في مساحة تتراجع فيها المياه ويسود الصمت، تحاول شابة عشرينية أن تكتب حكاية الأهوار بطريقتها الخاصة. لا تستخدم الكلمات أداةً لها، بل اللون، ولا تلجأ إلى الخطاب المباشر، بل إلى اللوحة بوصفها وسيلةً لاستعادة ما سلبه الجفاف من ذاكرة المكان.
ذي قار- مرتضى الحدود
على حافة ماءٍ أنهكته التغيرات المناخية، تجلس رحاب ميثم، المعروفة فنياً باسم “إيلا الموسوي”، مواجهة المشهد بعين فنانة ترفض الاستسلام للغياب. مسند بسيط، لوحة بيضاء، وألوان تُعاد بها الحياة إلى تفاصيل آخذة في التلاشي. تتكئ على قصبة، كأنها شاهد أخير على زمن كان فيه الماء أصل الحكاية، وترسم الأهوار كما عاشتها وكما ترفض أن تراها تختفي، محاولةً حفظ ملامحها قبل أن يبتلعها الجفاف.
من خلال لوحاتها الصامتة، لفتت إيلا أنظار سياح أجانب وجدوا في ألوانها نافذة على عالم الأهوار وحياة سكانها اليومية. تقول في حديثها للمنصة إن رحلتها مع الرسم بدأت قبل نحو خمس سنوات بدعم صديقة هاوية للرسم، كانت الشرارة الأولى لدخولها هذا العالم، من دون الالتحاق بمعهد متخصص أو مدرسة فنية، بل عبر مسار شخصي صنعته بنفسها.
توضح إيلا أنها استعانت بمقاطع تعليمية عبر يوتيوب، تتعلّم خطوة بعد أخرى، إلى أن بدأت ملامح أسلوبها الفني الخاص تتشكّل. وتشير إلى أن لوحاتها تحظى بإعجاب الزائرين الأجانب لأنها تعكس تفاصيل الحياة اليومية للأهواريين، من تنقلهم بالزوارق وبناء مساكنهم من القصب، إلى صيد الأسماك وارتباطهم العضوي بالماء، إضافة إلى واقع النساء في مواجهة الجفاف وما يرافقه من أعباء ومعاناة يومية.

رئيسة الفريق النسوي الاستشاري، الدكتورة منار ماجد، تقول للمنصة إن بدايات رحاب ميثم كانت خجولة لكنها حملت بذور موهبة واضحة. وتضيف أنها التقت بها قبل أكثر من عام خلال أحد البازارات، حيث كانت مجموعة من نساء الجبايش يعملن في الرسم، من بينهن رحاب وصديقتها بنين. وتوضح أن الموهبة كانت حاضرة بقوة، غير أن الخجل قيّد خطواتهن الأولى، إلى أن جاء تسليط الضوء الإعلامي ليشكّل نقطة تحول حقيقية في مسار رحاب.
بحسب ماجد، منح هذا الاهتمام رحاب ثقة أكبر بنفسها، فبدأت تشارك في بازارات أخرى، ثم أصبحت حاضرة بشكل منتظم في المرسى السياحي خلال يومي الجمعة والسبت، تزامناً مع توافد السياح. وتشير إلى أن الإقبال على لوحاتها وعمليات الشراء التي شهدتها شكّلت شعوراً بالإنجاز، وعززت قدرتها على الاستمرار، مؤكدة أنها عاصرت عن قرب انتقالها من الخجل إلى الثقة والنجاح. وترى ماجد أن النساء في مثل هذه المجتمعات يحتجن قبل كل شيء إلى التشجيع والتحفيز، وأن يُنظر إليهن كنماذج إيجابية لا كحالات خروج عن المألوف.
تربط ماجد تجربة رحاب بالتحولات التي شهدتها الأهوار، وما رافقها من جفاف وسياسات مائية أثّرت مباشرة في حياة السكان، معتبرة أن لوحاتها نجحت في نقل صورة عن البيئة المائية، وفي الوقت نفسه تسليط الضوء على المشكلات والتحديات التي تواجه هذه المناطق. وتؤكد أن مثل هذه النماذج النسوية المبدعة تحتاج إلى دعم ورعاية أكبر لضمان استدامة تجاربهن وتحويلها إلى قصص نجاح ملهمة.
وسجلت مديرية الهجرة والمهجرين في ذي قار نزوح أكثر من 10,300 عائلة من الأهوار والمناطق الريفية المحيطة بها نتيجة التغيرات المناخية وشحّ المياه، وهو رقم يعكس حجم التحول الديمغرافي والاجتماعي الذي تشهده هذه المناطق، ويضع النساء في قلب أزمة معيشية مركّبة تتجاوز فقدان الموارد إلى فقدان الاستقرار ذاته.
تعتمد إيلا في أعمالها على ألوان الأكريليك لما تمنحه من تنوع ومرونة ووضوح في التدرجات، لتنتج لوحات نابضة بالحياة تختزن وجع المكان وأمل أهله، وتحوّل ريشة شابة عشرينية إلى شاهد إنساني على مأساة الأهوار ورسالة صامتة تقول إن الماء، وإن شحّ، فإن الروح ما زالت تقاوم.

من جانبه، يرى حيدر سعدي، رئيس لجنة التغيرات المناخية في ذي قار، أن تجربة رحاب ميثم تمثل نموذجاً حياً لما يمكن أن تصنعه الفرصة حين تُمنح للنساء في البيئات الهشّة، مشيراً إلى أن ما تقوم به ليس فناً فقط، بل شكلاً من أشكال المقاومة الناعمة في وجه الجفاف والتهميش معاً. ويضيف أن النساء في الأهوار لا يحتجن إلى الشفقة بقدر ما يحتجن إلى مساحة آمنة للظهور ودعم يحوّل الموهبة إلى مشروع حياة، مؤكداً أن تسليط الضوء على تجارب كهذه يفتح الباب أمام عشرات القصص النسوية الصامتة.
ويشير سعدي إلى أن أهمية هذا الفن تنبع من كونه صادراً من داخل المكان لا من خارجه، إذ لا تُرسم الأهوار بوصفها منظراً سياحياً، بل بيتاً وهوية وذاكرة جماعية، وتُنقل معاناة النساء بلغة بصرية يفهمها العالم. ويختم بالقول إن استدامة هذه النماذج تتطلب شراكة حقيقية بين المجتمع المحلي والمؤسسات الداعمة والإعلام، لأن تمكين امرأة واحدة في الأهوار يعني حماية جزء من هذا الإرث الإنساني من الاندثار.
في خلفية هذا المشهد، تكشف تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في العراق أن جفاف الأهوار لم يعد أزمة بيئية فحسب، بل تحوّل إلى عبء يومي يثقل كاهل النساء بشكل خاص، إذ ارتفعت ساعات جمع المياه بنسبة تصل إلى 30 في المئة مقارنة بما قبل تفاقم الأزمة المناخية. وتشير البيانات إلى أن العديد من النساء يضطررن إلى قطع مسافات أطول وبجهد مضاعف للحصول على المياه الصالحة للشرب ولمواشيهن، ولا سيما الجاموس الذي يعتمد كلياً على وفرة المياه ونوعيتها، ما يترك آثاراً مباشرة على صحتهن وقدرتهن على العمل ورعاية أسرهن.
وسط هذا الواقع المثقل بالجفاف وتراجع المياه، تقف رحاب ميثم بوصفها أكثر من فنانة شابة. تتحول إلى ذاكرة حيّة للأهوار وصوت نسوي يرفض الصمت، وتحاول بريشتها البسيطة وألوانها المستمدة من عمق المكان أن تحفظ ما تبقى من ملامح الحياة، وأن تقول إن الأهوار ليست مجرد مساحة مائية آيلة للزوال، بل بيت وهوية وحكايات نساء ما زلن يقاومن.
رحاب، التي بدأت رحلتها بخطوات مترددة وتحولت اليوم إلى نموذج للأمل والإصرار، تؤكد أن تمكين المرأة في البيئات الهشّة لا يصنع فنانة واحدة فحسب، بل يسهم في حماية إرث إنساني كامل من الاندثار.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



