مصطفى جمال مراد- بغداد
في أحد أزقة بغداد، كانت طفلة تراقب جيرانها الصغار وهم يطاردون الريح على دراجاتهم، وعيونها تلمع بالشغف والفضول. خجلها لم يمنعها بل كان دافعًا لتعلم “سر التوازن” من والدها، الذي صار معلمها الأول وداعمها لكسر قيود التردد. ومع مرور الوقت، نما شغفها، حتى تحولت الدراجة من مجرد لعبة طفولية إلى وسيلة يومية للتنقل والمقاومة وسط زحام العاصمة.
آية مصطفى، شابة تبلغ من العمر 21 عامًا وطالبة في المرحلة الرابعة بجامعة بغداد، تعتمد الدراجة الهوائية لقطع حوالي 14 كيلومترًا يوميًا ذهابًا وإيابًا بين بيتها والجامعة. بين السيارات المتوقفة والزحام، تنزلق آية بدراجتها مستغلة أي فجوة في الطريق لتصل قبل الجميع، ما مكّنها من اختصار وقت الرحلة إلى نحو 20 دقيقة.
“بالنسبة لي، الدراجة ليست مجرد وسيلة نقل، بل أداة لتحسين الحالة النفسية واللياقة البدنية، ووسيلة للحد من تأثير السيارات على البيئة” تقول آية.
تضع آية سماعات الأذن أثناء جولتها، لتستمع إلى الموسيقى وهي تتنقل بين الشوارع، مع الانتباه للطريق وسط صخب الشارع، وتقول: “ركوب الدراجة يؤثر كثيرًا على مزاجي، ويحافظ على لياقتي وينشط الدورة الدموية”.
مع ذلك، طريق آية ليس مفروشًا بالورود. “السيارات غير متعاونة، المطبات كثيرة، والمسارات المخصصة للدراجات محدودة جدًا”. آية تقول. وتتابع: “أشعر أحيانًا أن الدراجة لا يُحسب لها حساب من قبل بعض السائقين الذين يقودون بسرعة أو في الاتجاه المعاكس، وإذا صعدت الرصيف يراني البعض عبء على المشاة”. رغم هذه التحديات، تقول آية إن الدعم من الشرطة وبعض المارة يمنحها دفعة معنوية كبيرة، ويعزز ثقتها بنفسها.
لكن القلق الأكبر لآية يأتي من الهواء الملوث الذي يحيط بها في شوارع بغداد. رئيس مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، يحذر من أن زيادة الجهد البدني أثناء ركوب الدراجة يؤدي إلى استنشاق كميات أكبر من الهواء الملوث مقارنة بالركاب داخل السيارات. ويضيف أن تركز الأنشطة الصناعية في العاصمة – بما في ذلك معامل الطابوق، الأسفلت، الصناعات البلاستيكية، ومصافي النفط – يزيد من ملوثات الهواء ويؤثر على جودة الحياة.
تشير إحصاءات IQAir إلى أن مستويات الجسيمات الدقيقة PM2.5 في بغداد بلغت 39.6 ميكروغرام/م³ عام 2019، وارتفعت إلى 49.7 في 2021، ثم قفزت إلى 86.7 في 2022 قبل أن تنخفض إلى 45.8 في 2023 و40.5 في 2024، أي ما زالت جميعها أعلى بكثير من الحد السنوي الذي حددته منظمة الصحة العالمية عند 5 ميكروغرام/م³. هذه الجسيمات الدقيقة قادرة على الدخول إلى الرئتين والدورة الدموية، مسببة آثارًا صحية طويلة المدى.
طبيبة النساء والتوليد هدى محايل تقول: “الملوثات تزيد الالتهابات المزمنة، وتضعف الجهاز التنفسي، وقد تؤثر على عمل الهرمونات والخصوبة والدورة الشهرية، كما تسبب صداعًا وتعبًا وضيق تنفس”. وتشير إلى أن الكمامات توفر حماية محدودة جدًا، وأن اختيار طرق تحتوي على أشجار ومساحات خضراء يخفف من التعرض.
بالرغم من توسعة الطرقات وإضافة ممرات جديدة، لا تزال بغداد تفتقر إلى شبكة واسعة من المسارات المخصصة للدراجات. معظم الطرق صممت لاستيعاب السيارات فقط، ما يجعل دمج الدراجات الهوائية تحديًا كبيرًا. بعض المسارات المخصصة في المناطق الترفيهية وحدائق عامة مثل كورنيش الأعظمية وكورنيش أبو نواس، تمثل بداية ضمن رؤية أمين بغداد لتشجيع هذه الرياضة.
وفق تصريح المتحدث باسم أمانه بغداد عدي الجنديل، تصميم الطرق القديمة كان لاستيعاب نحو 400 ألف سيارة، ومع توسعة الطرق لا يمكن حاليًا تخصيص مسارات للدراجات بسبب الازدحام الكبير، بينما تهدف الخطط المستقبلية إلى مزيد من التكامل بين النقل العام والدراجات.
إحصاءات وزارة التخطيط أظهرت أن عدد السيارات الخاصة في البلاد بلغ نحو 8.4 مليون سيارة بنهاية 2024، مع تجاوز العاصمة بغداد لمليوني سيارة، ما يمثل نحو 25% من إجمالي السيارات، ما يوضح حجم الضغط المروري الكبير على الطرق.
تجربة آية اليومية لم تكن مجرد تنقل، بل مدرسة في الاستقلالية والوعي البيئي. انتشار قصتها على مواقع التواصل الاجتماعي أثار اهتمام فتيات أخريات لتجربة ركوب الدراجة وممارسة الرياضة، ما يعكس التأثير الاجتماعي لهذه المبادرة الفردية على المجتمع.
آية تعتبر الدراجة أكثر من وسيلة نقل، إنها تجربة مرتبطة بالحرية والاستقلالية، تمنحها القدرة على التحرك بثقة في شوارع بغداد المزدحمة، وتشجع الآخرين على تجربة حياة أكثر نشاطًا واستدامة، وكسر بعض الحواجز الاجتماعية التقليدية المرتبطة بالنساء في الشارع.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.




