قصص من الشارع

البائعات الإيرانيات في أسواق البصرة.. رحلة شاقة من أجل لقمة العيش

26/02/2026

تشهد أسواق مدينة البصرة توافد بائعات إيرانيات يقطعن مسافات طويلة ويعبرن الحدود بحثاً عن رزق بسيط. يصلن بعد رحلة شاقة ليبدأن البيع على الأرصفة وأطراف الأسواق، في مشهد أسبوعي يعكس ضغوطاً اقتصادية تدفعهن إلى تأمين دخل يومي بالكاد يسد الرمق.

البصرة- نغم مكي

في ساعات الصباح الباكرة، حين تكون شوارع العشار في البصرة لا تزال نائمة، تبدأ أم أميرة يومها. امرأة خمسينية قطعت مئات الكيلومترات من عبادان في جنوب غرب إيران، حاملةً معها أكياس العطور والمرطبات والصابون، وحملاً أثقل من الهموم والأحلام.

تجلس أم أميرة أمام أحد محال الاستنساخ في شارع الكويت، وتفرش بضاعتها المتواضعة على الأرض؛ ماركات إيرانية بسيطة، لكنها تحمل بين طياتها قصة كفاح امرأة لم تستسلم. يقف الزبائن العراقيون حولها، بعضهم من أصحاب المحال، وآخرون من المتبضعين العاديين، والجميع يثنون على جودة بضاعتها ورخص ثمنها. رجل يتسوق منها ينصح الآخرين ببضائعها وجودتها وسعرها المناسب، ويفضل مرهم المفاصل وأقراص النعناع التي تهدئ الحنجرة والسعال.

تقول أم أميرة بلهجتها الممزوجة بين الفارسية والعراقية: “عندي بنت تدرس الدكتوراه وولدان يدرسون، گاعدة هنا علمودهم”.

تكافح دمعة تحاول الانفلات من عينيها، تمسحها بسرعة وتكمل حديثها عن رحلتها اليومية التي باتت روتيناً قاسياً لكنه ضروري: تبدأ الرحلة من بيتها في عبادان عند الخامسة فجراً، تستقل سيارة أجرة حتى منفذ الشلامجة، ثم حافلة بثلاثة آلاف دينار عراقي حتى العشار. رحلة تستغرق أربع ساعات من التعب والانتظار والتفتيش. “مليون تومان ما يكفي شيء في إيران، يجيبنا شدة خضرة بس”، تضحك بمرارة وهي تشرح كيف أن الأرقام الكبيرة في العملة الإيرانية فقدت قيمتها الشرائية، فعشرون مليون تومان لا تساوي سوى بضعة آلاف من الدنانير العراقية في السوق الحدودية.

منذ عام 2018 ترزح إيران تحت وطأة عقوبات أعادت واشنطن فرضها بعدما انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل أحادي الجانب من الاتفاق الدولي بشأن برنامج إيران النووي، ومنذ ذلك الحين لم يتمكن الاقتصاد الإيراني من التعافي، مع تسجيل معدلات تضخم مرتفعة وتراجع حاد في سعر صرف الريال مقابل الدولار.

في مارس/آذار الماضي ارتفعت أسعار السلع في إيران بأكثر من 32.5% على أساس سنوي، بحسب مركز إيران الإحصائي، وهو هيئة رسمية، كما سجل الريال تراجعاً قياسياً جديداً مقترباً من عتبة مليون وخمسمائة ألف ريال للدولار الواحد، ما أربك الأسواق مجدداً بعد أيام قليلة من الاستقرار النسبي، ودفعت هذه الأزمة عشرات الباعة الجوالين الإيرانيين إلى السفر بعد منتصف ليل كل خميس إلى البصرة في رحلة تستمر ساعات عدة.

يفسر الخبير الاقتصادي عبد الحسين الشمري هذه الظاهرة بقوله إن الدولة الإيرانية مثقلة بالأعباء وعملتها متراجعة بصورة كبيرة ولا يمكن العيش بمثل هذه القوة الشرائية، لذلك تلجأ العوائل الفقيرة الموجودة في مناطق الشلامجة وعبادان والأهواز إلى البصرة باعتبار العملة العراقية أكثر استقراراً نسبياً وذات مردود اقتصادي أفضل، فالفوارق الاقتصادية بين العراق وإيران كبيرة جداً حالياً، وهذا يؤثر على حياة الناس وحاجتهم الماسة إلى المال وترتيب أوضاعهم الاقتصادية من أجل العيش البسيط، لا الكريم بالضرورة.

تقول أم أميرة: “نشوف الحالة مالتنا ضعيفة، ما نصرف وايد، نشتري مرات ربع كيلو لحم”، بصوت منخفض كأنها تعترف بسر تخجل منه، لكنها سرعان ما ترفع رأسها وتضيف: “بس الحمد لله، وأنا أحب أهل العراق، صارلي أربع سنوات أروح وأرجع، ما لكيت مثل العراق، قلوبهم طيبة”.

تبيت أم أميرة في أحد فنادق العشار المتواضعة بخمسة آلاف دينار لليلة الواحدة، وتتقاسم الغرفة مع نساء أخريات في الحال نفسها يومين في الأسبوع، الأربعاء والخميس، ومن الفجر حتى السابعة مساءً تجلس تبيع وتفاوض على الأسعار. تشتري السلع من إيران بخمسين ألف دينار وتبيعها بخمسة وسبعين ألفاً، والربح البسيط بعد خصم أجور النقل والمبيت بالكاد يكفي لتوفير احتياجات أبنائها.

جاءت امرأة تشتري منها حبوباً، ففاصلتها على السعر من ألف وخمسمائة دينار إلى خمسمائة دينار، وطلبت عدداً معيناً. تقول أم أميرة: “يشتري بضاعتي أصحاب المحلات وبالجملة، وبعض الفتيات يشترين سلعتي وبعد التجربة للجودة يطلبن عدداً أكبر، ولا أعرض ما يطلبن إلا لهن”. تداهمها البلدية أحياناً وتطلب منها تغيير مكانها، فتفعل ذلك رغم تفضيلها للمكان الذي تبيع فيه لأنه منعزل وغير قاطع للطريق ومرئي للجميع، فتضطر للجلوس في زقاق أحد الشوارع المكتظة بالبائعات. “البلدية تشيلني، بس مسؤولية عليهم، هم تعبانين مثلنا، خطية أشوفهم من الصبح للعصر”، تقول أم أميرة.

وعن سنواتها السابقة تقول: “في السنوات السابقة ببدايتي كنت أبيع بضاعة صغيرة، أحياناً دجاجتين ومرة تمر، من كل شيء القليل، أنوعها، الحمد لله”. لكن في رمضان كان الوضع أصعب، وتسترسل قائلة: “في رمضان نطلع هرفي بعد آذان الفجر مباشرة ونعود لبيوتنا قبل آذان الظهر لكي لا ينقطع صيامنا ونفطر”.

في زقاق ضيق في شارع الكويت، ليس بعيداً من مكان أم أميرة، تجلس خاطرة على كرسي مهترئ. امرأة في الثانية والثلاثين من عمرها، لكن ملامحها الشاحبة والمتعبة تجعلها تبدو أكبر سناً. ترتدي ثياباً رجالية وألواناً باهتة، وبجانبها ولدها ذو الأربع سنوات يتلحف ببطانية صغيرة لا تكفي جسده النحيف الطويل. تسرح خاطرة في أفكارها بين توفير لقمة العيش وتعب الطريق والتفكير في طفلتها التي أودعتها عند أختها، وولد يرافقها في رحلة الكفاح اليومية. أمامها سلة بيض ودجاج مجمد وتمر معلب، ولا تتقن الحساب جيداً بالأرقام العربية، فتتلعثم وهي تفاوض الزبائن، لكنها تتعلم مع كل يوم يمر.

“لم أكمل دراستي للمتوسطة بسبب الظروف الاقتصادية”، تقول خاطرة بصوت خافت. اضطرت للعمل بعد وفاة زوجها، فالإيجار المرتفع واحتياجات طفليها الصغيرين لم تترك لها خياراً. تعمل مع عمتها في التجارة، لكن كثيراً ما يُمنع دخول بضائعهما عبر الحدود بحسب القوائم المسموح بها.

“التفتيش يستمر من الثامنة مساءً حتى الثانية ليلاً”، تشرح وهي تحاول إبقاء عينيها مفتوحتين رغم النعاس الطاغي على وجهها. المسافة من بيتها إلى المنفذ ساعة واحدة، وأجرة النقل تتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة آلاف دينار، ثم أربعة آلاف أخرى من الشلامجة إلى العشار.

يرى الدكتور علي عبد الحسن الناشي، رئيس منظمة التواصل والإخاء الإنسانية، أن الظاهرة تُفسَّر بوصفها نتيجة للهجرة الاقتصادية والاقتصاد غير الرسمي والفقر والحاجة، حيث تدفع الأزمات المعيشية والتفاوت في القوة الشرائية النساء إلى العمل في الأسواق الحدودية، ولا سيما في البصرة التي توفر دخلاً أسرع وأسهل، خاصة مع وجود تقارب ثقافي واجتماعي ومذهبي بين العراق وإيران، وترحيب من قبل المواطن العراقي للتخفيف من الأزمة التي يواجهها الشعب الإيراني، بالإضافة إلى توفر مواد مختلفة بأسعار أقل مقارنة بمثيلاتها في العراق، ما يخفف من كاهل الإيرانيات ويحقق لهن ربحاً من فرق السعر.

“نضطر للمبيت في مكان البيع”، تقول خاطرة وهي تشد البطانية على ولدها النائم. بعض النساء يبتن في الحسينيات مجاناً، لكنها لا تستطيع ذلك، “دربي بعيد وابني عجز ما يكدر يمشي، فظلينا هنا”.

راتب الأرملة الذي تتقاضاه لا يكفي، خمسة وعشرون ألف دينار عراقي، وهو مبلغ محدود لا يغطي سوى جزء يسير من المصاريف الشهرية. “مائة دولار تكفي أكل وشرب فقط، إذا بدون صرف ببذخ”، تقولها وهي تحسب بأصابعها المتصلبة من البرد.

لا تربح خاطرة كثيراً، القليل فقط، لكنه يكفي لتوفير وجبة لأطفالها ودفع جزء من الإيجار. يشتري منها أصحاب المحال بالجملة، وحسب أجور النقل لا يكفي ما تقوم ببيعه بالجملة، لكنها مضطرة حتى لا تعود ببضاعتها إلى بيتها. “البلدية لا تضايقنا هنا بالدرابين، فقط من يبيع على الرصيف ممنوع”، تقول بنبرة فيها ارتياح، وتضيف: “أتمنى أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية ليخف كاهل العمل علينا ونعيش بالأفضل”.

في بقعة أخرى من البصرة، في سوق البصرة الكبير بالقرب من تقاطع شارع بشار، تفترش السيدة الأربعينية حسنة أرضية السوق الباردة مستعينة بقطعة كارتون تجلس عليها. تأتي من الأهواز، من منطقة الحميدية تحديداً، متزوجة من رجل مريض وأم لأطفال يعانون من أمراض مزمنة. “فكرت أبيع بالأسواق العراقية، أريد أبيع على عيشتي، جاية تابعة عيشتي، جاية على حب الله وعلى عيشتي”، تقول بلهجة أهوازية وهي تعرض “الكالباس”، وهو نوع من النقانق مشهور في إيران يُصنع عادة من لحم البقر أو الدجاج مع إضافة الدهون والتوابل مثل الثوم والفلفل، وأحياناً يُضاف إليه الفستق أو الزيتون لإضفاء نكهة مميزة، يُطحن اللحم ويُخلط مع المكونات ثم يُحشى في غلاف خاص ويُطبخ أو يُدخن، ويؤكل غالباً مقطعاً إلى شرائح داخل السندويشات مع الخبز والخضار مثل الخيار المخلل والطماطم، كما يمكن قليه مع البيض أو تناوله بارداً كوجبة خفيفة، يوضع في الصمون ويؤكل، ومكوناته دجاج وجزر ومواد أخرى، طعام بسيط لكنه يوفر لها دخلاً متواضعاً.

تبدأ رحلة حسنة عند خروجها من بيتها في سيارة أجرة مع مجموعة من النساء كما تسميهن “الحبايب” اللواتي يشاركنها الرحلة والمعاناة.

تقول بامتعاض: “نوصل للحدود، بالضيم الأسود نتعدى لهنا”، تصف المعاملة القاسية على الحدود، والتفتيش الذي يستمر يومين أحياناً، والسونار الذي يفحص البضائع، والانتظار المرهق في منفذ الشلامجة. “عشرون ألف دينار عراقي نكضيها كراوي بفلوسنا”، تقول وهي تحسب أرباحها المتواضعة. تبيع بثلاثين ألفاً، ولا يبقى لها سوى عشرة أو خمسة عشر ألفاً بعد خصم المصاريف. “مو سوى، بس هم يفيدنا، أشتغل بس أنا من عائلتي عندي أطفال مرضى وزوجي مريض وأنا أكد ما يضوجوني”.

يشير الشمري إلى أن هذا النشاط ينعكس على السوق العراقية المحلية؛ ففرص العمالة الإيرانية تحقق أرباحاً للجانب العراقي، لكن تنظيم العمل يظل معقداً، لأن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 حتى الآن لم تتمكن من تنظيم سوق العمل داخل العراق بين العراقيين أنفسهم، فكيف بالعمالة الإيرانية الداخلة عبر الحدود، إذ لا يمكن السيطرة على هذا الملف بصورة كاملة.

تشتكي حسنة من الزبائن الذين يحاولون شراء السلعة بأرخص الأسعار، وتقول: “بعضهم ما يخلون درب بيها، يريدون ياخذوها بأرخص شيء، وبعضهم لا”. وتشابه حسنة قريناتها من البائعات الإيرانيات، إذ تضطر للمبيت في البصرة يومين في الأسبوع، الخميس والجمعة، ثم تعود إلى أهلها، وتردف قائلة: “من العصر للغروب هاي گعدتي”، وهي تشرح روتينها اليومي، فبعض النساء ينمن في الحسينيات، لكنها تفضل العودة إلى عائلتها.

يؤكد الناشي أن النساء يتحملن هذا النوع من العمل الهش بسبب تراجع دخل الأسر ومحدودية فرص العمل الرسمية للنساء، إضافة إلى سهولة الدخول في الأعمال التجارية البسيطة التي لا تحتاج إلى مهارات أو رأس مال كبير، لكن هذه الظاهرة تحمل مخاطر اجتماعية تشمل التعرض للاستغلال أو التحرش في بعض الأحيان، وعدم الاستقرار المالي، فضلاً عن المشكلات القانونية المرتبطة بالعمل غير المنظم، إلى جانب المخاطر الصحية والوصم الاجتماعي.

ويرى أن هذه الظاهرة مؤشر على توسع الهجرة الاقتصادية المؤقتة وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، لكنها تبقى مرتبطة بالظروف الاقتصادية وقد تتغير إذا تحسنت الأوضاع أو تم تنظيم الأسواق، فيما يضيف الشمري أن كثيراً من النساء يأتين من أجل الحصول على لقمة العيش، وهذا حق من حقوقهن، لأنهن بشر، والإنسانية تقتضي التعاون في هذا المجال.

في نهاية اليوم، تجمع أم أميرة بضاعتها المتبقية، وتعد ما ربحته بعناية، وتجمع أكياسها الفارغة وترميها في حاوية قريبة، ثم تتجه نحو الفندق المتواضع حيث ستبيت. غداً يوم جديد، ورحلة جديدة، وأمل بأن يكون الربح أفضل قليلاً. خاطرة تحمل ولدها النائم وتضمه إلى صدرها. البرد قارس والبطانية صغيرة، لكن دفء الأمومة يمنحها قوة إضافية، تفكر في ابنتها الصغيرة التي تركتها عند أختها وتتساءل متى ستنتهي هذه المعاناة. حسنة تتنهد بحسرة، تاركة الأمر لله، راضية بما يأتيها من رزق قليل، ثم تعود إلى بيتها حيث ينتظرها زوجها المريض وأطفالها المحتاجون، لكنها ستعود أيضاً الأسبوع القادم، فالحياة بالنسبة لهن لا تحتمل التوقف.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali