دستور يسمح وعرف يمنع: لماذا لا تتولى النساء العراقيات منصب رئيس الجمهورية

أحمد كوكب

في بلد ينص دستوره بالحبر الصريح على المساواة بين المواطنين دون تمييز على أساس الجنس ويفتح الباب نظرياً بمنح حق الترشح لكل مَن تتوفر فيه الشروط القانونية لكنه يغلقه عملياً في وجه النساء، ما الذي يجعل الرئاسات الثلاث في العراق طوال أكثر من عشرين سنةً حكراً على الرجال فقط؟

هذا السؤال عاد إلى الواجهة تزامناً مع فتح باب الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية وتسجيل أربع نساء عراقيات أسماءهن ضمن قائمة المرشحين، وهي سابقة لافتة من حيث العدد لكنها كاشفة من حيث الواقع السياسي، إذ لم تحظَ أي من تلك المرشحات بتبنٍّ من أي كتلة سياسية ولم يتحول ترشيحهنّ حتى إلى مساحة نقاش جدّية تحت قبة البرلمان، لتظلَّ المنافسة مرة أخرى مرهونة بمنطق التوافقات الذكورية متجاهلة النصوص الدستورية.

إن ترشيح النساء الأربع ومن بينهن أميرة الجابر ليس فعلاً هامشياً في سجل الأحداث، فقد مثَّلَ مرآةً صافية عكست للعلن المفارقة القائمة بين الدستور المكتوب والعُرف السائد، وبين حق نظري في الترشح وواقع سياسي يُدار بمنطق “السلة الواحدة” وتقاسم الغنائم.

فمجلس النواب رغم تسجيل طلبات الترشيح لم يُعلن عن أسماء النساء المتقدمات رسمياً للرأي العام ولم يمنح حضورهن أي مساحة مؤسسية، ليبقى ترشيحُهن حبيس الكواليس. لكن وحدها أميرة الجابر كسرت هذا الصمت وأعلنت ترشحها صراحةً، ناقلةً المعركة من أروقة مغلقة إلى فضاء عام، ومحوِّلةً حق الترشح من رقم في ملف إلى سؤال سياسي مفتوح.

أميرة الجابر: مرشحة تتحدى التقاليد

لم تُصَغْ تجربة أميرة الجابر من وترٍ حزبي تقليدي أُثقل بمقام الشعارات، بل من إيقاعٍ مدني أقرب إلى أذن الشارع، يسعى لإعادة توزيع لحن السياسة. منذ سنوات، قدمت نفسها مرشحة لرئاسة الجمهورية لتقول إن ترشيحها تحدٍّ للأعراف واختبار لدستور تعهد بالمساواة بين الرجال والنساء ثم صم أذنيه عند ذكر الرئاسات.

أميرة الجابر، سياسية عراقية مستقلة وناشطة مدنية عُرفت بدفاعها عن قضايا النساء والدولة المدنية، قدمت أوراق ترشحها رسمياً عبر القنوات الدستورية في مجلس النواب لتكون أول امرأة تعلن ترشحها لرئاسة الجمهورية بهذا الوضوح والصراحة.

تقول الجابر: “ترشحي ليس استعراضاً إعلامياً، الدستور كفل حقي ومن يعترض فليعدل الدستور أولاً”. وترى أن العملية السياسية تحولت تدريجياً إلى “بناء مساحات حزبية لا دولة”، وأن منصب رئيس الجمهورية جرى تحييده في الدورات الأخيرة، معتبرةً أن ذلك أفقد البلاد جزءاً من هيبتها داخلياً وخارجياً. “لا أتمنى أن يبقى المنصب على المخدة… يجب أن يكون فعالاً ومؤثراً”.

تؤكد جابر على أن الهجوم الذي واجهته لم يكن قانونياً، إذ لم تُسجل ملاحظات دستورية على ترشحها، وإنما كان ثقافياً وسياسياً تمثل في عبارات من قبيل “المنصب ليس للنساء”، “هذا استحقاق للمكوّنات”، “الواقع لا يسمح”، وهي حجج لا سند لها في النصوص لكنها متجذرة في العُرف السائد.

على حَذْو أميرة الجابر تقدمت ثلاث نساء أخريات بطلبات ترشح لرئاسة الجمهورية أو طُرحت أسماؤهن في سياق الترشيح، لكن مساراتهن توقفت مبكراً. والعقبة لم تكن في استيفاء الشروط القانونية، وإنما في غياب التبني السياسي، إذ تشترط العملية عملياً موافقة الكتل الكبرى قبل أن يصل أي اسم إلى قاعة التصويت.

بهذا المعنى، لم تسقط ترشيحات النساء في البرلمان، وإنما سقطت قبله عند عتبة التوافقات المغلقة التي تحول حق الترشيح الدستوري إلى إجراء شكلي وتفرغه من مضمونه التنافسي.

منذ 2003: ولادة نظام بلا نساء في القمة

عند سقوط النظام السابق ودخول البلاد مرحلة “النظام الجديد”، وُلدت العملية السياسية من مخاضات الاحتلال، والعنف الأهلي، وتفكك المؤسسات، وفوضى أول محاولة لترتيبها تمثلت بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي ثم الجمعية الوطنية، وسط مناخ تحكمه المحاصصة الطائفية والقومية والتدخلات الخارجية.

في تلك السنوات لم يكن في معاجم الاختيار مصطلح “كفاءة” بل “التمثيل المكوناتي”. جعل هذا الظرف الاستثنائي ترشيح النساء للمناصب العليا أمرٍاً شبه مستحيل، فالمواقع السيادية صُنفت حصصاً تفاوضية تتقسم على القوى المتصارعة، والمرأة لم تكن جزءاً من معادلة القوة المسلحة أو الحزبية.

إذ ضم مجلس الحكم الانتقالي ثلاث نساء فقط من أصل 25 عضواً، هنّ عقيلة الهاشمي التي اغتيلت عام 2003، ورجاء الخزاعي، وسونغول (صون كول) جاجوق.

ورغم حضورهن في أعلى سلطة انتقالية لم تُطرح أي منهن ضمن هرم الرئاسات، وقد تسنمت النساء مواقع وزارية أو استشارية لفترات قصيرة، لكن القرار غير المكتوب كان واضحاً على أرض الواقع: النساء خارج منطقة النفوذ الصلب.

سقفٌ وُضع منذ البداية

البرلمانية السابقة شروق العبايچي التي عاشت سنوات التأسيس تلخّص المشهد آنذاك بوضوح: “منذ بداية العملية السياسية كان سقف المناصب أمام النساء محدوداً، ففي الدورات الأولى مُنحت بعض المواقع للمجاملة بسبب الرقابة الدولية المباشرة، ثم تعاقبت الدورات ليصبح الأمر أكثر صعوبة مع اشتداد المنافسة التي أدت إلى تحجيم دورها تباعاً”.

تؤكد العبايچي أن المحاصصة كانت الذريعة الدائمة: “الرجل لا يُسأل لماذا يتولى المنصب، أما المرأة فيُطلب منها التبرير، والكوتا تحولت إلى حد أعلى لا أرضية انطلاق، قُلبت إلى التوسع في التمثيل والتسنيم.”

رغم مرور السنوات، تلفت العبايچي إلى ظاهرة متكررة وهي تهميش النساء الكفوءات لصالح رجال أقل كفاءة لكن أكثر ولاءً لزعماء الكتل. وتؤكد أن معيار الكفاءة والطموح مغيب ليس فقط ضد النساء، بل حتى ضد الرجال غير المنصاعين. تقول: “يتم اختيار الرجل الأضعف ليكون أداة مطيعة، والنساء المستقلات أول ضحايا هذا الاختيار”.

تربط العبايچي بين تجربتها السابقة حين رُشحت عام 2015 لرئاسة البرلمان وبين ترشيح أميرة الجابر اليوم، ورغم إدراكها أن نتائج هذه الترشيحات محسومة سلفاً، لكنها تراها خطوات ضرورية لكسر منطق “السلة الواحدة” وإعادة تعريف المناصب السيادية بوصفها وظائف دستورية لا حصصاً حزبية.

لماذا بقيت الرئاسات فضاءً ذكورياً؟

اليوم، وبعد أكثر من عشرين سنةً مضت، لم تعد البلاد تعيش ظروف 2003 نفسها وحتى ما تلاها من ظروف مرحلية بلغت أشدها على العراق، وإنما طُويت تلك الصفحات. فالواقع هو انتخابات دورية ومؤسسات أكثر استقراراً نسبياً ونخبة نسوية متعلمة وذات خبرة.

ومع ذلك لم تُقدم أي كتلة من القوى السياسية – شيعية أو سنية أو كردية – على ترشيح امرأة لرئاسة الوزراء أو البرلمان أو الجمهورية.

والسبب لا يتعلق بالدستور، فالدستور لا يميز بين رجل وامرأة. المشكلة في العرف السياسي الذي قسم الدولة كغنيمة جرت عليها العادة: رئاسة البرلمان للقوى السنية، رئاسة الوزراء للقوى الشيعية، ورئاسة الجمهورية للقوى الكردية.

داخل هذا التقاسم يُفضَّل الرجل لأنه الأكثر قدرة بنظرهم على عقد الصفقات وضمان الولاءات، والمرأة تُعامل كـ”عنصر تجميلي” لا شريك سلطة. هكذا ألقى تكريس المحاصصة بظلاله  على وعي الشعب على مدار العقود الماضية.

مفارقة الدستور والواقع

دستور 2005 نص على المساواة وحق الترشيح، لكن الواقع كشف فجوة عميقة. المرأة تمثل نصف المجتمع تقريباً، لكن حضورها السياسي لا يتجاوز الربع ومشاركتها الفعلية في صناعة القرار أقل من ذلك بكثير: ثلاث مشاركات من كل عشرة مشاريع قوانين فقط.

ما بين أرشيف 2003 وصوت أميرة الجابر وتجربة شروق العبايچي، تتضح جلياً مفارقة عراق ما بعد التغيير: الدستور يتحدث عن المواطنة والسياسة تُدار بمنطق الغنيمة. طالما لم تُمنع المرأة من الرئاسات بنص قانوني، فإن جدار الأعراف والصفقات حال بينها وبين الرئاسات، مما يطرح سؤالاً جوهرياً في وجه الطبقة السياسية:

ما الذي تخشونه من وصول امرأة إلى الرئاسة؟

هل سيكسر وجودها قواعد المحاصصة التي قامت عليها السلطة؟

 

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى