قصص من الشارع

من شجرة البطم إلى فنجان القهوة.. حكاية الحبة الخضراء في حلبجة

03/04/2026

حلبجة- سلام هانەدنی

في أحد أزقة حلبجة الهادئة، يتصاعد بخار خفيف من أكواب موضوعة على طاولة صغيرة، فيما تملأ المكان رائحة غير مألوفة، نكهة برية قادمة من الجبال. هنا، لا تُقدَّم قهوة تقليدية، بل مشروب يُصنع من ثمرة ظلت لسنوات تُجمع وتُؤكل بطرق بسيطة.

خلف هذه التجربة تقف كلثوم حسين، وهي امرأة من حلبجة، عملت مع زوجها على تحويل الحبة الخضراء، ثمرة شجرة البطم، إلى قهوة تُحضَّر وتُقدَّم يومياً للزوار، لتكون من أولى المحاولات في حلبجة وهورامان، وعلى مستوى إقليم كردستان أيضاً.

ومع الوقت، لم يعد الأمر مجرد تجربة محدودة، بل تحول إلى منتج يحمل علامة خاصة ويشهد طلباً متزايداً، بفضل نكهته المختلفة وطبيعته الخالية من الإضافات. واليوم بات للمشروع مكان ثابت في المدينة، تُحضَّر القهوة فيه وتُقدَّم في الوقت نفسه، ويقصده الزوار يومياً، بعد أن حصل على ترخيص من الجهات الصحية في حكومة الإقليم.

تبدأ الحكاية فعلياً من مكان آخر، من الجبال والسهول المحيطة بحلبجة وهورامان، حيث تنمو شجرة البطم، التي تعد في ذاتها رمزاً للصمود. هناك، كانت الحبة الخضراء تُجمع وتُستخدم بطرق مختلفة، من دون أن تتحول إلى منتج قائم بذاته.

كلثوم، التي زارت شمال كردستان قبل سنوات، حيث ينحدر زوجها، تعرّفت إلى هذه القهوة هناك، وتعلمت طريقة إعدادها، قبل أن تعود بها إلى مدينتها. منذ ذلك الحين، تنشغل العائلة بصنع هذا النوع من القهوة، ومع مرور الوقت بدأ حضورها يتسع في مناطق مختلفة من كردستان.

تقول كلثوم حسين للمنصة: “قهوة الحبة الخضراء هذه طبيعية تماماً، وقد تعلمت صنعها وتحضيرها من أكراد الشمال، زوجي يساعدني ونصنعها معاً”.

وفي وصفها للمكان الذي انطلقت منه الفكرة، تقول: “إن منطقة حلبجة وهورامان لها مساحة واسعة من الجبال والسهول الغنية بشجرة البطم (شجرة الحبة الخضراء) التي تعد في ذاتها رمزاً للصمود، ولهذا فكرت ألا تضيع ثمرة الحبة الخضراء سدى في هذه المنطقة، نحن نشتريها من الناس ونستعملها في صنع القهوة”.

وتضيف: “عندما تنضج الحبة الخضراء ويصبح لونها أزرق، نشتريها ثم نقوم بطحنها بجهاز خاص في معملنا أو نطحنها يدوياً، ثم نحرقها ونصنع منها القهوة، هذه القهوة مختلفة تماماً مما يباع في الأسواق باسم القهوة لأنها طبيعية تماماً وخالية من المواد الحافظة”.

داخل المحل، لا تسير العملية بطريقة واحدة، بل تتعدد أشكال التحضير بحسب ما تشرح كلثوم: “لدينا نوعان من القهوة التي نعدها يومياً، النوع الأول بعد طحن الحبة الخضراء تماماً، نستخلص منها سائلاً ثخيناً يُعد لتحضيره مع الماء الحار أو قليل من الحليب، النوع الثاني: تُطحن الحبة الخضراء مع الحليب المجفف، ثم يُمزج مباشرة مع الماء الحار ويُشرب”.

في المكان نفسه، يجلس الزبائن ويشربون القهوة في اللحظة التي تُحضَّر فيها، في تداخل بين العمل والتجربة.

هاوکار رحيم، أحد زوار المكان، يقول: “كنت أشرب القهوة قليلاً من قبل، لكن سمعت عن شهرة هذا النوع من القهوة فشدتني لتجربته، نوعيتها طيبة، ولها طعم خاص، أتمنى أن يجربها كثير من الناس لأنها قهوة طبيعية وذات مذاق مميز”.

ومع اتساع التجربة، لم تعد القهوة مجرد مشروب يُقدَّم في محل صغير، بل صارت جزءاً من نشاط أوسع، “يقبل كثير من الناس على جمع الحبة الخضراء، فيحصلون مقابلها على دخل مادي، يمكن القول إن عشرات الأشخاص يزودوننا سنوياً بالحبة الخضراء، فنقوم بشرائها منهم”، توضح كلثوم.

ثمار شجرة البطم التي تنمو في الجبال الشاهقة، ويصل ارتفاعها إلى ما بين مترين وستة أمتار، تنضج في فصل الربيع، وتُستخدم بطرق متعددة، إذ يمكن أكلها بشكلها الطبيعي، أو مملحة، أو مطحونة، كما تُضاف إلى المخيض (الدوغ) والمربى، وتضفي عليهما نكهة مميزة.

ومن هذه الثمرة، لا تُصنع القهوة فقط، بل تُستخرج أيضاً مواد أخرى، مثل سائل لزج أبيض يُستخدم في صناعة العلكة الكردية الطبيعية، كما تُصنع من حباتها “المسبحة”، وتُستعمل أوراقها للأغراض الطبية ومضادة للسموم، ويُستخرج منها زيت يُستخدم في صناعة الصابون، إلى جانب استخدامات أخرى عديدة.

وتتغير قيمة الحبة الخضراء من عام إلى آخر، ففي السنة الماضية كان سعر الكيلو أربعة آلاف دينار، بينما بلغ هذا العام ثمانية آلاف دينار، وهو ما ينعكس على سعر القهوة نفسها، حيث يصل سعر الكيلو من القهوة الجافة إلى عشرين ألف دينار، فيما يبلغ سعر النوع السائل خمسة وعشرين ألف دينار.

ولا تبقى القهوة داخل هذا المكان فقط، بل تُعبأ في علب وعبوات تحمل اسم المشروع ورمزه لتصل إلى الأسواق، كما يتواصل أشخاص من مدن مختلفة لطلبها عبر الإنترنت، فتُرسل إليهم، وتشارك العائلة في فعاليات محلية مثل “مهرجان رمان حلبجة” و “السوق الأسبوعي الزراعي في حلبجة”، في محاولة لتوسيع حضور هذا المنتج.

ورغم هذا التوسع، لا تخلو التجربة من تحديات اجتماعية، إذ تعمل كلثوم جنباً إلى جنب مع زوجها، من دون أن تتوقف عند الانتقادات التي قد تُوجَّه إليها، “لا أستمع إلى النقد السلبي، وأواصل تعريف مواطني المنطقة بهذه القهوة”.

وتضيف: “بعض أهالي المنطقة كانوا معتادين على شرب القهوة منذ زمن طويل، بينما لم يكن بعضهم قد تعودوا عليها في البداية، إذ كانوا يفضلون الشاي في معظم الأوقات، لكن الآن أصبحوا يهتمون بشرب القهوة تدريجياً”.

ولا تُصنَّف قهوة الحبة الخضراء ضمن حبوب البن، فهي لا تحتوي على الكافيين. وتنتشر أشكال مشابهة منها في مناطق من كردستان وتركيا، حيث تُعرف بمشروب يُصنع من حبوب محمصة ومطحونة تُخلط غالباً مع الحليب. وبحسب دراسات على البطم، فإن هذه الثمار غنية بمضادات الأكسدة وتُستخدم تقليدياً لدعم الهضم وتهدئة المعدة، ما يمنح هذا المشروب طابعاً مختلفاً عن القهوة المعتادة.

ومع هذا التحول البطيء في مشروع العائلة، تتسع الفكرة أكثر، إذ تسعى كلثوم وزوجها إلى تعزيز الاهتمام بقهوة البطم.

تقول “نعمل على توسيع نشاطنا في السنوات المقبلة ليشمل أسواق العراق وإقليم كردستان إلى جانب تعليم أشخاص آخرين، ولا سيما النساء كيفية صنع هذا النوع من القهوة، بوصفها مهارة يمكن أن تتحول إلى مصدر عمل”.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali