من بين المبادرات الثقافية الشبابية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة في مدينة العمارة، برز “صالون لميعة الثقافي” وهو مبادرة تقودها شابة ميسانية حولت اهتمامها بالقراءة والعمل التطوعي إلى مشروع ثقافي منظم، يفتح مساحة للنقاش ودعم المواهب الشابة ولا سيما من النساء.
شغفها بالقراءة ومطالعة الكتب المختلفة ولّد في نفسها حلماً كبيراً بتأسيس نادٍ خاص بالقراء يتبادلون فيه الأفكار والآراء، كما أن حبها للأنشطة التطوعية قادها نحو المساهمة بتقديم مشاريع في مدينتها الجنوبية. اتجهت مؤخراً نحو الجمع بين شغفها بالقراءة وحبها للأعمال التطوعية، ليكون الناتج ملتقى أدبياً وفكرياً تحت مسمى صالون ثقافي.
زهراء ستار، شابة من محافظة ميسان لم تتجاوز عقدها الثاني، استطاعت أن تكون أول امرأة تؤسس وتدير صالوناً ثقافياً في المحافظة، في بيئة اعتادت أن يتولى الرجال مثل هذه الأدوار حتى بدت شبه حكرٍ عليهم. الشابة الميسانية كسرت هذه الصورة المكرسة بعد أن نجحت بمعية مجموعة من شباب مدينتها في افتتاح “صالون لميعة الثقافي” استذكاراً للشاعرة الميسانية الراحلة لميعة عباس عمارة، ليكون منطلقاً فعلياً لدعم المثقفين ومن بينهم النساء.
عن بدايات مشوارها نحو تأسيس الصالون، تتحدث زهراء الحاصلة على شهادة البكالوريوس في التربية لموقع المنصة قائلة: “كنت أحب القراءة بدرجة كبيرة جداً، وعندما أقرأ كنت أشعر بحاجة دائمة إلى مناقشة ما أقرأه مع قراء آخرين”.
وتتابع: “في أحد الأيام طرحت فكرة إنشاء نادي قراءة على أحد المثقفين من أبناء مدينتي، لكنه اقترح عليّ إنشاء صالون ثقافي.. هذه الفكرة بقيت مجرد عنوان إلى أن تُرجمت إلى صالون حقيقي بعد عام كامل”.
تشير زهراء إلى أن اختيار اسم الصالون جاء بدافع الاعتزاز بالشاعرة العراقية الكبيرة الميسانية الأصل لميعة عباس عمارة، موضحة أن “غالبية الأجيال اليوم لا تعرف من تكون هذه الشاعرة، ولا ما الذي يمثله اسمها”.
ولميعة عباس عمارة (1924–1993) هي واحدة من أبرز الأصوات الشعرية في العراق والعالم العربي في القرن العشرين، ولها حضور مهم في الحركة الشعرية العراقية الحديثة. وُلدت في محافظة ميسان وتُعد من بين الرائدات في الشعر الحر، تجاوزت كتاباتها موضوعات الحب التقليدية إلى استكشاف الذات والهوية والمرأة والمجتمع.

حظيت فكرة إنشاء الصالون باهتمام الأوساط الثقافية والأكاديمية في مدينة العمارة، لكونها جاءت تتويجاً لجهود متراكمة وفي توقيت مناسب، بحسب ما يراه الأكاديمي د. علي كريم، الذي يقول لموقع المنصة: “صالون لميعة الثقافي خطوة مهمة تؤسس لملتقيات ثقافية وفنية ومعرفية، يجتمع فيها المهتمون والعاملون، وهو بحد ذاته مؤشر إيجابي”.
ويضيف: “يمكن اعتبار الصالون تتويجاً لمجهودات بُذلت من جهات مختلفة وبإدارة نسوية، كما أنه يحمل اسم شاعرة عراقية كبيرة”. ويؤكد كريم أن إطلاق الصالون “جاء في وقت مميز، فبعد فترة من الركود الثقافي أصبح الناس أكثر تعطشاً لأي نشاط فني أو ثقافي، كما أن المبادرة قد تؤسس لمشاريع عديدة مستقبلاً وتشجع آخرين على افتتاح مبادرات ثقافية شبيهة”.

من خلال تجربتها لامست زهراء معاناة النساء القارئات في مدينتها في إيجاد أماكن آمنة ومناسبة لتبادل الأفكار والآراء. وتعزو ذلك إلى “عدم وجود فضاءات خاصة تشعر فيها النساء بالأمان عند الحديث أو طرح فكرة معينة”.
وتضيف لموقع المنصة: “كان الحلم في البداية مجرد كلمة، ثم تحولت هذه الكلمة إلى واقع جميل”. مشيرة إلى أن المشروع لم يكن ليتحقق لولا الدعم الذي تلقته من مثقفين وأكاديميين في المدينة من بينهم الدكتور أحمد شمس والدكتورة نادية علي.
وشهدت السنوات الأخيرة تنامياً لافتاً في المبادرات الثقافية المدنية في محافظات الجنوب، حيث برزت نوادي قراءة وملتقيات شبابية تعمل خارج الأطر الرسمية بهدف تشجيع المطالعة وبناء مساحات للنقاش العام. وتشير تقارير محلية إلى أن هذه المبادرات غالباً ما تُدار بجهود تطوعية من ناشطين وطلبة، وتركّز على تنظيم جلسات قراءة وندوات وحوارات مفتوحة لتعويض محدودية البنى الثقافية التقليدية في بعض المدن. ويُنظر إلى هذه الأنشطة بوصفها أدوات مجتمعية لإعادة تنشيط الحياة الثقافية وتعزيز مشاركة الشباب ولا سيما النساء في الفضاء العام الثقافي.
اختارت زهراء اسم الصالون بنفسها، رغم أن الصالونات الثقافية غالباً ما تحمل أسماء مؤسسيها، وفي هذا السياق تشير لموقع المنصة إلى أن “المشهد الثقافي في مدينة العمارة يمتلك طاقات واعدة، لكنه يحتاج إلى مزيد من التنظيم والدعم، وفتح مساحات حقيقية للشباب والمبادرات المستقلة”.
وعلى الرغم من حداثة عمر الصالون، إلا أنه يشهد حراكاً توعوياً ملحوظاً تحت إدارتها. تقول زهراء: “نعمل على مجموعة من الأنشطة، كان أولها ورشة التغيير الواعي، التي انطلقت إيماناً بأهمية الوعي في صقل الذات وفتح الطريق نحو تغيير حقيقي”. وتضيف أن هذه الأنشطة “تنعكس إيجاباً على المجتمع الميساني”، إلى جانب “تنظيم جلسات ثقافية عديدة من قراءات ونقاشات لكتب وأعمال شعرية خلال الفترة الماضية”.

ويشير مثقفون من العمارة إلى تفاني زهراء وإخلاصها في العمل التطوعي. وفي هذا السياق يقول الشاعر الميساني حسين الشرقي لموقع المنصة: “لطالما كانت زهراء موجودة في الأعمال التطوعية في ميسان، ولها بصمة واضحة في كل فعالية تُقام ضمن هذه المساحة الإبداعية”.
ويضيف: “يمكن اعتبار ما أنجزته علامة فارقة بين المشاريع الثقافية والتطوعية في المحافظة، لا سيّما أن كثيراً من هذه المشاريع يكاد يخلو من الحضور النسوي”.
لا تخفي زهراء أن طموحها لا يتوقف عند تأسيس الصالون، إذ تؤكد أن “الخطوة المقبلة تتمثل في توسيع أنشطة الصالون وبناء شراكات ثقافية أوسع والوصول إلى شرائح مجتمعية أكبر”. وترى في الوقت نفسه حضوراً نسوياً متنامياً في إدارة المشهد الثقافي في مدينتها. تقول: “النساء بحاجة إلى مساحة ثقافية، ومن خلال الصالون اكتشفت الكثير من الفتيات المبدعات، لكن لا يوجد مكان يحتضن هذه الطاقات ويُبرزها”.
وعلى الرغم من نجاح هذه الشابة في إنجاز ما خططت له، فإن مسارها لا يتوقف عند حدود الصالون، بل يمتد ليشمل مدينتها التي تنتمي إليها ورغبتها في رؤيتها تزدهر.
“حلمي أن أرى ميسان بأجمل صورة لأنها المكان الذي أنتمي إليه، وأن يكون للصالون الثقافي أثر حقيقي ومستدام في وعي المجتمع، وأن يتحول إلى منصة معرفية فاعلة تسهم في إحداث تغيير ثقافي وإنساني”.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



