بغداد- أحمد كوكب
على أطراف بغداد، حيث يخف صخب المدينة من دون أن يختفي، يقف مستشفى يعمل كعادته في استقبال المرضى، لكن إحدى طوابقه تحولت إلى موقع تصوير وقف فيه المخرج يراقب المشهد، يصحح نبرة صوت ويعيد اللقطة لأن رمشة عين جاءت قبل أوانها، وإلى جواره كان المصور ينحني قليلاً بكامرته باحثاً عن زاوية تمتلك المعنى، وأحد أفراد الكادر يهمس للجميع: “هدوء… تصوير”، فيسكن المكان فجأة، حتى الأجهزة الطبية بدت لوهلة كأنها تحبس أنفاسها احتراماً للمشهد.
فنانات العمل يعشن طقوس التحول الصامتة، واحدة تراجع حوارها بشفاه تتحرك بلا صوت، وأخرى تغمض عينيها كأنها تستحضر حياة أخرى، وثالثة تحدق في المرآة لترى على وجهها الشخصية التي ستولد بعد لحظات.
هناك فهمت أن الدراما لا تبدأ عند كلمة “أكشن”، بل قبلها بساعات من الصبر والترتيب والارتجاف الخفي، ومن هنا تبدأ الحكاية، حكاية نساء يصنعن الدراما العراقية الرمضانية في موسم يشهد سنوياً عرض عشرات الأعمال التي تتصدر نسب المشاهدة.
تدخل سوزان عبد الخالق موقع التصوير مبكراً، فالتأخير كما تقول يربك روحها قبل جدولها: “أحب أوصل من وقت وأكون حافظة مشاهدي ومسيطرة عليها 100%”.
تحفظ الممثلة العراقية نصها بدقة، لا تسمح للخطأ أن يتسلل. هذا الموسم تحديداً هي حاضرة بقوة في أكثر من أربعة مسلسلات رمضانية دفعة واحدة، حضور لا يثبت كثافة عملها فقط، إنما يعزز فكرة أن صانعات الدراما العراقيات أصبحن عمود موسمه النابض.

تصف يوم التصوير بأنه كحال “سفرة عائلية طويلة”، دفء رغم التعب وألفة رغم الفوضى، لكنها تعترف أن أكثر اللحظات توتراً هي تلك التي يتغير فيها المشهد فجأة حين يطلب المخرج انفعالاً مختلفاً أو إحساساً جديداً، عندها يشتعل داخلها ارتباك خاطف سرعان ما تخمده بخبرة السيطرة.
وحين سألتها كيف تتحمل ضغط الموسم، ابتسمت قائلة إن كل عمل “إضافة لشهادة الحياة قبل أن تكون شهادة مهنية”، فلسفة تجعل التعب تجربة تفخر بها لا عبئاً تتذمر منه.
تتوقف قليلاً عند ما لا يراه الجمهور في الأعمال الفنية، فتتسع نظرتها كأنها تفتح باباً سرياً، وتسترسل: “التعب اللي خلف الكواليس، الكاميرا الثقيلة على كتف المصور، إرهاق عامل الإضاءة، سباق مصممي الأزياء مع الزمن، ووجوه الكادر اللي متظهر في اللقطة لكنها تحملها، كل واحد شايل جزء من المشهد”.
إن أصعب مشهد مر عليها لم يكن لها بل لزميل يموت درامياً، فبكت بصدق لأن التمثيل عندها امتداد لذاتها، لذلك تعترف: “الدور اللي يشبهني أكثر هو دور الأم، لأن أنا أم وأحس هاي المشاعر صدك مو تمثيل”، ولأنها حتى بعد انتهاء التصوير تبقى محتفظة بالشخصية أياماً.
تضحيتها الكبرى هي الوقت: الهاتف صامت، الأبناء بعيدون، والنهار ينقضي بين مشهد وآخر، ومع ذلك تقول لنفسها جملة واحدة: “الحمد لله أديت اللي عليّ”. وهي لا تطلب من الذاكرة الجماعية سوى أمنية بسيطة: أن تُذكر بالخير، ثم تختم بجملة من فلسفتها المهنية تصلح أن تكون وصية فنية: “اهتموا بالأداء أكثر من أي شي، لأن المتابع يريد الصدق أكثر من غير شيء”.
أما بيسان الشواك، فبمجرد وصولها إلى الموقع تبدأ بمراجعة نصها وجدول المشاهد قبل أي شيء، وبحكم كونها طالبة جامعية اعتادت المراجعة، إذ ترى فيهما مفتاح التركيز لأنهما يذللان صعاب الاختبار ويقودان إلى التفوق.
بعد ذلك تنتقل إلى الملابس فالمكياج وضحكات سريعة مع الزملاء كي تلين رهبة البداية، لكنها تعترف: “اللحظة الأصعب هي التي تسبق كلمة “أكشن”، يبلش التوتر في معدتي وأحاول أستدعي الحوار بسرعة حتى أتقمص الشخصية”.

المشاهد الباكية هي التحدي بالنسبة لها لأنها لا تبكي بسهولة، لذلك تُعاد اللقطات مرات كثيرة مع تبديل مستمر للملابس وتسريحات الشعر، وقد يمتد الانتظار من السابعة صباحاً حتى المساء قبل التصوير الفعلي، ومع ذلك ترى في هذا العناء جمالاً خفياً لأن النتيجة تستحق.
تجسد في العمل شخصية محامية قوية بلا عاطفة، على عكس طبيعتها تماماً، ففي الواقع بيسان إنسانة رقيقة ومرحة جداً، وفي هذا التناقض تحديداً تكمن لذة التمثيل بالنسبة لها، إذ تقول: “أفهم الشخصية بكل تفاصيلها مو بس مثل ما هي مكتوبة، لازم أعيشها من الداخل، إنه تكون إنسان ثاني من دون ما تفقد نفسك”.
وهي تشارك بأكثر من عملين دراميين في هذا الموسم، وهي تعرف أن الجمهور يرى النتيجة لا الرحلة، لذلك توضح: “الناس تشوفنا بصورة غير حياتنا الحقيقية لأن حياتنا بيها تفاصيل مختلفة”.
وحين تُسأل: لمن تمثلين؟ لنفسك أم للجمهور؟ تجيب دون تردد: “أمثل لنفسي أولاً وللجمهور ثانياً، فإذا رضيت عن أدائي حسيت أن المشاهد حيرضى هم”.
تؤمن أن رضاها الداخلي هو الميزان الذي تقيس به صدق الأداء. ومثل كثيرين في هذا العالم تدفع ثمن الشغف من وقتها الشخصي ودراستها، ومع ذلك حين ينتهي يوم التصوير تبتسم لنفسها وتقول: “عفية عليج”، جملة صغيرة لكنها تحمل اعترافاً خفياً بالشجاعة.
خلف الكاميرا، نور عبد، وجودها لا يُسمع صوته لكنه يُرى أثره على الشاشة. تبدأ عملها بقراءة النص، لأن الشخصية الدرامية بالنسبة لها، كما تقول، “لا يمكن أن تلبس ثوباً قبل أن تُفهم روحها”، لذا تحرص على إدراك روح الشخصية المكتوبة، ومن ثم تساهم في تجسيدها وبث الروح فيها من النص إلى الشاشة لحظة إكسائها زياً صُمم بعناية وزُيّن بإكسسوارات تعبر عنها اختيرت بدقة جراح.
وتؤكد قائلة: “حتى الخيط الناقص لحظة إذ قد يؤجل مشهداً كاملاً أو يضعف تأثير الشخصية”.

تقول إن أصعب لحظاتها هي الطلبات المفاجئة: “مشهد جديد، ملابس غير جاهزة، وقت يركض”، عندها تنسى الجوع والعطش وتتحول إلى ورشة عمل بشرية. ومع ذلك تعترف بشيء يشبه الاعتراف الشعري: “أحب الكواليس لأنها المكان الذي أشوف فيه ولادة الصور، أحب شغلي بسبب الكواليس لأن أشوف النتيجة قدامي وأشوف الشخصيات تتكون قطعة قطعة من الفوضى المنظمة”.
لم تعبأ نور رغم تلك التحديات، فقد شاركت بأكثر من أربعة أعمال لهذا الموسم، رقم يتعدى كونه إحصائية إلى دلالة على مدى حبها للفن. وتكشف عن فلسفتها الجمالية قائلة: “أحب الكلاسيك والمودرن والتعتيق، وأحب التفاصيل اللي تخلي الشخصية حقيقية”.
أسلوبها يمزج بين الطرز المختلفة، وتجد متعتها في تصميم شخصيات هامشية: متسول، عامل، عابر طريق، وتقول: “نجاحي الحقيقي من يصدك المشاهد أن الثوب عاش حياة قبل أن يطلع على الشاشة”.
ذات يوم انشغلت بالتصوير ساعات طويلة حتى الليل، ثم اكتشفت في النهاية أن والدتها كانت مريضة طوال ذلك الوقت، فتحكي الموقف بحزن هادئ، لكنها لا تعتبره مأساة، بل جزءاً من ضريبة الشغف بالفن. وفي نهاية كل يوم تقول لنفسها: “برافو تحملتِ التعب وأنجزتِ”.
تريد نور من الجمهور أن يفهم أنها ليست مصممة أزياء فقط، بل فنانة متعددة المواهب ترى الفن قيمة عليا لا مجرد وظيفة، وتقدسه.
في ذلك المستشفى، موقع التصوير تحديداً، أدركت أن ما يجمع هؤلاء النساء الفنانات أكبر من الاقتصار على المهنة، إنما إيمان مشترك بأن الدراما مسؤولية ثقافية قبل أن تكون عملاً فنياً، فالمشهد الذي يمر على الشاشة لثوانٍ قد يحمل فكرة أو شعوراً يرافق المشاهد سنوات.
الدراما الرمضانية في العراق موسم صناعة، موسم تتحول فيه مواقع التصوير إلى خلايا نحل بشرية يعمل فيها العشرات كي يظهر العمل متماسكاً كأنه وُلد دفعة واحدة. فحيث تتجاور امرأة تخفي دموعها لتكمل المشهد، وأخرى تقاوم ارتجافها قبل الكاميرا، وثالثة تخيط شخصية بخيط صبر، اللافت أن الدور النسائي في هذه الصناعة لم يعد مقتصراً على التمثيل في أدوار محدودة، بل تعدد وامتد إلى تصميم الأزياء والإدارة الفنية والإشراف والكتابة، حتى صار حضور المرأة جزءاً بنيوياً من شكل الدراما نفسها لا مجرد عنصر فيها.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



