من الذهب إلى الفالصو: كيف غيّرت الأسعار خطط زواج الشباب العراقي

أفاطم سمير – بغداد

عند واجهات محال الذهب في سوق الصاغة وسط بغداد، يتوافد مخطوبون من الشباب والشابات بخطوات مترددة وخجولة، يحسبون كل دينار قبل شراء قطعة واحدة.

بعض المحال شبه فارغة، بينما محال أخرى تصمد بالبضاعة الموجودة. ارتفاع الذهب خلال الأشهر الأخيرة حوّل المهر من عادة بسيطة إلى عبء مالي حقيقي وضغط اجتماعي على خطط الزواج يجبر الشباب على إعادة ترتيب أولوياتهم بين تقليل الكميات، أو التأجيل، أو البحث عن بدائل.

وسط هذا الواقع، تتحدث هدى، شابة تبلغ من العمر عشرين عاماً ومخطوبة منذ سنة، بنبرة حزينة ويائسة: “حين كان الذهب منخفضاً، قمنا بشراء خاتم الخطوبة وقررنا تأجيل شراء باقي القطع حتى يقترب موعد الزواج، وبعد أربعة أشهر تقريباً ارتفع سعر المثقال إلى خمسمئة ألف دينار، واستمر بالصعود شيئاً فشيئاً”.

تأمل هدى وشريكها أحمد أن يعود السعر إلى سابق عهده، لكن الارتفاع الحالي صعّب عليهما إكمال باقي خطوات الزواج.

شهد الذهب خلال الأسبوعين الماضيين تقلبات حادة وغير مسبوقة. ففي 29 كانون الثاني تجاوز سعر الأونصة حاجز 5500 دولار لأول مرة في التاريخ، ووصل إلى ذروة قياسية بلغت 5602 دولار، لكنه سرعان ما تراجع بأكثر من 4% خلال يومين ليهبط إلى ما دون 5200 دولار. ورغم هذا التراجع، حقق الذهب ارتفاعاً تجاوز 20% منذ بداية العام، في أقوى أداء شهري له منذ الثمانينيات.

وللذهب في العراق تاريخ طويل يمتد لآلاف السنين، منذ حضارة بلاد الرافدين حيث كان رمزاً للجمال والثراء، واستُخدم في الحلي والتماثيل وحتى في النقوش والنصوص القديمة.

وظل الذهب عبر التاريخ جزءاً من التقاليد الاجتماعية، خاصة في مناسبات الزواج والخطبة، حيث يُقدم كرمز للالتزام والعائلة. وفي العقود الأخيرة، حافظ  على مكانته، خصوصاً في أوقات الحروب والأزمات، كوسيلة للأمان الاقتصادي وادخار الأموال.

يقول أحمد، خطيب هدى، إنهما يواجهان ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً في آنٍ واحد. فبين عدم قدرتهما على شراء الذهب في ظل تذبذب أسعاره وارتفاعها، وبين أسئلة المحيطين بهما واستفساراتهم المتكررة عن سبب عدم اقتناء الذهب رغم اقتراب موعد زواجهما، وجدا نفسيهما أمام خيارات محدودة، خاصة وأن دخلهما محدود، حيث يعمل أحمد عامل بناء.

من جهتها، تقول هدى إن أسئلة الأقارب والمعارف حول الذهب لم تكن عابرة، بل كانت تترك أثراً نفسياً ثقيلاً عليها، موضحةً أنها تشعر بالحرج والضغط في كل مرة تُسأل فيها عن سبب عدم اقتنائهم للذهب، وكأن الأمر معيار يُقاس به الاستقرار أو الجاهزية للزواج، رغم إدراكها أن الظروف الاقتصادية الحالية باتت أقسى من أن تُخفى.

وفي الوقت الذي يعاني فيه الشباب من صعوبة شراء الذهب، يواجه الصاغة أنفسهم تحديات كبيرة.

في محلٍ تكاد خزائنه الزجاجية تخلو من المعروضات، وتعلو رفوفه عدد من المنكانات الخالية من الذهب، يقف عبد الرحمن، صائغ ذهب في أواخر الثلاثينيات من عمره، مراقباً حركة سوق فقدت استقرارها في منطقة البياع وسط شارع “عشرين”.

يقول عبد الرحمن إن سعر مثقال الذهب بلغ حالياً نحو مليون و150 ألف دينار، مع تغيره المستمر خلال ساعات اليوم، ما جعل عملية البيع والشراء محفوفة بالمخاطر.

يرتبط سعر الذهب في العراق ارتباطاً وثيقاً بسعر الأونصة العالمي وسعر صرف الدولار محلياً. خلال الأشهر الستة الماضية، شهدت أسعار الذهب تقلبات يومية حادة، حيث كان السعر يتغير عدة مرات خلال اليوم الواحد بفارق يصل أحياناً إلى 50-100 ألف دينار للمثقال الواحد.

هذا التذبذب جعل التجار والصاغة في حالة قلق دائم، إذ يخشون شراء بضاعة قد تنخفض قيمتها بحلول نهاية اليوم، أو بيع ذهب قد يرتفع سعره بعد ساعات. كما أن الأزمات الاقتصادية العالمية والتوترات السياسية الإقليمية تلقي بظلالها على السوق المحلي، مما يزيد من حالة عدم اليقين التي يعيشها القطاع.

يوضح عبد الرحمن أن الارتفاع المفاجئ للأسعار كبّدهم خسائر مباشرة، إذ باتت حركة البيع تفوق الشراء، فيما اضطر العديد من المخطوبين إلى تأجيل شراء الذهب إلى أجل غير معلوم.

وبعد سنوات من العمل في هذا المجال يقول عبد الرحمن: “استمرار التقلبات وغياب الاستقرار دفعني إلى فقدان الأمل بإمكانية تحسن الأوضاع في الوقت القريب، حتى إنني قررت إغلاق فرعنا هذا في منطقة البياع، والاكتفاء بالاعتماد على الفرع الوحيد المتبقي للعائلة في محافظة الناصرية، الذي يديره والدي”.

يضيف عبد الرحمن أن هذا القرار لم يكن سهلاً، لأن هذه المهنة عشقها منذ نعومة أظفاره، وهذا الفرع تم افتتاحه قبل عشرة أعوام، لكن القرار جاء نتيجة تراكم الخسائر وصعوبة توفير بضاعة جديدة في ظل تغيّر الأسعار السريع، مؤكداً أن العمل حالياً بات أقرب إلى محاولة الصمود لا أكثر، في وقت تحوّل فيه المحل من مساحة للبيع إلى مكان للانتظار والترقب.

على مقربة من محل عبد الرحمن، يقع محل الصائغ يوسف المندائي (30 عاماً)، الذي لا تزال واجهته تحتفظ بعدد محدود من القطع المعروضة، في محاولة لمقاومة تقلبات السوق.

يقول يوسف: “الزبائن الآن يكتفون بثلاثة مثاقيل أو أقل، من دون احتساب أجور الصياغة، بينما كانوا سابقاً يشترون ستة أو سبعة مثاقيل بالمبلغ نفسه تقريباً. ارتفاع الأسعار أجبرنا على تقليل عرض القطع الثقيلة وتحويلها إلى مشغولات أخف، فقط لنحافظ على حركة البيع ولو محدودة”.

ورغم الظروف الصعبة، يؤكد يوسف تمسكه بالاستمرار في العمل، معتمداً على ما تبقى من بضاعة لديه، مضيفاً أن تقلبات سعر الدولار تبقى العامل الأبرز في اضطراب السوق، إضافة إلى الحروب والتوترات السياسية في الدول الكبرى. كما أنه يتوقع استمرار ارتفاع أسعار الذهب وعدم عودتها إلى مستوياتها السابقة.

ولا تتوقف تداعيات ارتفاع أسعار الذهب عند حدود المحال، بل تصل إلى حياة العديد من الشباب المخطوبين.

علي، يبلغ من العمر 25 عاماً ويعمل سائق سيارة أجرة، يقول: “اضطررنا أنا وخطيبتي لتأجيل الزواج إلى أجل غير معلوم، لأن أسعار الذهب باتت تفوق إمكانياتنا، كل ارتفاع جديد يجعل الحلم يبتعد أكثر”.

يضيف علي أن هذا الوضع تسبب له بضغط متواصل مع عائلة خطيبته، في ظل توقعات اجتماعية لا تراعي الواقع الاقتصادي، مؤكداً أن دخله اليومي لم يعد كافياً لمجاراة التحولات السريعة في الأسعار. قصته تعكس كيف أصبح الذهب، بدلاً من أن يكون رمزاً للاستقرار وبداية حياة جديدة، عاملاً يضغط على الشباب ويؤجل أحلامهم.

تختم هدى حديثها: “قررنا شراء الذهب البرازيلي، أو ما يُسمى بالفالصو، لنتمكن من استكمال خطوات زواجنا دون أن نعلق بين ارتفاع الأسعار والتأجيل”.

الذهب البرازيلي ذهب مقلّد يصنع من معادن رخيصة مثل النحاس أو البرونز، ثم يطلى بطبقة رقيقة جداً من الذهب أو مادة تشبه لونه، ويباع بأسعار زهيدة جداً مقارنة بالذهب الحقيقي، ولا يحمل أي قيمة استثمارية، إذ تزول طبقة الطلاء بعد فترة قصيرة من الاستخدام. ورغم ذلك، بات هذا الخيار ملاذاً للعديد من المخطوبين في العراق الذين يواجهون ضغوطاً اقتصادية واجتماعية، حيث يلجأون إليه كحل مؤقت لإتمام مراسم الزواج دون مواجهة الأسئلة المحرجة حول عدم شراء الذهب الحقيقي.

يضيف أحمد خطيب هدى: “ربما ليس الذهب التقليدي الذي كنا نحلم به، لكن هذا الحل المؤقت يساعدنا على المضي قدماً، ويمنحنا شعوراً بالراحة والخلاص من الضغوط المحيطة وسط هذه الظروف”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى