ذي قار- مرتضى الحدود
أمام كومة من الطين والتبن في أهوار الجبايش، تجلس سومة سبتي، امرأة في الخمسينيات، تعجن المواد الخام بأصابع أنهكها الزمن. ملامح وجهها، التي رسمتها سنوات العمل الطويلة، تحمل علامات تعب وجهد، لكنها تعكس أيضًا خبرة تراكمت عبر عقود في صناعة “التنور” الطيني، الذي لم يكن يومًا مجرد أداة خبز، بل شاهداً على حياة الأهوار وتقاليدها.


سومة تعلمت هذه المهنة في صباها لمساعدة أمها وكمصدر رزق، وتبيع التنانير للسكان المحليين من الأهوار والمناطق الريفية الذين يفضلون خبزهم في التنور الطيني، رغم دخول الغاز والكهرباء الذي بدأ يقلل من الطلب تدريجيًا.

تربط سومة عباءتها حول خصرها وتغرس يديها في الكتلة الثقيلة، تدفعها وتقلبها عدة مرات حتى تصبح متماسكة. تبدأ بتشكيل قاعدة قطرها نحو سبعين سنتيمتراً، ثم ترفع الطبقات تدريجيًا لتضيق الفوهة عند الأربعين سنتيمتراً تقريبًا.

كل حركة من يديها تحمل خبرة سنوات، وكل انحناءة تروي تعبًا طويلًا، ومع ذلك تقول بصوت مختلط بالإرهاق والرضا: “هذا عملي الذي أسترزق منه، أجلب منه المال رغم قلته، إذ يبلغ سعر التنور الواحد 15 ألف دينار ويستغرق العمل خمس ساعات، ثم يترك ليجف. هذه القيمة في ظل الظروف الحالية وواقع الشحة المائية تؤثر علينا وعلى أعمالنا”.

توضح أيضًا أن الطين يُجلب من جرف الأهوار والجداول المائية، لكنها تضطر للذهاب لمسافات بعيدة بعد جفاف معظم المناطق: “نجلب الطين من جرف الأهوار والجداول المائية، لكن بعدما جفت معظم الأماكن أصبح علينا البحث في مناطق بعيدة للحصول على طين صالح حتى نتمكن من الاستمرار في هذا العمل”.
الحفاظ على الهوية الأهوارية لا يقتصر على حماية المياه والبيئة فقط، بل يشمل أيضًا الشواخص التراثية مثل تنور الطين، وفق الناشطة البيئية منار ماجد، التي تقول: “تنور الطين ليس مجرد أداة لصناعة الخبز، بل هو جزء من الهوية الثقافية للأهوار. يعكس علاقة الإنسان بالبيئة ويستخدم مواد طبيعية متوفرة منذ مئات السنين. عندما نحافظ على هذه الصناعات، نحافظ على التاريخ وأسلوب الحياة”.

وتضيف أن اندثار هذه المظاهر التراثية يمثل خسارة كبيرة للمنطقة: “مع التغيرات البيئية والشحة المائية بدأت الكثير من المهن التراثية تختفي، وهذا يهدد الهوية الأهوارية. الحفاظ على التنور يعزز المجتمع المحلي ويوفر مصدر رزق ويزيد الوعي الثقافي والبيئي”.

أما أم حسين، فتجلس قرب تنور نصف مكتمل، تراقب عملها بحنان ثم تقول: “تعلمت هذه المهنة من أمي، مثلما تعلمتها هي من أمها. كنا نصغي ونساعد في جمع التبن وجلب الطين. لم يكن هذا العمل مجرد مهنة، بل جزء من حياتنا اليومية، مثل الماء والخبز والنار”.

وتشير إلى التغيرات في حياتهم اليومية: “اليوم تغير كل شيء، الأهوار لم تعد كما كانت والماء قل والطين الجيد أصبح نادراً. نحن كبار في العمر، لكن هذا العمل هو ما نعرفه ونعيش منه”.
وتضيف عن الأجيال الجديدة: “الجيل الجديد تغير.. النساء يفضلن استخدام تنانير الغاز والكهرباء، لكن ما زال هناك من يريده لأن خبز التنور له طعم مختلف، فيه رائحة الهور، وفيه تعب أيدينا وذكريات عمر كامل. أغلب الزبائن من الأرياف في الجبايش وقضاء المدينة في البصرة، فهم أقرب لنا مسافة”.

الأهوار العراقية تواجه واحدة من أخطر الأزمات البيئية في تاريخها، كما يوضح رئيس منظمة طبيعة العراق جاسم الأسدي: “بعد إدراج الأهوار على لائحة التراث العالمي عام 2016، تشهد اليوم تراجع المنسوب المائي، ما يؤدي إلى كارثة إنسانية وبيئية متفاقمة. السكان المحليون بدأوا يفقدون نمط حياتهم الذي يمتد لآلاف السنين ويعتمد على الماء والقصب والأسماك كمصدر للهوية والعيش”.

وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الأهوار فقدت نحو 90% من مساحتها منذ سبعينيات القرن الماضي، ما أثر على توفر الطين لصناعة التنانير والمهارات التراثية المرتبطة به. هذا التراجع يهدد استمرار المهن التقليدية ويضعف صلة الأجيال الجديدة بالهوية الثقافية للأهوار.

قد تختفي التنانير الطينية تحت ضغط الحداثة والجفاف، لكن ما تصنعه سومة وأم حسين اليوم ليس مجرد تنور، بل شاهد حي على زمن كانت فيه الأهوار تنبض بالحياة، وكانت النساء يحفظن هوية المكان بأيديهن قطعة طين بعد أخرى.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



