طفولتها وحاضرها، وبين أحلامها وواقعها.

الشرارة الحقيقية اشتعلت في المرحلة الثالثة من الكلية، حين قدّم الدكتور سيف الدين الحمداني مادة مسرح الطفل: “قال لنا اصنعوا هذه الدمى واخيطوها، هنا بدأ المشوار حقاً”. تقول أمواج إن الأمر لم يكن مجرد تكليفٍ دراسي، بل كان إعادة اكتشاف لموهبة ظلت مطمورة سنوات طويلة.
إلى جانبها، تقف نور محمد، الشابة الثلاثينية وخريجة المحاسبة التي عادت لتكمل دراستها في التربية الفنية. صوتها الذي تتقن تغييره وتطويعه لشخصيات مختلفة كان المكمل المثالي لإبرة أمواج وخيوطها. تقول نور التي كانت تدبلج أصوات الرسوم المتحركة قبل أن تجد في الدمى ملعبها الحقيقي: “أنا من عشّاق الدمى، وأحب أن أغير الأصوات”.

التقت الموهبتان في فريق “بصمة فن”، المنظمة المستقلة التي تدعم الفنون والمواهب لكلا الجنسين. يقول مصطفى الضاحي، الملحن والمطرب وخريج بكالوريوس فنون من جامعة بغداد ورئيس منظمة بصمة فن بفروعها في بغداد والبصرة: “هدفنا نشر الثقافة الفنية وإحياء المسرح بكل أنواعه والموسيقى والغناء والرسم وكل أنواع الفنون”.
يضيف الضاحي موضحاً الفرق بين مسرح الدمى في السبعينات والآن: “في أيام السبعينات كان هذا المسرح له صدى واسع ومتسلّطة الأضواء عليه، ولكن بعدها في الثمانينات بسبب الحروب والأزمات التي مر بها العراق توقف تقريباً. رجع بعد 2003 لكن بصورة ضعيفة جداً وغير متسلّطة عليه الأضواء”.
في هذا السياق، وجدت أمواج ونور الدعم والمساحة لتطوير مشروعهما. لم تدخلا ورشات عمل أو دورات تدريبية، بل كان التطوير ذاتياً بالكامل. تشرح نور: “ظللت أبحث في الإنترنت عن كيفية صنع الدمى وتغيير الأصوات”، بينما كانت أمواج تقضي الساعات في خياطة الدمى وتجسيد الشخصيات بكل تفاصيلها.
لم يكن العرض الأول سهلاً. ظهور بسيط في معرض لفريق بصمة فن في حديقة هابي لاند، حيث قدّمتا مشهداً عفوياً لاقى استحسان الجمهور. ثم توالت العروض في الكلية، وعلى قناة الجنوب، وفي حدائق البصرة، وعلى إذاعة دارك حيث تقدم نور الآن برنامجاً صباحياً أسبوعياً باسم “بيت جدو”.
يؤكد مصطفى الضاحي أهمية هذا الإنجاز: “بالنسبة لنا كبصمة فن نعمل على إحياء مسرح الدمى وأنجزنا هذا، ولنا برنامج أسبوعي (حكايات الدمى) بتمثيل المبدعتين نور محمد وأمواج علي، ولقى هذا البرنامج صدى واسعاً. والحمد لله أعمالنا مستمرة، وكتقييم من نقابة الفنانين والفنانين الرواد، فريقنا هو الأول على البصرة والثاني على بغداد”.

الشخصيات التي تنبض بالحياة بين أيديهما ليست مجرد قطع قماش محشوة بالصوف. الضفدع “كامل”، والوحش الأزرق “كعكي” الذي يحب البسكويت، والأرنب والأسد والخروف، كلها تحمل رسائل تلامس واقع الأطفال ومجتمعهم: عن النفاق والتنمر، وعن احترام الكبار، وعن التحرر من إدمان الهواتف، وعن قيمٍ كادت تُنسى في زحمة وسائل التواصل الاجتماعي.
تقول أمواج عن العرض الذي لاقى أكبر تفاعل، وهو عن النفاق: “مجتمعنا يحتاج لمثل هذه الرسائل”، بينما تضيف نور: “الأطفال لا يحبون الحفظ التقليدي، يحبون من يمثل أمامهم مشاهد كوميدية تظل راسخة في أذهانهم”.
المشروع الذي بدأ بقصاصات قماش موجودة في البيت، وصوف وفرو من السوق، يواجه اليوم تحدياً رئيسياً، وهو الحاجة إلى مزيد من الدعم والمساحات. تتمنى أمواج: “أتمنى أن تكون هناك ورش لنعلم فيها، أتمنى أن يكون هناك مكان نجلس فيه ونعلم الأطفال”، بينما تحلم نور بتوسيع المشروع ليشمل المدارس، حيث يمكن تقديم المناهج الدراسية عبر مسرح الدمى بطريقة تجعل التعليم ممتعاً وسلساً.
العروض التي قدمتاها حتى الآن كانت جميعها مجانية تماماً. الدعوات تأتي من المدارس الحكومية والأهلية، ومن دور الأيتام، ومن الفعاليات الثقافية. لكن المردود المعنوي من ضحكات الأطفال وبريق عيونهم يظل الدافع الأكبر للاستمرار.
الطموح أكبر من مجرد عروض. أمواج تحلم بإنشاء ورشة لتعليم الأطفال صناعة الدمى وتحريكها، لأن هذا الفن قادر على توسيع خيالهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم. بينما تسعى نور لإعادة مسرح الدمى إلى المدارس كأداة تعليمية أساسية، لا كترفٍ أو نشاطٍ هامشي.
تؤكد نور: “نحتاج دعم أساتذتنا في الكلية ومساندة التربية حتى نتمكن من تخريج جيل واعٍ ومثقف”. والدعم الذي تتحدث عنه ليس مالياً فحسب، بل معنوياً وإدارياً: مساحات للعرض، وتشجيع من المؤسسات التعليمية، واعتراف بأهمية الفن في بناء شخصية الطفل.

في الختام، تتوجه أمواج برسالة لكل امرأة: “سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، كبيرة أو صغيرة في السن، أن تطور من فنها ولا تتوقف. النجاح يجب أن يكون متواصلاً، لا أن تنجح وتتخرج من الكلية ثم تتوقف. حتى لو كانت لديها أطفال ومسؤوليات في البيت”. أما نور فتختم: “رسالتنا أن نكمل معاً، نوصل للأطفال والجيل الجديد أن المعلومات تصلهم بطريقة سهلة وسلسة، يحبون الدراسة ولا يكرهونها”.
تضع الشابتان عرائس الدمى في يديهما، دمية الأم المتعبة ودمية الفتاة الصغيرة ذات الضفائر، وتبدآن بتحريكهما برفق. يتغير صوت نور ليصبح ناعماً كصوت طفلة: “ماما، دعيني أساعدك”، بينما ترد أمواج بصوت دافئ: “شكراً يا حبيبتي”. تتشابك أيدي الدميتين في مشهد بسيط لكنه يحمل معنى عميقاً.
في تلك اللحظة، لا تكون الرسالة عن المساعدة فقط، بل عن أن المحبة والتعاون هما اللبنة الأساسية لبناء مجتمعٍ أفضل، وأن هذا الفن القديم ما يزال قادراً على أن يزرع في قلوب الأطفال قيماً تدوم مدى الحياة.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).



