بدل الرصاص.. التلقيح: حملات نسوية في بغداد ضد قتل الكلاب

مهدي غريب – بغداد

في بغداد، حيث تتقاطع الحياة اليومية مع التحديات البيئية والاجتماعية، تقود نساء مبادرات إنسانية لمواجهة قتل الكلاب السائبة، عبر حملات توعوية تدعو إلى التلقيح والتعايش الآمن، بالتعاون مع الجهات الحكومية.

وسط الشوارع المكتظة والأحياء السكنية المتداخلة، برزت هذه المبادرات بوصفها محاولة لتغيير واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الشارع العراقي، وهي قتل الكلاب السائبة بوصفه “حلّاً سريعاً” لمشكلة الخوف والسلامة العامة.

مجموعة من النساء البغداديات قرّرن أن يكنّ صوتاً للكائنات التي لا صوت لها، وأن يطرحن بديلاً علميّاً وإنسانيّاً يقوم على التلقيح والاعتناء، بدل القتل أو الإيواء القسري. تقود هذه الحملات آلاء كريم، رئيسة منظمة “الرفقة”، وهي منظمة تُعنى بحقوق الحيوان، وتعمل منذ سنوات على نشر ثقافة الرفق بالحيوان في العراق. آلاء، التي تُعدّ من أبرز المهتمات بتنظيم حملات توعوية ضد قتل الكلاب السائبة، تؤمن بأن الحل لا يكمن في العنف، بل في فهم المشكلة من جذورها.

تقول آلاء كريم: “قتل الكلاب السائبة ليس حلّاً، بل إجراء مؤقت يعيد المشكلة من جديد. التلقيح هو الحل المستدام، لأنه يحدّ من التكاثر، ويقلّل العدوانية، ويحمي الإنسان والحيوان معاً”.

لم تكتفِ هذه المجموعة بالنشاط الميداني أو الحملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل سعت إلى إشراك الجهات الحكومية في المشروع. تعمل الحملة على طرح برنامج متكامل بالتعاون مع الدوائر البلدية والبيطرية، يقوم على تلقيح الكلاب السائبة في أماكن وجودها الطبيعية، بدلاً من قتلها أو نقلها إلى ملاجئ مغلقة تفتقر غالباً إلى الإمكانات.

وترى آلاء أن وجود الكلاب في الشارع ليس المشكلة بحد ذاته، بل طريقة التعامل معها. “الكلب الملقّح والمعروف في منطقته يتحول إلى عنصر أمان، لا مصدر خوف. يصبح جزءاً من المكان، يعتاد على البشر ويحرس محيطه، بدل أن يكون مطارَداً ومذعوراً”.

بحسب منظمة الصحة العالمية (WHO)، تُسجَّل سنويّاً نحو 59 ألف حالة وفاة بسبب داء الكَلَب حول العالم، معظمها في الدول النامية، ويُعدّ تلقيح الكلاب الوسيلة الأكثر فاعلية للوقاية، إذ تشير المنظمة إلى أن تلقيح 70% من الكلاب كفيل بقطع سلسلة انتقال المرض وحماية المجتمعات البشرية.

تواجه هذه المبادرات تحديات كبيرة، في مقدمتها الثقافة المجتمعية التي تربط الكلاب السائبة بالخطر والأذى. لذلك ركّزت الحملة على التوعية المباشرة داخل الأحياء السكنية، عبر توزيع منشورات، وتنظيم لقاءات صغيرة مع الأهالي، وشرح أهمية التلقيح بلغة بسيطة وقريبة من الناس. تشارك في هذه الجهود نساء من خلفيات مختلفة، يجمعهن إيمان واحد بأن الرحمة لا تتجزأ.

تقول سارة حسن، ناشطة مدنية مشاركة في الحملات: “نحن لا ندافع عن الكلاب ضد الإنسان، بل ندافع عن الإنسان أيضاً. التلقيح يحمي الأطفال، يحمي كبار السن، ويمنع انتشار الأمراض. القتل لا يحقق أيّاً من ذلك”.

أما دُنى عبد الله، وهي متطوعة في الحملات الميدانية، فتؤكد أن التجربة غيّرت نظرتها ونظرة كثيرين من حولها. “حين يرى الناس كلباً هادئاً، مع علامة تدل على أنه مُلقّح، يبدأ الخوف بالاختفاء. نسمع جملة تتكرر دائماً: ما كنّا نعرف إن التلقيح يفرِق لهذه الدرجة”.

تلجأ الجهات الحكومية في بغداد وعدد من المحافظات العراقية منذ سنوات إلى حملات قتل الكلاب السائبة، باعتبارها حلاً سريعاً لمشكلة انتشارها، خصوصاً بعد تسجيل حالات وفاة محدودة في بغداد، وشكاوى متعلقة بالخوف والسلامة العامة. إلا أن هذه الحملات غالباً ما تُنفّذ دون اعتماد حلول علمية مستدامة، ما يجعل المشكلة تعود بعد فترة قصيرة.

وتؤكد المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) أن برامج القتل الجماعي للكلاب لم تُثبت فعاليتها في السيطرة على أعدادها، في حين تُظهر الدراسات أن برامج “التلقيح والتعقيم والعودة إلى الموقع” (CNVR) تُسهم في خفض أعداد الكلاب تدريجيّاً، وتحدّ من السلوك العدواني، وتحسّن السلامة العامة.

في المقابل، تُعدّ برامج التلقيح والتعقيم المعتمدة عالميّاً بديلاً فعّالاً، إذ تساهم في تقليل الأعداد على المدى المتوسط، وتخفيف السلوك العدواني، وحماية الصحة العامة. من هنا، تبرز مطالبات متزايدة بضرورة تغيير السياسات الحالية، والانتقال من القتل إلى حلول قائمة على التلقيح والتعاون بين الجهات الحكومية والمبادرات المجتمعية.

عدد من المواطنين أبدوا ترحيبهم بحملات التوعية التي تقودها منظمات نسوية في بغداد، معتبرين أنها ساهمت في تغيير نظرتهم تجاه الكلاب السائبة.

يقول حسين كريم، من سكان مدينة الصدر: “كنّا نسمع فقط عن القتل، لكن هذه الحملات وضّحت لنا شنو يعني تلقيح، وشنو فائدته للناس قبل الحيوانات. هسه صرنا نفهم الموضوع أكثر”.

في المقابل، يرى آخرون أن التوعية أسهمت في تقليل حالة الخوف والتهويل. تقول أم محمد، من منطقة العامرية: “من خلال المنشورات والكلام ويا المتطوعات، عرفنا إن التلقيح يخلي الكلاب أهدأ، ويريّحنا كمواطنين. التوعية فرقت ويانا، خصوصاً للأطفال”.

من جانبه، يؤكد الطبيب البيطري علي فاضل أن حملات التوعية تمثل خطوة أساسية في أي حل مستدام. يقول: “التلقيح والتعقيم من أنجح الطرق عالمياً للسيطرة على أعداد الكلاب السائبة. التوعية ضرورية حتى يتقبّل المجتمع هذا الحل، لأن القتل لا يوقف التكاثر ولا يمنع ظهور كلاب جديدة”.

وتشير تقارير بيطرية دولية إلى أن الكلاب الملقّحة والمعقّمة تُظهر انخفاضاً ملحوظاً في السلوك العدواني بنسبة تصل إلى 60%، كما يقلّ تنقلها بين المناطق، ما يحدّ من النزاعات داخل الأحياء السكنية، ويعزّز السلامة العامة.

رغم التحديات والعقبات، تظلّ هذه الحملات علامة على قدرة المجتمع المدني على تقديم حلول علمية وإنسانية. النساء البغداديات أظهرن أن التغيير يبدأ بالمعرفة، وبنشر ثقافة الرحمة والمسؤولية، وأن مواجهة العنف بالحوار والتلقيح أكثر جدوى من القتل العشوائي.

تختتم آلاء كريم حديثها بابتسامة مليئة بالأمل: “كل كلب مُلقّح، وكل شخص يفهم أهمية التعايش، خطوة صغيرة لكنها تغيّر حياة البشر والحيوانات معاً. هذه الحملة ليست فقط عن الكلاب، بل عن المستقبل الذي نريد أن نعيشه جميعاً”.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى