سندس السيفي.. سيدة بصرية تخوض معركة مع مهربي الهجرة
البصرة- نغم مكي
في بيتٍ بصريٍّ دافئٍ تفوح منه رائحة القهوة العربية، تجلس سندس السيفي قبالة شابٍّ يحمل في جيبه تذكرة سفر، وفي عينيه خوفٌ لا يُقال. تضع الفنجان أمامه بهدوء، وتقول: “اشرب، القهوة المرة تحتاج حچي حلو”.
على هذه الطاولة، وبين اتصالات الهاتف التي لا تنقطع، تلتقي سندس السيفي عدداً من الشباب الذين قرروا الهجرة خارج الوطن، أصواتٌ مترددة وأنفاسٌ مثقلة بالقلق وقراراتٌ تُتخذ على عجل، كأن الزمن يطاردهم.
هكذا تبدأ معركة غير متكافئة بين امرأةٍ واحدةٍ ومنظومات تهريب تمتد عبر الحدود والبحار، معركة لا تستخدم فيها الخطب ولا الشعارات، بل الإصغاء والصبر وحواراً يعرف طريقه إلى القلب.
سندس، ناشطة مدنية ومتقاعدة من عملها كمسؤولة تصاريح أمنية في محطة كهرباء النجيبية، وعضو في الفريق الاستشاري النسوي الداعم للحكومة المحلية في محافظة البصرة، وفي الفريق الوطني للمرأة العراقية برئاسة مجلس الوزراء، لم تخطط يوماً لأن تصبح “صيادة عائدين”، لكن الهجرة اقتحمت حياتها كما اقتحمت حياة آلاف العراقيين منذ أكثر من عشر سنوات. تحوّل بيتها إلى مساحة أمان، ومائدتها إلى منصة حوار، وفنجان القهوة إلى سلاحٍ ناعمٍ في وجه “قوارب الموت”.
رغم اعتلال صحتها وخضوعها لعمليات جراحية وفترات علاج طويلة، لم تتراجع. تقول: “إذا أنا تراجعت، من يبقى لهؤلاء الشباب؟ ما دام أكو حالة إنسانية، ما أتراجع ولا أتهاون”.
يشهد العراق منذ عام 2003 موجات هجرة متتالية نتيجة العنف المسلح وعدم الاستقرار السياسي وتراجع الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب. وتُعدّ الهجرة غير النظامية عبر شبكات التهريب من أخطر المسارات، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى تسجيل حالات وفاة وغرق متكررة لمهاجرين عراقيين في البحر المتوسط وعلى طرق البلقان، ما جعل ملف الهجرة قضية إنسانية وأمنية واقتصادية مركبة.
خلال السنوات الماضية، أقنعت سندس أكثر من 300 شاباً بالعدول عن قرار الهجرة، إضافةً إلى أكثر من عشر عوائل كانت قد أنهت فعلياً إجراءات السفر، بعضهم كان ينتظر القارب، وبعضهم حجز التذكرة، وآخرون سلّموا جوازاتهم للمهربين. لكنها، في كل مرة، كانت تبدأ من السؤال لا من الإقناع: لماذا تريد أن تذهب؟ ماذا تركت خلفك؟ ومن ينتظرك هناك؟
تلجأ سندس إلى الكلمات فقط، يلين صوتها وهي تقول: “أنا ما أخوّفهم، بس أخليهم يفكّرون. إذا مرضت هناك منو يمسح عليك؟ إذا انكسرت منو يلمّك؟ الأخ سند، والأم سند، والوطن رغم كل شي يبقى سند”.
حسب البيانات الرسمية يُقدَّر عدد العراقيين المهاجرين المقيمين خارج العراق بحوالي 5.3 ملايين شخص، فالهجرة في العراق لم تعد مجرد حلمٍ فرديٍّ، بل نتيجة تراكم حروبٍ وتهجيرٍ وبطالةٍ وفقدان ثقة. وبرزت خلال السنوات الماضية مبادرات فردية ومنظمات مجتمع مدني عراقية تعمل على التوعية بمخاطر الهجرة غير النظامية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للشباب والعائدين، مستفيدة من برامج الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لدعم الاستقرار والتنمية المحلية. ويُعدّ العمل المجتمعي غير المموَّل، مثل مبادرة سندس، نموذجاً نادراً يعتمد على العلاقات الشخصية والثقة المجتمعية.
في المقابل، تشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى وجود “تيار عودة طوعية” لعراقيين من أوروبا ودول الجوار، يقدر عددهم بنحو سبعة آلاف عراقي سنوياً، يعودون بسبب صعوبات الاندماج أو القيود القانونية أو الحنين إلى الوطن. وتعمل الحكومة العراقية بالتعاون مع منظمات دولية على برامج إعادة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للعائدين، باعتبار العودة أحد مؤشرات الاستقرار النسبي، رغم استمرار دوافع الهجرة لدى شرائح واسعة من الشباب.
سندس لا تنكر قسوة الواقع في البلاد، لكنها ترفض تحويله إلى حكمٍ نهائيٍّ، وتشدد: “مو كل شي نسمعه صحيح، الإعلام يضخّم اليأس، وأنا أريد أزرع أمل حتى لو كان بسيط، حتى لو نبدأ من الصفر”.
كثيرون ممن أقنعتهم بالبقاء عادوا بعد سنوات ليخبروا قصصهم؛ أحدهم أصبح مهندساً في قطاع النفط، وآخر أسّس عائلة، وثالث تحوّل إلى ناشط مدني يقود مبادرات شبابية. جميعهم يقولون الشيء ذاته: “لو لا حچي سندس، جان رحنا ويمكن ما رجعنا”.
في جلسات الحوار، لا تجلس سندس في موقع الواعظ، بل في موقع الأم والأخت والصديقة. تستمع أكثر مما تتكلم، وتترك للشاب القرار الأخير، لكنها تزرع في داخله بذرة الشك في فكرة الهروب، وبذرة الأمل في فكرة البقاء. تقول لهم دائماً: “العراق مو مثالي، بس هو المكان الوحيد اللي يناديك باسمك، ويفهم وجعك بدون ترجمة”.
في زمنٍ صارت فيه الهجرة حلاً، تصر سندس على أن الحوار ما زال قادراً على إنقاذ الأرواح، وتؤمن أن إنقاذ شابٍّ واحدٍ من الرحيل يعني إنقاذ عائلةٍ كاملةٍ ومستقبل مدينة وربما وطن.
يبرد فنجان القهوة على الطاولة، لكن الكلام يبقى ساخناً في القلب. يخرج الشاب متردداً، لا يحمل قراراً نهائياً، لكنه لم يعد كما دخل. خلف الباب، تبقى سندس واقفةً تراقب خطاه وتهمس لنفسها: “يمكن اليوم ربحت معركة صغيرة”.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).


