مجتمع

من ذاكرة الاحتلال.. كيف قُتل 16 شخصاً في العمارة من أجل رغيف خبز

02/04/2026

مهدي الساعدي- العمارة

في الأيام الأولى التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين، اتجه عدد من أبناء مدينة العمارة إلى أحد المواقع العسكرية المهجورة بحثاً عن شيء بسيط: حطبٍ يكفي لإعداد رغيف خبز. بدا الأمر في ذلك الوقت جزءاً من محاولة الناس التكيّف مع الفوضى التي عمّت المدينة، لكن ما كان مخفياً داخل ذلك الموقع حوّل صباح التاسع من نيسان 2003 إلى واحد من أكثر الأيام إيلاماً في ذاكرة المدينة، حين التهمت النيران أجساد العشرات، في حادثٍ ما زال صداه حاضراً حتى اليوم.

تحمل ذاكرة أبناء مدينة العمارة، يوم التاسع من نيسان عام 2003، هاجساً لذكرى موجعة، تعود إلى حادث أليم ومفجع، لقي فيه عدد من أبنائها مصرعهم حرقاً أثناء بحثهم عن الحطب لإعداد الخبز، في أحد المواقع العسكرية التي خلّفها النظام، نتيجة انفجار ذخائر كانت مخزونة دون علمهم بها.

لم يكن عباس يعلم أن القدر قد خبّأ له حدثاً كبيراً في حياته، يوازي حادث سقوط النظام، ليقترن الحادثان في تاريخ واحد، أحدهما مرتبط بوالدته التي كانت دؤوبةً على إعداد الخبز الحار من تنورها الطيني له ولإخوته، حتى في أصعب الظروف.

كان التاسع من نيسان 2003 في مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان، على بُعد 380 كم جنوب شرق العاصمة بغداد، هو اليوم الثاني على اختفاء مظاهر الحكم البعثي، إذ سقطت المدينة بيد أبنائها ليلة السابع من الشهر ذاته، بعد أن هرب منها أركان النظام وجيشه، لتكمل بعدها الأحزاب المعارضة، التي كانت تتخذ من الأهوار والمناطق الحدودية مقراً لها، دخولها إلى المحافظة وأقضيتها، قبل وصول القوات البريطانية بمعية قوات التحالف إليها.

دخول القوات البريطانية إلى محافظة ميسان 2003
دخول القوات البريطانية إلى محافظة ميسان 2003

المقرات التي خلّفتها القوات العسكرية النظامية الهاربة كانت كبيرةً وضخمةً، لأن مناطق المحافظة كانت مسرحاً لعديد من العمليات العسكرية، بدءاً من الحرب العراقية–الإيرانية، كونها محافظة حدودية، وصولاً إلى قمع المعارضين بعد حرب الخليج، وانتهاءً بحملات استهدفت أبناء الأهوار تحت ذرائع مختلفة. وقد تُركت تلك المقرات بأسلحتها جميعاً، بعد أن انسلت ضباط ومراتب جيش النظام هاربةً، ولا تزال صورة قيام العشرات منهم، قبل أيام من السقوط، ببيع أسلحتهم بأثمان بخسة لتأمين أجرة الطريق إلى مدنهم، ماثلةً أمام أعين من شهد تلك اللحظات، وهم يرون النظام يتهاوى يوماً بعد آخر، فيرمون ملابسهم العسكرية ويستبدلونها بملابس مدنية.

أحد تلك المقرات هو موقع العمارة العسكري، الواقع في منتصف المدينة، في منطقة الدبيسات، إحدى أقدم أحيائها، وهو الحي الذي تقطنه أم عباس. و”الموقع” – كما يُعرف دارجاً – هو مقر عسكري قديم تعاقبت عليه الحاميات، من البريطانية وصولاً إلى جيوش الأنظمة العراقية السابقة، ليأخذ تسميته الأشهر خلال سنوات الحرب العراقية–الإيرانية، حين كانت المحافظة تحتضن مقر قيادة الفيلق الرابع.

مدخل الموقع العسكري بعد 23 عاماً
مدخل الموقع العسكري بعد 23 عاماً

عصر يوم الثامن من نيسان، أي بعد ليلة واحدة من سقوط النظام، قادني الفضول لدخول “الموقع”، بعد أن شهد صباحاً كاملاً من نهب (فرهود) السلاح، وإفراغ مخازنه من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة. وعلى الرغم من مروري اليومي سابقاً من أمام بابه، شأن كثير من أبناء المدينة، فإن صورته بقيت راسخةً في ذهني: مدفعان صغيران على جانبي بوابة كبيرة، وجنود يقفون خلف عارضة تمنع مرور العجلات إلا بإذن، وأحياناً يؤدّون تحيةً عسكريةً لمواكب داخلة.

لم يكن هذا الباب الوحيد، بل كان له باب آخر مقابل مرآب نقل المدينة (كراج بغداد)، وبسبب سعة مساحته، لم يكن أحد يتجرأ على دخوله ما لم يكن منتسباً عسكرياً، بفعل الخوف المتراكم الذي زرعته الأنظمة الأمنية والعسكرية في نفوس الناس.

دخلته للمرة الأولى، أتفحص غرفه المكتوب على أبوابها مفردات ذات دلالات عسكرية، تفوح من بعضها رائحة الخشب الرطب، ومن أخرى رائحة الورق المخزون. شغلني التمعن في تفاصيلها عن أصوات إطلاق النار العشوائي القريبة والبعيدة، إذ كان الوضع يشهد فلتاناً حقيقياً، كل من حصل على سلاح أراد تجربته، فتحولت المدينة إلى ميدان مفتوح، تتجه فيه الطلقات نحو السماء.

بعض الغرف كانت محترقةً، فيما احتوت أخرى على صناديق مبعثرة لأدوات صغيرة غريبة الشكل، منتشرة بكثافة على الأرض. كنت أتجنبها بحذر شديد، مدركاً خطورة العبث بقطعة ذخيرة.

كانت الأسلحة الرشاشة الثقيلة المضادة للطائرات، المعروفة بـ”دوشكا”، لا تزال في أماكنها، تتدلى منها أشرطة حديدية محملة بالطلقات. نحمل عنها ذكرى سيئة، إذ نُشرت قرب مدرستنا الابتدائية خلال الحرب مع إيران، وكانت تطلق النار بصوت مرعب لأطفال صغار، مع كل غارة جوية، فلا نجد ملاذاً إلا الاحتماء ببعضنا. أتذكر كيف كنا نصنفها إلى ثنائية ورباعية، ولحسن الحظ أن أحدهم عطّل ما تبقى منها، خشية العبث بها، في موقع بات مستباحاً للجميع، يقودهم الفضول لاكتشاف ما تركه العسكر.

كانت النساء في المدينة، خصوصاً في أحيائها الشعبية، لا يعتمدن على الأفران أو المخابز في إعداد الخبز، بل كان في كل منزل تقريباً تنور من الطين. وقد أسهمت سنوات الحصار، وما سبقها وما تلاها من أزمات، في صقل خبرتهن في التكيف مع أقسى الظروف، بينما كانت الجدات أكثر درايةً بطرق العيش في الأوقات الحرجة.

قوات الاحتلال البريطاني داخل مدينة ميسان 2003
قوات الاحتلال البريطاني داخل مدينة ميسان 2003

الحرب التي شهدتها البلاد، وقساوة الضربات الجوية، لعبتا دوراً فاعلاً في تفاصيل الحياة اليومية، ما دفع الناس، والنساء خصوصاً، إلى جمع كل ما يمكن أن يُستخدم وقوداً لإدامة اشتعال التنور، ومنه الخشب. وكانت صناديق العتاد الخشبية الملقاة في الموقع الشاسع بمثابة غنيمة سهلة للباحثين عن الحطب.

كان الخشب وفيراً ومتاحاً، ولم يكن يمنع جمعه سوى اضطراب الوضع الأمني، حتى جاء صباح التاسع من نيسان، حين توجه بعض الأهالي إلى أحد المخازن التي تضم صناديق خشبية، تحتوي على أكياس صغيرة بداخلها مادة تشبه العجينة البيضاء، وفق ما رواه شهود عيان.

تصنّف هذه المواد ضمن ما يعرف بـ”مخلّفات الحرب القابلة للانفجار”، وهي ذخائر لم تنفجر أو تُركت في مواقعها بعد النزاعات، وقد تبقى خطرةً لسنوات طويلة. وتوضح اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن هذه المخلّفات تشمل القذائف والهاونات والقنابل اليدوية والصواريخ وسواها من أسلحة ومواد قد تنفجر عند العبث بها أو تحريكها، ما يجعلها تهديداً مستمراً للمدنيين حتى بعد توقف المعارك.

تجمع عدد من الفتية والشباب حول الصناديق، يفتحونها ويلقون ما بداخلها، طمعاً في الخشب. انضم إليهم علي، طفل في السابعة من عمره، وهو شقيق عباس، أراد مساعدة والدته في جمع الحطب. لم يكن أحد منهم يعلم أن ما يتخلصون منه للحصول على الصناديق هو مواد شديدة الانفجار.

لحقت أم عباس بابنها محاولةً إعادته خوفاً عليه، بعد أن أخبرها أصدقاؤه بأنه ذهب إلى الموقع لجلب الخشب. وبينما كان الناس منشغلين، دوّى انفجار هائل هزّ المنطقة، وارتفعت ألسنة اللهب إلى السماء. هرع الأهالي إلى المكان، لكن شدة النيران حالت دون الوصول، حتى بعد جهود مضنية لإخمادها، لينهار سقف المخزن، وقد أودى الانفجار بحياة كل من كان قريباً منه.

تفحمت جثث 16 شخصاً، وفق تقديرات الشهود، حتى تلاشت ملامحها تماماً. ترك الحادث أثراً بالغاً، إذ راح كل واحد يبحث بين الضحايا عن أب أو أخ أو ابن، متشبثاً بأمل ألا يكون بينهم. ومع تتبع الدلالات، تبين أن من بين الضحايا أم عباس وطفلها الصغير، إلى جانب ثلاثة شبان من أبناء الحي نفسه، وآخرين من مناطق مختلفة. كان يوماً مفجعاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

مضى يوم كامل من العناء، قبل أن تتمكن العائلات من التعرف على الجثث، التي نُقلت إلى مقبرة صغيرة في المدينة لدفنها مؤقتاً على سبيل “الوداع”، إلى حين استقرار الأوضاع ونقلها لاحقاً إلى وادي السلام. كما احتضنت مقابر المدينة جثث عشرات مجهولي الهوية، عُثر عليها في مستشفى المدينة العسكري، بحسب إفادات الشهود.

 

 

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali