قصص من الشارع

المعلمات في المدارس الأهلية.. أجور زهيدة وجهود بلا تقدير

25/03/2026

بغداد – مصطفى جمال مراد

في تمام الساعة السابعة صباحاً، وقبل أن تستفيق شوارع بغداد بالكامل، تتجول أربع نساء في مناطق متفرقة من العاصمة، متجهات نحو أبواب حديدية مزخرفة لمدارس أهلية، تتلألأ لافتاتها بوعود مثل “التربية النموذجية” و”المستقبل المضمون”.

وراء هذه الواجهات الملونة، حيث تُدفع ملايين الدنانير كأقساط دراسية، تكافح المعلمات من أجل أحلامهن التربوية، بينما يتحول العمل إلى دوامة من الاستنزاف المادي والمعنوي. فالشهادة الجامعية التي سهرن لأجلها تصبح مجرد بطاقة دخول لمصانع تعليمية تتحكم فيها المصالح المالية بعيداً عن الحلم التربوي.

شغف دون استغلال

في منطقة البياع، وتحديداً في إحدى المدارس الأهلية، تقف “هدى عماد” البالغة 23 عاماً، خريجة جامعة الفراهيدي قسم تربية إنكليزي، أمام طلاب المرحلة الابتدائية ممسكة بأقلامها الملونة لتعليمهم أحرف اللغة الإنجليزية وأسُسها.

التحقت هدى بمدرسة أهلية صغيرة في منطقتها لاكتساب الخبرة، إذ تشترط معظم المدارس الكبيرة أن تكون لدى المعلمات خبرة من ثلاث إلى خمس سنوات. تقول “كنت أتساءل من أين سأجلب هذه الخبرة، لم يكن أمامي أي خيار سوى العمل هنا”.

وتضيف “بدأت بتدريس أولاد أقاربي في المنزل من دون مقابل عندما كنت طالبة قبل أن أتخرج، ثم توسع الأمر ليأتي إلي طلاب من خارج محيط منزلنا، وكانوا يحققون معدلات عالية، وهذا ما جعلني أحب التدريس أكثر”.

كان دوامها من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الواحدة والنصف ظهراً، لكن كل ضغط الإدارة والجهد الكبير لم يُقابل بأجر يعكس ذلك، فالراتب الشهري لا يتجاوز 250 ألف دينار عراقي، كونها خريجة جديدة، بينما تحصل المدرسات الأكثر خبرة على 350 ألف دينار، وهو السقف الأعلى بعد ثلاث سنوات من التدريس أو أكثر، ولا يزيد بعدها أبداً.

تقول هدى “رغم أن القسط السنوي للطالب الواحد يبلغ مليوناً و200 ألف دينار عراقي، إلا أننا المدرسات نتقاضى أقل بكثير، وكأن عملنا لا قيمة له”.

وشهد العراق خلال العقدين الأخيرين توسعاً ملحوظاً في قطاع التعليم الأهلي، بعد أن عجزت المدارس الحكومية عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب. تلجأ الأسر لدفع أقساط عالية مقابل تسجيل أبنائهم في المدارس الأهلية التي تعد بالتميز الأكاديمي والبرامج التربوية المبتكرة. ومع ذلك، فإن هذه المدارس، رغم وعودها، تواجه تحديات كبيرة في توفير بيئة تعليمية مستقرة للمعلمات

مدرسة هدى مثلاً تكون من خمسة صفوف في الطابق الأسفل وأربعة في الأعلى، وفي كل صف نحو 25 طالباً، وكانت هدى تُكلف بسد غياب زميلاتها بحيث يصل عدد الدروس التي تعطيها يومياً إلى ستة أو سبعة، وتضيف “كنت أتعرض للضغط من صباح حتى نهاية الدوام، ولم تكن المدرسة منظمة، وكان على المدرسات أن يقمن بأعمال متعددة، كأنه عمل خمس أشخاص في آن واحد، وليس مجرد التدريس، وكانت أسوأ ثلاثة أشهر في حياتي”.

كانت هدى تواجه تحديات إضافية مع الطلاب المصابين بالتوحد، “لم تكن المدرسة مناسبة لهم أو للتعامل معهم، ولم تُصمم البرامج التعليمية لتلائمهم، ومع ذلك كانت الإدارة تقبلهم وتنجحهم، وحتى الكثير من طلاب الصف الخامس والسادس الابتدائي الأصحاء كانوا ينجحون رغم أنهم لا يعرفون أساسيات بعض المواد”.

بعد تجربة المدرسة الأولى، لم تعد هدى راغبة بالعودة إلى المدارس الشعبية، فاتجهت إلى مدارس في مناطق مثل الجادرية، ظناً منها أنها ستجد فرصة أفضل، حيث قيل إن الراتب سيصل إلى 500 ألف دينار، لكنها اكتشفت أن العمل هناك أيضاً مرهق ومستنزف للطاقة.

تقول “لقد تركت التدريس الآن، لأن المهنة تستنزف كل طاقة الإنسان، وحتى الإجازات المرضية لم تكن موجودة إذ كان يتم خصم الغياب من الراتب مهما كانت الظروف الصحية، وحتى عطلة السبت أُلغي لتصبح العطلة فقط يوم الجمعة، وكنت أضطر يوم السبت للاستيقاظ باكراً لتصوير المحاضرات وإرسالها إلكترونياً إلى الطلاب”.

ضغط الإدارة والرواتب غير العادلة

يرجع ارتفاع الإقبال على التعليم الأهلي في العراق جزئياً إلى الاكتظاظ ونقص الخدمات في المدارس الحكومية، ما جعل التعليم الأهلي خياراً بديلاً للعديد من الأسر، خاصة في المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة.

ويبلغ عدد المدارس الأهلية في البلاد أكثر من 3500 مدرسة تعمل في مختلف المراحل الدراسية عام 2024، وفق إحصاءات رسمية لوزارة التربية العراقية، تستوعب أعداداً متزايدة من الطلاب مقارنة بالسنوات السابقة. كما يعتمد هذا القطاع على أقساط مرتفعة تُعد عبئاً مالياً على كثير من الأسر العراقية، رغم ادعاءات بعض هذه المدارس بتقديم مناهج حديثة وبيئة تعليمية متطورة.

في أجواء مشابهة لتجربة المعلمة هدى، واجهت بلسم الجبوري البالغة 26 عاماً من حي جامعة، تحديات أكبر، حيث أضافت الإدارة بعداً آخر من الضغط والإجحاف، لتتضح الصورة الصعبة التي تعيشها المعلمات بين أحلامهن المهنية ومتطلبات الإدارة المستمرة.

بلسم خريجة كلية التربية ابن الهيثم قسم العلوم الصرفة عام 2021 تخصصت في علوم الحياة لتعمل كمدرسة أحياء قبل دخولها عالم التدريس، وكانت ترى المهنة ذات مكانة وراتب محترم، لكن الواقع قلب الصورة رأساً على عقب، واكتشفت أن المعلم لا قيمة له في نظر الإدارة. تقول “عند وقوع أي مشكلة، حتى لو كانت المعلمات على حق، كانت الإدارة لا تلتفت إلى مضمون شكواهن، وبدلا من هذا، كانت تطلب منهن أن يكنّ أكثر حذراً في المرّات المقبلة، وذلك فقط لكي لا تخسر المدرسة عملاءها”

وقعت بلسم عقد عمل لمدة سنة براتب 350 ألف دينار شهرياً، مع زيادة محتملة 25 ألف دينار كل سنة، ويتضمن العقد شرطاً جزائياً ينص على دفع غرامة أربعة ملايين ونصف في حال الاستقالة قبل انتهاء مدة العقد الكامل. “لم أكن أظن أن العقود والرواتب في المدارس الأهلية ستكون بهذا الشكل، كنت أعتقد أنها أفضل من ذلك، لكني اكتشفت أن معظم رواتب زميلاتي في مدارس أخرى كانت 250 ألف دينار وبعضهن أقل”.

قرب منزل بلسم من مقر المدرسة شكل لها مشقة إضافية، إذ أُلزمت هي والمدرسات القريبات بالحضور قبل وصول الطلاب واستقبالهم من أسرهم، بينما من كان بيتها بعيداً، كان عليها الانتظار حتى نهاية الدوام لتسليم آخر طالب. تقول “بلسم”: “كان عليّ استقبال الطلاب من الأسر صباحاً بينما المعلمات اللواتي كانت بيوتهن بعيدة كنّ يُجبرن على البقاء حتى خروج آخر طفل، إذ لم يكن هناك حارس لأداء هذه المهمة”.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فكان يُطلب من جميع المعلمات تسليم هواتفهن الشخصية واستلامها بعد الخروج كل يوم.

وكانت بلسم تُدرّس الصفين الأول والثاني الابتدائي، بمجموع ثلاث صفوف لكل مرحلة، وكل صف يضم نحو 20 إلى 23 طالباً، بينما تتوزع بقية الصفوف الابتدائية على باقي المعلمين، رغم أن قسط الطالب السنوي يبلغ ثلاثة ملايين دينار وعدد المعلمين حوالي 20 فقط، ما يعد تفاوتاً واضحاً مقارنة برواتبهن.

وتضيف: “في إحدى المرات، سقط أحد الطلاب أثناء اللعب وتعرض لإصابة، عاقبتنا المديرة جميعاً وأغلقت غرفة المعلمين وأخذت كل الكراسي من الصفوف لتظل المعلمات واقفات طوال اليوم، وكان يومنا يبدأ بصراخ المديرة وينتهي به”.

تجارب متعددة وحياة مزدوجة

لم تشعر “بلسم” وحدها بالضغط المستمر، إذ كانت “نور العبيدي” تواجه تحديات مماثلة، لكن بأسلوب أكثر استغلالاً مالياً. خريجة جامعة الفارابي لعام 2023-2024 من جنوب مدينة المدائن، تخصصت في التربية الإنجليزية، لم تعلم أن شهادتها الجامعية ستكون تذكرة لدوامة من الاستغلال المادي والمعنوي. في عامها الأول، لم تجد الاستقرار إلا بعد التنقل بين ثلاث مدارس أهلية، لتستقر حالياً في المدرسة الرابعة، موثقةً واقعاً مريراً بين مطرقة الحاجة وسندان الجشع الإداري.

بدأت “نور” العمل لمدة 15 يوماً مجاناً كفترة تجريبية، دون أجر، مضطرة لتدريس مواد خارج اختصاصها، وتقول “لكي يتم قبولي في العمل، كان عليّ قبول تدريس مواد الرياضيات والكيمياء والفنية والعلوم، وإذا رفضت لن يتم توظيفي”.

درّست نور اللغة الإنجليزية للصف الأول الابتدائي، والرياضيات والكيمياء للأول المتوسط، والفنية لجميع الصفوف، وتضيف “أقوم بتدريس ستة دروس يومياً، وأطالب بسد الشواغر، وأحاسب من قبل الإدارة على خطة العلوم والفنية رغم أنها ليست من اختصاصي، وعندما حاولت الاعتراض كان الجواب حاسماً: إما القبول بتدريس هذه المواد أو رفض التوظيف تماماً”.

تقدم نور 30 حصة أسبوعياً بنظام (درس وراء درس) من دون أي وقت للراحة، مقابل راتب 250 ألف دينار، رغم أن قسط الطالب يبلغ مليوناً و250 ألف دينار. وتقول “القسط يزداد تكلفته للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ولكن يظل راتب المعلمة ثابتاً عند 250 ألف دينار”.

أمام كل هذا الاستغلال، اضطرت نور لعيش حياة مزدوجة، فهي تخرج من المدرسة عند الثانية ظهراً لتعمل في محل “كوزمتك” من الرابعة عصراً حتى التاسعة مساءً، مكتسبة 400 ألف دينار، بينما لا يتجاوز راتبها في المدرسة 250 ألف دينار، وهي تعتمد على عملها المزدوج لتغطية نفقاتها الشخصية ومساعدة شقيقاتها اللواتي يدرسن في الجامعات.

تروي نور أنها واجهت مواقف صعبة في مدارسها السابقة، من بينها طالب يحمل أداة جارحة داخل الصف، أو تدخل الإدارة لتعديل درجات الطلاب. وتقول “شعرت أن وظيفتي تحولت من تعليم الطالب وتفهيمه للدرس إلى مجرد شرح المادة، سواء فهم الطالب أم لم يفهم”.

تجربة مستقرة

بعد تجربة طويلة مليئة بالضغط والاستغلال، استقرت أخيراً غدير علي، 23 عاماً، من منطقة البلديات وخريجة جامعة بغداد 2025 بتخصص اللغة العربية، في مدرسة أهلية توفر لها بيئة عمل دون أي ضغوط مالية، من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً.

تتقاضى غدير راتباً شهرياً قدره 300 ألف دينار يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية، بينما يساعدها أهلها عند الحاجة، وتقول “الدوام منظم، والإدارة متعاونة، وهذا يمنحني شعوراً بالراحة أثناء العمل”.

تدرس غدير الصفوف الابتدائية والمتوسطة، وتصف علاقتها بالطلاب بأنها قوية وإيجابية، ما يجعل التدريس متعة حقيقية وليست مجرد وظيفة، ويشمل عقد العمل الالتزام بالزي الرسمي وشرطاً جزائياً لمن يترك العمل فجأة.

وتضيف “على الرغم من أن الراتب قليل، إلا أنني أعمل لنفسي ولأكتسب الخبرة، وهذا أهم من المال”. وتختتم غدير حديثها بابتسامة: “أحب عملي، وأستمتع بكل لحظة أقضيها مع الطلاب، هذا ما يجعل كل جهد يستحق العناء”.

أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali