قصص من الشارع

مقاهي القطط في بغداد.. شباب يحولون التبني إلى مشروع رعاية

27/02/2026

بغداد- مصطفى جمال مراد

في ضوء الصباح الذي يتسلل عبر نوافذ منزل في بغداد، تتحرك القطط بين الأثاث بهدوء، بينما تراقبها طفلة من مسافة قريبة دون أن تلمسها. كان المشهد يتكرر يومياً، لكن الطفلة لم يُسمح لها آنذاك باقتناء قطة، فبقي اهتمامها قائماً على المتابعة والانتظار.

استمر هذا الشغف لسنوات، إلى أن منحها والدها قطة صغيرة، فتحول الاهتمام من مراقبة صامتة إلى تجربة مباشرة في الرعاية والتعامل. شعرت للمرة الأولى بملمس الفرو بين يديها، وبدأ ارتباطها بالقطط يأخذ شكلاً عملياً ومسؤولية واضحة.

تلك الطفلة هي اليوم الشابة “سما”، 21 عاماً، طالبة في كلية الفنون الجميلة، وتعمل منذ أغسطس/آب الماضي في مقهى “بشونة”، حيث أصبح اهتمامها بالقطط جزءاً من عمل يومي منظم.

تقول سما: “وافقت على العمل في هذا المجال بسبب حبي الشديد للقطط. أراه فرصة مناسبة لي، لأن القطط كائنات لطيفة ويمكن لأي شخص أن يتواصل معها ويلعب معها”.

تبدأ سما دوامها في فترة الظهيرة ضمن كادر الشفت المسائي، وتتجه إلى المساحة المخصصة للقطط لتمشيط شعرها، وتنظيم المكان، ومتابعة احتياجات الرعاية اليومية. وتشير إلى أنها لا تشعر بالإرهاق أثناء العمل، لأن وجودها بين القطط يخفف عنها ضغوط الدراسة.

وتضيف: “عندما أكون متوترة أو مضغوطة من الدراسة، فمجرد الجلوس بين القطط يخفف عني”.

وتوضح أن التجربة منحتها معرفة أوسع بسلوك القطط، إذ تؤكد أن لكل قطة شخصيتها المختلفة، وأن التعامل معها يتطلب احترام طبيعتها وعدم إجبارها على التفاعل. ومع مرور الوقت، اكتسبت خبرة أكبر في فهم سلوك القطط داخل المنزل ومكان العمل.

لم يكن هذا الاهتمام حكراً على سما، فمدير المقهى “محمد عمار” نشأ هو الآخر على تربية القطط، وتبنّى ثلاث قطط محلية منذ صغره. ومع الوقت، حوّل هذا الاهتمام إلى مشروع بدعم من والده، ليؤسس “سلسلة مقاهي بشونة” كمكان مخصص لرعاية القطط المتبناة وتوفير بيئة آمنة لها بعيداً عن الشارع.

يقول محمد عمار إن جميع القطط الموجودة في السلسلة متبناة، وبعضها جرى إنقاذه من الشارع أو تخلّى عنه أصحاب سابقون بسبب السفر أو ظروف معيشية مختلفة. ويضيف أن عدد القطط المتبناة في جميع الفروع يبلغ حالياً نحو 200 قطة.

قبل انضمام أي قطة إلى “سلسلة بشونة”، تمر بمرحلة فحص طبي كامل للتأكد من خلوها من الأمراض، وإعادة اللقاحات عند الحاجة، ثم تخضع لفترة حجر تمتد أسبوعين قبل دمجها مع بقية القطط.

وتوصي جمعيات بيطرية دولية بفرض حجر صحي للحيوانات الجديدة لمدة تتراوح بين 10 و14 يوماً في أماكن الإيواء أو التربية الجماعية، وذلك للحد من انتقال العدوى. كما تشدد الإرشادات المنشورة على أهمية برامج التطعيم الدورية والمتابعة البيطرية المنتظمة لضمان سلامة الحيوانات وصحتها العامة.

ضمن فريق العمل، يبرز الشاب “داني” (22 عاماً)، المسؤول عن متابعة الرعاية اليومية. على خلاف سما، لم تكن لديه تجربة سابقة مع الحيوانات الأليفة، ويصف انضمامه إلى المقهى بأنه أول احتكاك مباشر له مع القطط.

قبل انضمامه إلى “بشونة”، كان داني يمر بظروف شخصية صعبة أثقلت أيامه، ويقول: “وجودي معهم ساعدني على تجاوز مرحلة لم تكن سهلة، والمسؤولية اليومية ومراقبة سلوك القطط منحتني شعوراً بالهدوء لم أكن أتوقعه”.

يوضح داني أن القطط تبقى داخل المكان طوال الوقت، وأن المهام تُوزع بين العاملين بتنسيق يومي. ويعمل هو وسما وزميلة أخرى على تمشيط القطط، وتنظيف المكان، ومتابعة التفاصيل الصغيرة التي تحافظ على صحتها.

يقول: “هناك مهام ضرورية لا يجب إهمالها، مثل الالتزام بأوقات تقديم الوجبات وفق جدول محدد من دون تأخير. للقطط نظام غذائي يتضمن وجبتين من الطعام الرطب صباحاً ومساءً، مع توفير طعام جاف بكميات منتظمة طوال اليوم، إضافة إلى الحفاظ على درجة حرارة معتدلة تناسب احتياجاتها”.

ويضيف داني أنه في حال ملاحظة أي سلوك غير مألوف، يجري التواصل مع الإدارة أو الطبيب البيطري. ويزور الفريق البيطري الفروع بشكل دوري لمراقبة صحة القطط، وفحصها، ومنحها اللقاحات اللازمة. ويشير إلى أن القطط الجديدة قد تشعر بالقلق في الأيام الثلاثة الأولى بعد انتقالها، لكنها غالباً ما تتأقلم تدريجياً.

يفرض المقهى إجراءات للحفاظ على سلامة القطط وراحتها، منها إلزام الزوار بارتداء أغطية للأحذية وتعقيم اليدين قبل الدخول إلى مساحة القطط، ومنع دخول الأطفال دون سن الرابعة إلا برفقة شخص بالغ.

يمثل الزبائن جزءاً مهماً من التجربة، إذ يأتي بعضهم بدافع الفضول، بينما يتحول آخرون إلى زوار دائمين. ويلاحظ داني أن بعض الزبائن طوّروا ارتباطاً واضحاً مع قطط محددة، مثل قطة تُدعى “كلاودي” تزورها سيدة مسنّة أسبوعياً، أو القط المحلي “جيري” الذي يستقطب عدداً من الزوار بشكل منتظم.

ترى سما أن الروابط التي تنشأ داخل المقهى تتجاوز الجانب الترفيهي، وتقول: “هذه الروابط تضيف بعداً إنسانياً للتجربة، حيث تنشأ علاقة قائمة على الثقة والاهتمام”.

ويستعيد المدير محمد عمار بدايات افتتاح الفرع الأول، مشيراً إلى أن تفاعل الجمهور جاء أكبر من المتوقع. ويقول إن القطط بطبيعتها أكثر تقبلاً للتعامل مع الناس مقارنة ببعض الحيوانات الأخرى، ما يسهل اندماجها في مثل هذه المساحات.

ويختتم حديثه قائلاً: “أتمنى أن أتمكن من تبني أكبر عدد ممكن من القطط مستقبلاً، وأن تتراجع ظاهرة تعنيفها، لتصبح ثقافة الرحمة بها أكثر انتشاراً”.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali