قصص من الشارع

مركز نسوي في بغداد يفتح أبواب العمل أمام النساء

11/02/2026

مهدي غريب – بغداد

في أحد الأزقة الهادئة في العاصمة العراقية بغداد، حيث تختلط أصوات الباعة بنداءات الأطفال وروائح الخبز الساخن، قررت مجموعة من النساء أن يصنعن مساحة خاصة بهن، تحمل طموحاتهن وأحلامهن، فأنشأن مركزاً ثقافياً نسوياً لتمكين النساء وتعليمهن مهارات متعددة تفتح أمامهن آفاقاً جديدة في الحياة والعمل.

وسط هذا المشهد، تقف سناء عبد الكريم (44 عاماً)، صاحبة الفكرة ومؤسسة المركز، بابتسامة هادئة ونبرة صوت واثقة، وهي تراقب مجموعة من النساء يتعلمن أساسيات الخياطة داخل إحدى القاعات الصغيرة. لم يكن إنشاء هذا المركز مجرد مشروع عابر بالنسبة لها، بل كان حلماً قديماً نما معها عبر سنوات طويلة من التجربة والعمل.

تقول سناء وهي تشير إلى آلات الخياطة المرتبة بعناية “كنت أؤمن دائماً أن المرأة حين تمتلك مهارة، فإنها تمتلك مفتاح استقلالها. الفكرة بدأت من ملاحظة بسيطة، كنت أرى الكثير من النساء لديهن طاقات وإبداعات لكنهن يفتقرن إلى الفرصة”.

عملت سناء لسنوات في مجال التعليم المجتمعي، وشهدت عن قرب التحديات التي تواجهها النساء في الوصول إلى التدريب والفرص المهنية. ومن هنا، قررت تحويل فكرة المركز إلى واقع ملموس، فبدأت المبادرة بجهود فردية وبإمكانات محدودة، لكنها سرعان ما تحولت إلى مشروع جماعي بعدما انضمت إليها نساء يشاركنها الحلم ذاته.

تحديات اقتصادية وفرص عمل محدودة

تواجه المرأة العراقية تحديات متعددة في الحصول على فرص العمل، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً لمن لا يمتلكن مؤهلات تعليمية عالية أو خبرات تخصصية، فضلاً عن القيود الاجتماعية والظروف الأسرية التي قد تحد من مشاركتهن. لذلك تبرز الحاجة إلى مبادرات تدريبية تفتح أمام النساء آفاقاً جديدة وتمكنهن اقتصادياً، وهو ما تسعى إليه مثل هذه المشاريع المجتمعية.

من بين النساء اللواتي انضممن إلى المشروع، ريم حسين (29 عاماً)، وهي فنانة تشكيلية شابة وجدت في المركز فرصة لتحقيق رسالتها في نشر الفن بين النساء. 

تقول ريم وهي تشرح لإحدى المشاركات كيفية استخدام الألوان المائية “الفن ليس رفاهية، بل وسيلة للتعبير عن الذات وتفريغ الضغوط اليومية. كثير من النساء لم تتح لهن فرصة تعلم الرسم أو اكتشاف مواهبهن”.

تضيف ريم أن الورش الفنية في المركز لا تقتصر على تعليم تقنيات الرسم فقط، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز الثقة بالنفس لدى المشاركات وتشجيعهن على التعبير عن مشاعرهن وتجاربهن من خلال الفن. وتؤكد أن رؤية النساء وهن يكتشفن قدراتهن الإبداعية للمرة الأولى هو أكثر ما يمنحها الحافز للاستمرار.

أما ليلى محمد (37 عاماً)، وهي مدربة خياطة وصاحبة خبرة طويلة في تصميم الأزياء، فقد انضمت إلى الفريق بهدف نقل خبرتها إلى نساء أخريات. ترى ليلى أن تعلم الخياطة يمكن أن يكون نقطة تحول حقيقية في حياة الكثير من النساء، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

تقول ليلى “الخياطة ليست مجرد حرفة، بل مصدر دخل يمكن أن يغير حياة الأسرة بأكملها. نعلم المشاركات من الصفر، بدءاً من استخدام الإبرة والخيط وصولاً إلى تصميم قطع كاملة”.

وتوضح أن المركز يقدم برامج تدريبية متدرجة تتيح للمتدربات تطوير مهاراتهن بشكل عملي، كما يشجعهن على تحويل هذه المهارات إلى مشاريع صغيرة توفر لهن استقلالاً اقتصادياً.

أهمية التدريب المهني 

في ظل هذه التحديات، أصبح التدريب على الحرف والمهارات المهنية أحد الحلول الأساسية لتمكين المرأة العراقية. فتعلم الخياطة أو الفنون أو الحرف اليدوية يمنح النساء فرصة لتأسيس مشاريع صغيرة أو العمل من داخل المنزل، مما يوفر لهن دخلاً مستقلاً ويسهم في تحسين مستوى معيشة أسرهن. 

كما تساعد هذه البرامج التدريبية على تعزيز ثقة المرأة بنفسها وتوسيع خياراتها المهنية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على دورها داخل الأسرة والمجتمع.

يضم المركز الثقافي النسوي مجموعة من الورش والأنشطة التي تشمل تعليم الخياطة، والرسم، والفنون اليدوية، إضافة إلى دورات في اكتساب مهارات حياتية جديدة مثل إدارة المشاريع الصغيرة وتنمية القدرات الشخصية. وتتميز هذه البرامج بأنها مصممة لتناسب مختلف المستويات التعليمية والخبرات، مما يجعلها متاحة لشريحة واسعة من النساء.

داخل إحدى القاعات، تجلس مجموعة من النساء حول طاولة كبيرة، منشغلات بتجربة ألوان مختلفة على لوحات بيضاء. الضحكات تتعالى بين الحين والآخر، في مشهد يعكس أجواء من الألفة والدعم المتبادل. بالنسبة للمشاركات، لا يمثل المركز مجرد مكان للتعلم، بل مساحة آمنة للتواصل وتبادل الخبرات.

تقول سناء عبد الكريم إن “المركز يهدف إلى خلق مجتمع نسوي داعم، حيث يمكن للنساء مشاركة تجاربهن والتعلم من بعضهن البعض”.

وتضيف “نريد أن تشعر كل امرأة تدخل هذا المكان بأنها قادرة على التغيير، وأن لديها القدرة على بناء مستقبل أفضل”.

واجهت المبادرة منذ انطلاقها تحديات عديدة، أبرزها محدودية التمويل وصعوبة توفير المعدات اللازمة للتدريب، إلا أن إصرار الفريق وروح التعاون بينهن ساعدت في تجاوز هذه العقبات. فقد اعتمدت المؤسِسات على التبرعات والدعم المجتمعي، كما ساهمت بعض النساء بوقتهن وخبراتهن بشكل تطوعي.

تروي سناء أن أكثر اللحظات تأثيراً بالنسبة لها كانت عندما تمكنت إحدى المتدربات من افتتاح مشروع خياطة صغير بعد أشهر من التدريب في المركز. تقول بابتسامة فخر: “حين ترى ثمرة هذا العمل في حياة امرأة حقيقية، تدرك أن كل الجهد كان يستحق العناء”.

ولا يقتصر تأثير المركز على الجانب المهني فقط، بل يمتد إلى تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي للمرأة، إذ ينظم المركز فعاليات ثقافية ومعارض فنية لعرض أعمال المشاركات، مما يمنحهن فرصة للتعريف بإبداعاتهن أمام المجتمع.

وترى ريم حسين أن هذه الفعاليات تسهم في تغيير الصورة النمطية عن دور المرأة وتبرز قدرتها على الإبداع والإنتاج. 

وتقول “نحن لا نعلم مهارات فقط، بل نساهم في بناء هوية جديدة للمرأة، قائمة على الثقة والقدرة والإبداع”.

أما ليلى محمد فتؤكد أن نجاح المركز يكمن في روح التضامن التي تجمع النساء المشاركات، حيث تتشكل صداقات حقيقية ويجد الجميع دعماً متبادلاً يعزز تجربة التعلم.

المبادرات المجتمعية ودورها في دعم المرأة

تلعب المبادرات المجتمعية والمراكز الثقافية دوراً محورياً في دعم النساء وتسهيل وصولهن إلى فرص العمل، من خلال توفير بيئة تعليمية آمنة وتدريب عملي مستمر. كما تسهم هذه المبادرات في دعم المرأة نفسياً واجتماعياً وتشجعها على المشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية والثقافية، ما يعكس وعياً متزايداً بأهمية تمكين المرأة باعتباره جزءاً أساسياً من التنمية المجتمعية.

ومع تزايد الإقبال على المركز، تسعى المؤسِسات إلى توسيع نشاطاته وتطوير برامجه بحيث يشمل مجالات جديدة تلبي احتياجات النساء في المجتمع. وتخطط سناء وفريقها لإنشاء برامج تدريبية إضافية في مجالات الحرف اليدوية والتصميم وريادة الأعمال النسوية.

تقول سناء وهي تنظر إلى القاعات المليئة بالنشاط “حلمنا أن يصبح هذا المركز نموذجاً يمكن تطبيقه في مناطق أخرى، وأن نصل إلى أكبر عدد ممكن من النساء”.

في مدينة تعيش تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة، يشكل هذا المركز الثقافي النسوي تجربة ملهمة تعكس قدرة المبادرات المجتمعية على إحداث تغيير حقيقي. فبين جدرانه، تنسج النساء حكايات جديدة من الأمل، ويحولن المهارات البسيطة إلى فرص للحياة.

ومع كل خيط يُحاك، وكل لوحة تُرسم، وكل مهارة تُكتسب، يتشكل مستقبل مختلف لنساء بغداد، مستقبل قائم على المعرفة والاستقلال والإبداع، تقوده إرادة نساء آمن بأن التغيير يبدأ بخطوة، وأن الحلم حين يجد من يؤمن به يصبح واقعاً.

 

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali