نوال خان.. صوتٌ عراقي يكتب رحلته بين ثلاث عواصم

مهدي غريب – بغداد

بين الكويت ولندن وبغداد، تتشكّل حكاية الفنانة نوال خان، المطربة العراقية ذات الأصول الكوردية، التي حملت معها صوتاً تشرب من بيئات متعددة وتحوّل مع السنوات إلى هوية فنية خاصة.

وُلدت نوال في الكويت، وهناك عاشت طفولتها ودراستها بكل تفاصيلها، قبل أن تنتقل إلى لندن، حيث بدأت أولى خطواتها الفنية الجدية، لتعود لاحقاً إلى الساحة العراقية والعربية بمجموعة أعمال أثبتت حضورها.

نشأت نوال في مدارس الكويت، وبرزت فيها موهبتها مبكراً. كانت تشارك في كل نشاط فني تقريباً: غناء، عزف، رسم، خط عربي، تزيين وديكور. لم تكن طفلة عادية في علاقتها بالفن، فقد كانت الموسيقى—كما تقول لاحقاً—ملاذها الأول.

ورغم أن جذورها عراقية، فإن البيئة الكويتية بطابعها الفني تركت أثراً واضحاً في شخصيتها. تقول في أحد مداخلاتها: “الإيقاعات الخليجية كانت أول ما حفظه قلبي قبل أذني، ومنحتني إحساس الدفء في الغناء”. ذلك التكوين المبكر سيظهر لاحقاً في طريقة أدائها وتلوين صوتها بين اللهجات.

حين انتقلت عائلتها إلى لندن، لم تتوقع أن تلك المدينة ستفتح أمامها باباً جديداً. ففي عام 2000 التقت الفنان العراقي الراحل الفريد جورج، الذي كان يسعى لتأسيس فرقة تُعيد إحياء التراث العراقي في أوروبا. انضمت نوال إلى فرقته وتلقت تدريبات في الصولفيج والعزف، واكتشفت جانباً من صوتها لم تكن قد جرّبته من قبل.

تقول نوال: “الفريد كان يرى في صوتي شيئاً عراقياً خالصاً، رغم تأثري بالخليجي. كان يقول لي دائماً: صوتك يعرف أصله”.

مع الفرقة، شاركت الفنانة العراقية في حفلات كبيرة في مدن بريطانية، حفلات حملت إلى الجالية العراقية شيئاً من الوطن الغائب، وكانت أول تجربة تمنح نوال ثقة المسرح الحقيقي، وسرعان ما ذاع صيتها عبر لقاءات إذاعية في لندن.

أصدرت نوال في عام 2003 أول ألبوم يجمع بين اللهجة العراقية والخليجية والمصرية. غير أن الألبوم لم يحقق الانتشار المطلوب بسبب أخطاء إنتاجية على حد وصفها. بعدها اتخذت قراراً بالتوقف عن الغناء لسنوات طويلة، وهو قرار لم يكن سهلاً عليها.

التحقت نوال بالجامعة لدراسة الإعلام – قسم الصحافة، وعملت في مجلات محلية في لندن، ثم في قسم الأخبار الفنية في إذاعة عربية انتقلت لاحقاً إلى قطر. كما تزوجت، وانشغلت بأسرتها وأطفالها، لكنها تقول في أحد تعليقاتها المقتضبة: “الفن لم يغب عني، كان مؤجلاً فقط”.

بعد فترة الانقطاع، عادت نوال إلى الفن من خلال أكاديمية الفنون والتراث العربي في لندن، التي أسسها الفنان باسم مهدي وزوجته المخرجة زينب الجواري. هناك بدأ صوتها يعود بقوة أكبر. التفاعل معها داخل الأكاديمية أعاد لشغفها الحياة، ومع الوقت بدأت تستعيد حضورها الفني تدريجياً وتعمل على تطوير أدائها واتجاهها.

مع انطلاق ثورة تشرين 2020، شعرت نوال بأن من واجبها تقديم عمل وطني يلامس مشاعر العراقيين. قدّمت أغنية من كلمات قيس الجراح وألحان حازم، ولاقي العمل اهتماماً في القنوات والإذاعات العراقية. وتصف تلك التجربة بقولها: “كان صوتي هذه المرة يذهب إلى العراق مباشرة.. بلا مسافة.”

بعد تلك العودة، تعاونت مع أسماء بارزة وقدّمت أعمالاً متعددة من بينها: سلاحك علَم، أول خيانة، حلمي بسيط، وطن قلبي، نجمة الليل، رايحين، حيّوا العراقية، ما تستاهلني، لاموا كثير، هذه مملكتي، إضافة إلى إعادة غناء تراثيات عراقية شهيرة مثل: سألت عنك، ياليل يا بو السهر، گوم إنثر الهيل، أحبك وأنا أريد أنساك، هذا منو دگ الباب، الولد الولد. كما قدمت عدداً من التايتلات الإذاعية، من بينها بين حانة ومانة وأهل المدينة. واليوم تستعد لتعاون جديد مع الفنان كريم هميم ضمن مشروع غنائي يحمل الروح العراقية الحديثة.

رحلة نوال خان تبدو  لمن يتابعها رحلة صوتٍ يتنقّل بين العواصم، لكنه لا يضيع، بل يعود أكثر صفاءً. هي ابنة التجارب المتراكمة، وطفلة الكويت، وشابة لندن، وامرأة عراقية تعرف كيف تحويل الذاكرة إلى غناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى