أم شاتي.. القابلة التي بلغت 102 عاماً وما زالت تقاوم الجفاف والنزوح

في ريف ذي قار، حيث تتشقّق الأرض عطشاً وتتناثر البيوت الطينية التي هجرها أهلها، تعيش امرأة تجاوزت المائة عام. أم شاتي، القابلة الشعبية التي بلغت 102 سنة، لا يزال وجهها يحتفظ بملامحه الأولى التي عرفها كل مولود خرج إلى الدنيا على يديها.
لم تعرف هذه السيدة الطاعنة في السن أجراً ولا مقابلاً طوال حياتها. تقول للمنصة: “لا ما آخذ أجر، لِله ولأهل البيت… حالتهم المادية كواكة، والنعمة قليلة”.
طوال العقود الماضية، كان عمل أم شاتي جزءاً من حياةٍ ريفية نابضة، تتداخل فيها أصوات الحصاد وصراخ الأطفال وروائح الخبز الطازج. كانت القابلة حاضرة في تفاصيل القرى كما الحقول، إلى أن ضربت المنطقة موجات جفاف متلاحقة وغير مسبوقة، لم تأخذ معها الماء فحسب، بل ابتلعت الملامح الأولى للحياة نفسها: صوت النساء في مواسم الحصاد، وخطواتهن على السواقي، وضحكات الأمهات اللواتي انتظرنها عند أبواب أكواخ الطين. تستعيد تلك الأيام بقولها: “كنا نحصد بدينه.. ونكرب على الحيوانات.. وننقل الزرع على روسنا”.
وتشير تقارير محلية إلى أنّ موجات الجفاف في جنوبي العراق خلال السنوات الأخيرة دفعت عشرات الآلاف إلى النزوح الداخلي، بعدما تراجع منسوب المياه، وتضرّرت الزراعة، وتدهورت البيئة الريفية، ما غيّر وجه القرى ودفع أهلها للرحيل.
رغم تقدّمها في السن، ما زالت أم شاتي تتحدّث عن مهنتها وكأنها جزء من روحها. كانت تمشي مسافات طويلة لزيارة النساء الحوامل، حتى عندما يخذلها جسدها. “حتى لو ماني طيبة.. أروح، ما عدهم غيري، تموت المره”.
وتروي بفخر كيف كانت تولّد واحدة أو اثنتين أو ثلاث سيدات في اليوم الواحد حين كانت القرى عامرة. وفي إحدى المرات الأخيرة التي استُدعيت فيها، كانت امرأة على وشك الولادة تنتظرها، تقول: “لحكوني.. جا أعوف هاي المره؟ ضليت لمن كملته واجيت أولده”.
لم تكن لدى هذه السيدة أدوات حديثة، ولا إبر ولا أدوية، لكنها امتلكت خبرة تراكمت عبر السنين، وجرأة جعلت النساء يثقن بها. “تعلّمت.. شفت حبايبي وتعلّمت، حبايبي راحن لرحمة الله وأنا بقيت”.
في هذه المناطق البعيدة عن المستشفيات، حيث تنتهي الطرق المعبّدة وتبدأ العزلة، أدّت القابلات المأذونات دوراً حاسماً في حماية الحياة في أكثر لحظاتها هشاشة. لم يكن عملهن مجرّد مهنة، بل استجابة يومية لغياب الطوارئ الطبية، ووعورة الطرق، وانقطاع وسائل النقل، في بيئات كانت القابلة تصل فيها قبل الإسعاف، وأحياناً قبل أي خيار آخر.
هذا الدور يتقاطع اليوم مع أرقام رسمية تكشف حجم الضغط على منظومة رعاية الأم والطفل في المحافظة. فقد أعلنت دائرة صحة ذي قار تسجيل 39,707 حالة ولادة في مؤسساتها الصحية منذ بداية العام الجاري ولغاية شهر تشرين الأول، بينها 19,296 ولادة لذكور و20,410 ولادة لإناث، في محافظة تتوزّع فيها القرى على مسافات بعيدة عن المراكز الطبية.
بالنسبة لأم شاتي، تغيّرت الحياة كثيراً. القرى التي كانت تملأها أصوات المواليد ودموع الفرح بدأت تفقد سكانها. المياه أصبحت مالحة، والآبار جفّت، والقرى حفرت “كربان” بحثاً عن قطرة ماء. العائلات باعت مواشيها بعدما صار البقاء مستحيلاً. وتقول إن أكثر من 15 عائلة نزحت إلى منطقتها بعدما فقدت أراضيها ومواشيها.
هذا التحوّل انعكس مباشرة على الخدمات الصحية. يقول الدكتور مصطفى حسين، مدير القطاع الصحي الرئيسي في قضاء سيد دخيل، إن المركز الصحي يستقبل بين 10 و15 ألف مراجع شهرياً، بينما يبلغ عدد سكان القضاء نحو 100 ألف نسمة. ويوضح أنّ المنطقة بحاجة إلى مستشفى بسعة 50–100 سرير، لكن نقص التخصيصات المالية أبقى المشاريع معلّقة، ليظل الأهالي في مواجهة الجفاف والمرض بلا بنى تحتية كافية.
في ظل هذا الفراغ الصحي، ظلّت القابلات المأذونات، مثل أم شاتي، خط الدفاع الأوّل في حالات الولادة الطارئة. يتحدّث علي، ابنها، عن عمل والدته كما لو كان يستعيد ذاكرة القرى نفسها. يقول إنها لم تكن تعرف معنى الوقت أو الخوف؛ كانت تخرج في أي ساعة من الليل، تحت المطر أو في العتمة، إذا ما طُرق بابهم بنداء امرأة توشك على الولادة، وتعود أحياناً مثقلة بصمت ليلة طويلة من إنقاذ حياة، دون مقابل سوى دعاء يرافقها في الطرقات.
ومن بين تلك الليالي، تبرز حكاية أماني، 37 عاماً، التي تعسّر مخاضها لساعات طويلة في منزل بعيد عن أقرب مستشفى. كان الليل شتاءً ممطراً، والطرق موحلة، ولا وسيلة تنقلها إلى المدينة. في تلك اللحظة، لم يكن أمام العائلة سوى انتظار أم شاتي. وصلت بعد عناء الطريق، وبخبرتها وصبرها كانت السبب في إنقاذ أماني وطفلها، حين كان الوصول إلى المستشفى خياراً مستحيلاً.
تستعيد أم شاتي مسيرة حياتها بين القرى: سيد جعفر في الحصونة، الجرية، الخليفات، وقرية جاسم عسكر. كانت تذهب إليهم في عزّ الفيضانات وذروة الجفاف، ليلاً ونهاراً. تقول: “قبل ماكو مستشفيات… كلشي بيدنه”. كانت تعرف الطرق كما تعرف خطوط يديها، وكانت أقدامها تمشي في الطين والماء كما لو أنّها تمشي في حياتها نفسها.
اليوم، تجلس أم شاتي في بيتها، لكن ذاكرتها ما تزال ممتلئة بأصوات النساء اللواتي ولدن على يديها، وبالقرى التي كانت تزورها. حكايتها ليست مجرّد حكاية قابلة مسنّة، بل حكاية ريفٍ كامل يقاتل من أجل البقاء.
وبينما تؤكّد دائرة صحة ذي قار سعيها لتطوير أقسام النسائية والتوليد وتوسيع الطاقة الاستيعابية، تبقى القابلات المأذونات حلقة أساسية في سلسلة الحياة، خصوصاً في المناطق التي ما زالت الولادة فيها تبدأ بنداء استغاثة في منتصف الليل.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).



