قصص من الشارع

من ذاكرة الاحتلال.. حين صار البقاء مغامرة يومية في جنوب العراق

01/04/2026

مرتضى الحدود – ذي قار

صباح الأول من نيسان عام 2003 لم يكن مجرّد ذكرى تمرّ مرور الكرام في ذهن سالم عزوز، الشاب الذي يقطن قرية الشوفة على أطراف مدينة الناصرية، حيث تقدّمت القوات الأميركية من البصرة باتجاه بغداد لإسقاط النظام، بل تحوّلت أحداثه إلى نقشٍ محفورٍ، يذكره كلما مرّ الزمن وكأنّه يحدث اليوم.

كانت قرية “الشوفة” الزراعية، الواقعة عند المدخل الشمالي لمدينة الناصرية على الطريق السريع جنوب بغداد، على واحدٍ من المسارات البرية التي عبرتها القوات الأميركية وهي تتقدم شمالاً، وهو ما جعلها في قلب حركة الحرب لا على هامشها. ولم تكن الناصرية مدينة عابرة في مسار الغزو الأميركي عام 2003، إذ شهدت واحدةً من أبرز المواجهات المبكرة خلال التقدم نحو بغداد، فيما تحولت الطرق والجسور والقرى المحيطة بها إلى مساحات مفتوحة للاشتباك.

يتذكر عزوز لحظة اختراق السماء بصوت طائرة الأباتشي الأميركية، وهي تطلق صواريخها على قريتهم. يقول إن القصف جاء بعد إطلاق نارٍ من أحد السكان على الطائرة ببندقية كلاشنكوف، قبل أن تردَّ سريعاً وبقسوة، فتصاعدت النيران واللهب وابتلع الحريق مضيف أحد منازل القرية المصنوع من القصب، ليتحول في لحظاتٍ إلى رماد.

لم يكن أمام سالم وعائلته والأهالي الآخرين من سكان القرية إلَّا الهرب، فركضوا مثقلين بالخوف نحو منطقةٍ زراعية تبعد عن مساكنهم نحو كيلومترين، تاركين وراءهم ناراً تلتهم البيوت والذكريات والطمأنينة.

اليوم، وبعد مرور 23 عاماً، غطى الشيب جزءاً من رأس عزوز بعد تجاوزه الأربعين، لكن السنوات لم تمحُ صور ذلك اليوم، إذ لا تزال تلك اللحظات تطارده. يقول بصوتٍ مثقل: “كلما تمر هذه الأيام أشعر وكأن شريط الذاكرة يُعاد من جديد.. نفس الأصوات نفس النار ونفس الخوف”.

كان عزوز يتحدث بصوتٍ هادئ، لكن كلماته كانت محمَّلةً بذاكرةٍ لا تهدأ. يعود بحديثه إلى تلك الأيام حين كان شاباً في الثامنة عشرة من عمره، لا يعرف من الدنيا سوى بساطة الحياة، قبل أن تقلبها الحرب رأساً على عقب. يستذكر تلك اللحظات خلال حديثه للمنصة حين هربوا نحو المجهول بحثاً عن مكانٍ آمن.

“كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف ظهرا حين عمّ الذعر فجأة، فلم يكن هناك وقت للتفكير بل تجمعنا انا وإخوتي ووالدي وفككنا حبال المواشي التي نملكها خوفا من احتمالية استهداف القرية وبالتالي يذهب ما نعتمد عليه في رزقنا سدا ثم اتجهنا مع مواشينا نحو منطقة تُعرف بـ “أم خنزير” ومعنا نحو 250 عائلة من سكان القرية”، ثم يضيف أن الهرب لم يترك لهم فرصةً للتفكير بما يمكن حمله، “لم يكن أحد يعرف ماذا يأخذ معه لا طعام، لا ماء فقط الأطفال والمستمسكات اذا كنا خائفين من عودة الطائرات وقصف القرية مجددا”.

لكن طريق النجاة لم يكن سالكاً كما ظنوا. فبعدما ابتعدوا عن قريتهم، واجهتهم عقبة لم تكن في الحسبان: خندق مائي جاف مبطن بالكونكريت، لا يمكن عبوره إلا عبر جسرٍ صغير صنعه الأهالي قبل الحرب. وما إن عبرت عليه المواشي مذعورة حتى سقطت إلى الأسفل، ولم يكن هناك طريقٌ لإخراجها ولا منحدرٌ يساعدها على الصعود، فوقفوا عاجزين، ولم يجدوا مخرجاً سوى السير داخل الخندق نفسه.

مع حلول الليل، استسلمت العائلات للإنهاك وجلست في العراء بلا طعامٍ ولا ماء، يروي عزوز، ويتابع: “لم يغمض لنا جفن في تلك الليلة.. كان الناس يقتاتون على القلق وفجأة ظهرت الطائرة في السماء من جديد وكانت تحوم فوقنا ببطء، كأنها تراقبنا ثم اختفت كما جاءت”. ومع بزوغ الصباح حاول والده أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، فقرر البحث عن ماءٍ للمواشي، وتوجه بهم نحو نهرٍ قريب، وبينما كانوا يقتربون ظهرت طائرة هليكوبتر تحوم فوقهم، فتوقفوا للحظةٍ وتجمدت أنفاسهم، ثم واصلوا السير وكأنهم يراهنون على النجاة. وبالفعل شربوا الماء مع مواشيهم من النهر ذاته قبل أن يعودوا إلى العراء مجدداً.

بعد حوالي الساعتين، ناقش أهل القرية فكرة العودة إلى منازلهم بعد 26 ساعة من الغياب، شجعهم على ذلك اختفاء أصوات الطيران. لكن حين عادوا أدراجهم قرابة الساعة الرابعة عصراً من اليوم التالي، فوجئوا بالمشهد.

يقول سالم إنه لن ينسى ما رآه عند العودة، فآثار جنازير الدبابات كانت محفورةً في الأرض قرب البيوت، فيما تركت العجلات العسكرية بصمتها في كل مكان، كما تم استهداف خزان وقود تابع لثكنةٍ عسكرية عراقية قريبة من منطقتهم كانت قد انسحبت قبل وصول القوات الأميركية، ولا تزال آثاره واضحة. لكن المفارقة التي بقيت عالقةً في ذهنه أنه فوجئ عند دخوله المنزل بعودة التيار الكهربائي بعد انقطاعٍ دام أياماً، وكأن الحياة كانت تحاول أن تستأنف نفسها وسط الخراب.

يروي سالم جانباً آخر مما عايشه، مستذكراً أثر ذلك الصاروخ الذي استهدف قريته فأصاب مضيفاً قصبياً، إذ لم يخلِّف دماراً مباشراً فقط، بل تناثرت منه شظايا معدنية صغيرة أشبه بالمسامير، مزودة بزعانف حادة، يقول إنها إذا اخترقت جسد الإنسان تجعل انتزاعها أمراً بالغ الصعوبة. زرع هذا المشهد في نفسه خوفاً عميقاً، إذ أدرك أن الأسلحة المستخدمة لم تكن عادية، بل ذات أثرٍ تدميري كبير يضاعف حجم الخطر والمعاناة. وبالنسبة إلى كثيرين ممن عاشوا تلك الأيام، لا تُستعاد الحرب بوصفها تواريخ عسكرية أو خرائط معارك، بل على هيئة أصواتٍ وصورٍ عالقة: هدير طائرة، نارٍ تشتعل في مضيف، أو طريقٍ ترابي صار حداً فاصلاً بين النجاة والهلاك.

أما أبو أنور، الذي كان يعمل جندياً في إحدى الوحدات العسكرية المتمركزة في بغداد، فيسترجع شريطاً طويلاً من الخوف والترقب، لا مجرد ذكرى عابرة. فقد عاد إلى القرية هارباً من الجيش في الأيام الأولى لدخول القوات الأميركية إلى البصرة، وقبل دخولها إلى الناصرية بأربعة أيام فقط.

يقول للمنصة إنه منذ لحظة عودته لم يكن هناك هدوءٌ حقيقي، بل كان يراقب ما يجري من بعيد عبر سطح المنزل، مردفاً: “كانت السماء تتكفل بإيصال كل شيء إلينا.. أعمدة الدخان كانت ترتفع بلا انقطاع من قاعدة الإمام علي الجوية التابعة للجيش العراقي والتي تبعد قرابة 20 كيلو متر غرب مدينة الناصرية ومن مراكز التدريب العسكري القريبة منها، ومن مواقع أخرى وكأن هذه المواقع تحترق ببطء أمام اعيننا”. وتقع قاعدة الإمام علي الجوية، المعروفة أيضاً بقاعدة تلّيل، إلى الغرب من الناصرية، وكانت من أبرز المنشآت العسكرية في جنوب العراق، وتعرضت خلال الحرب إلى ضرباتٍ مكثفة قبل أن تقع لاحقاً تحت سيطرة قوات التحالف.

مع تقدم القوات نحو الناصرية وعبورها القرية بعد حادث إحراق المضيف، تركت القوات المتجهة شمالاً نقطة تفتيش عند المدخل الشمالي للمدينة، ليتحول ذلك المدخل إلى مصدر خطرٍ يومي على سكان القرى المجاورة، ويبدأ اختبارٌ جديد: كيف يحصل الناس على الطعام؟

يستذكر أبو أنور تلك الأيام قائلاً إن “الوصول إلى مركز المدينة صار مخاطرة حقيقية.. كانت هناك نقطة تفتيش امريكية عند مدخل الناصرية، وكل من يحاول الدخول قد لا يعود، وحينما حاول بعض الرجال دخول المدينة بسيارة مدنية أُطلقت نقطة التفتيش الأميركية عليهم النار وقتلتهم جميعاً، كانت تلك الحادثة كفيلة بأن تزرع الرعب في قلوب الجميع”.

منذ تلك اللحظة، لم يعد الخوف مرتبطاً بالقصف والطائرات وحدها، بل تسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية نفسها: كيف يصل الناس إلى السوق؟ كيف يؤمنون الطعام؟ وكيف يعودون إلى بيوتهم من دون أن تتحول الرحلة إلى مغامرةٍ قد لا تنتهي. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الطريق المباشر إلى سوق الناصرية خياراً ممكناً، بل صار سكان القرية يبحثون عن طرقٍ ترابية بعيدة عن الشارع الرئيسي، طرقٍ طويلة ومرهقة تقودهم نحو قضاء الغراف شمال الناصرية، متخفين بين البساتين، سيراً على الأقدام، في رحلةٍ تستغرق أربع ساعات ذهاباً ومثلها إياباً من أجل شراء بعض الخضروات.

يقول أبو أنور: “كان السكان يعودون محمّلين بما يكفي لأسبوع كامل، ليس لأنهم يريدون بل لأن الطريق نفسه لا يُحتمل تكراره كل يوم، وفي كل رحلة كان الخوف رفيقنا الدائم.. خوفٌ من طائرة أو نقطة تفتيش أو رصاصة طائشة قد تنهي كل شيء”.

لم يكن أبو مخلد بعيداً عن قصص سالم وأبو أنور، بل كان يعيش فصلاً آخر من الحكاية نفسها على مقربةٍ من الطريق السريع الذي كان السكان يطلقون عليه “سريع بغداد”، ويعرفونه اليوم باسم “السريع القديم”. ذلك الطريق نفسه كانت تسلكه القوات الأميركية في طريقها من البصرة جنوباً، بعدما احتلتها وتركت وراءها القوات البريطانية لتدير المدينة، متجهةً نحو الناصرية ثم بغداد.

من هناك كان أبو مخلد يراقب كل شيء، فالأخبار التي تبثها إذاعة “راديو سوا” عبر المذياع لم تكن تفارقه، وكان يتابعها لحظةً بلحظة كمن ينتظر مصيراً لا يعرف كيف سيكون. كان يرى تقدم القوات الأميركية ويسمع عن اقترابها، حتى جاء ذلك اليوم الذي توقفت فيه عند أطراف الناصرية. ولم يكن التوقف، كما يروي، عسكرياً بقدر ما كان نتيجة عاصفةٍ ترابية استمرت قرابة يومين، لكن اليومين كانا كافيين لزرع قلقٍ عميق في داخله.

يقول أبو مخلد: “لم أكن أخاف من القصف هذه المرة بل من فكرة أخرى: ماذا لو تراجعت القوات؟ ماذا لو غيّرت رأيها وعادت من حيث جاءت؟”. كان هذا الاحتمال يثقل صدره، فالرجل يصف نفسه بأنه كان من المعارضين للنظام آنذاك، وعاش سنوات طويلة منتظراً حدوث تغيّر ما. حين هدأت العاصفة وتحسن الطقس، عادت الحركة من جديد، وشاهد أبو مخلد القوات وهي تستأنف طريقها مبتعدةً تدريجياً نحو الشمال، وفي تلك اللحظة، يعترف أبو مخلد، “شعرتُ بشيءٍ من الارتياح”.

“ليس فرحاً ولا ترحيباً بالاحتلال” يستدرك أبو مخلد، موضحاً أنه لم يكن سعيداً بدخول قواتٍ أجنبية إلى بلده واحتلال مدينته، لكنه في قرارة نفسه لم يكن يرى خياراً آخر، إذ كان يعتقد أن هذه القوة، رغم كل ما تحمله، هي الأقدر على إسقاط النظام الذي طالما خافه. كانت مشاعره متناقضة، بين الخوف والأمل، بين الرفض والقبول، وكان مثل كثيرين غيره، يعيش تلك اللحظات على أنها مفترق طرقٍ لا رجعة فيه.

حكايات سالم وأبو أنور وأبو مخلد ليست رواياتٍ منفصلة، بل تتقاطع داخل ذاكرةٍ واحدة: ذاكرة قريةٍ لم تكن تملك موقعاً عسكرياً كبيراً، لكنها وجدت نفسها فجأةً في مسار الحرب، وتحول سكانها من شهودٍ على الغزو إلى ناجين منه. اليوم، وبعد أكثر من عقدين، لم تعد تلك الأحداث مجرد سطور في كتب التاريخ، بل تفاصيل حية تسكن الذاكرة: في صوت طائرة، وطريقٍ ترابي طويل، وخندقٍ علقت فيه المواشي، وعودة كهرباءٍ مفاجئة وسط الخراب.

بالنسبة إلى هؤلاء، لم يكن الاحتلال حدثاً سياسياً وعسكرياً فحسب، بل تجربة عيشٍ أعادت تعريف معنى النجاة. فالحرب، كما يتذكرونها اليوم، لم تكن فقط في سقوط المدن أو تبدل الأنظمة، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي كان على الإنسان فيها أن يقرر سريعاً: هل يهرب؟ ماذا يحمل؟ وأي طريقٍ قد يوصله حياً؟

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali