رأي

من ذاكرة الاحتلال.. يوم سقوط بغداد كما عاشه شاب في الثامنة عشرة من عمره

09/04/2026

أيوب حسن – المنصة

كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف ظهراً من يوم التاسع من نيسان 2003، حين وقفتُ أمام التلفاز الوحيد في بيتنا أراقب ما يحدث في بغداد. كان تلفازاً صغيراً يعمل بالهوائي (الأريل)، بشاشة بالأبيض والأسود، ولم يمنحنا طوال سنوات وجوده في منزلنا أكثر من قناتين بالكاد.

لكن الساعات الثلاث التي أمضيتها واقفاً أمامه في ذلك النهار لم تكن سوى خاتمة يوم بدأ قبل ذلك بكثير، وامتلأت ساعاته بمشاهد لا تزال عالقة في ذاكرتي حتى اليوم، كلما عدتُ بذاكرتي إلى 9 نيسان أو ما صار يُعرف لاحقاً بيوم سقوط بغداد.

صور من قريتي "الطارمية"، أربعين كيلومتراً شمال بغداد
صور من قريتي في قضاء “الطارمية”

في الأيام الأخيرة من الحرب، لم يعد ذلك التلفاز الصغير يلتقط لنا سوى “قناة العالم”. كانت قناة إيرانية ناطقة بالعربية، حديثة البث آنذاك، لم يكن قد مضى على انطلاقتها سوى شهرين تقريباً. في بدايات الحرب، كان بثها يصلنا مشوشاً، وكان كثير من الناس يرفضون متابعتها لأنها كانت تنقل أخبار المعارك أولاً بأول، بعد أن خصصت شبكة مراسلين لها في المناطق القريبة من العراق. أما أنا، فكنت أعود إليها بين حين وآخر، رغم ما كانت تبثه أحياناً من تضخيم للأحداث، ورغم التناقض الواضح بين محتواها، وبين ما كانت تنقله قنواتنا المحدودة.

كعراقيين، لم يكن لدينا على الشاشة سوى ثلاث قنوات فقط. اثنتان منهما محليتان أرضيتان، هما “العراق” و”الشباب”، أما الثالثة فكانت “قناة العراق الفضائية”، وكانت حديثة العهد نسبياً بالنسبة لنا، وكان يُفترض أن تبث إلى الخارج عبر الأقمار الصناعية. 

لكن مع اشتداد الحرب، بدأت قنواتنا تتعرض للتشويش وضعف البث، ومع ذلك واصلت في معظم الوقت إعادة بث أغنيتين ما تزالان عالقتين في ذاكرتي حتى اليوم “فوت بيها وعالزلم خليها” و”عفية وعفية رجال”. حتى إن الناس في الأيام الأخيرة من الحرب تداولوا إشاعة مفادها أن القيادة العامة للقوات المسلحة اعتمدت أغنية “فوت بيها وعالزلم خليها” بوصفها “شيفرة” موجهة إلى القطعات العسكرية، وإشارة إلى ضرورة الاستمرار في مقاومة القوات الأميركية التي كانت تقصف مناطق العراق جوياً منذ ثلاثة أسابيع متواصلة. 

ظلّت تلك الأغاني تُبث في غالب الوقت بدافع رفع معنويات المقاتلين العراقيين المنتشرين في مواقعهم العسكرية في عموم البلاد، ومعهم “الحزبيون” المنتمون إلى حزب البعث المنحل.

 

صور من قريتي "الطارمية"
صور من قريتي “الطارمية”

ثم جاء اليوم الأخير من الحرب، فاختفت قنواتنا التلفزيونية تماماً، ولم يبقَ منها سوى ما كنا نلتقطه عبر الراديو، أو ما نسميه “الراديون أبو البطارية”. وكان الراديو في بيتنا من ماركة “قيثارة” العراقية، يرافقنا نهاراً بأغانيه العسكرية، وفي الليل تنبعث منه أغاني “راديو سوا” بوضوح أكبر، كلما اقتربت القوات الأميركية من بغداد. وفي اليومين الأخيرين تحديداً، ازداد وضوح بث “قناة العالم”، بعدما نصبت القوات الأميركية أبراج تقوية لإذاعاتها المرافقة، وهو ما استفادت منه أيضاً بعض القنوات التابعة لدول الجوار في تحسين نطاق تغطيتها.

ليلة 9 نيسان

كنتُ شاباً في الثامنة عشرة من عمري، أجلس في قريتي الواقعة في قضاء الطارمية شمال العاصمة بغداد، على بعد 40 كيلومتراً تقريباً من مركزها، مع الرجال والشباب في المواضع العسكرية التي أنشأها عناصر الحزب قبل بدء الحرب. تلك المواضع لم تكن في حقيقتها سوى مجالس صغيرة لتبادل إشاعات الحرب وأخبارها، ولم يكن بحوزة الرجال الموجودين فيها سوى قطعة سلاح واحدة، أو اثنتين، أو ثلاث على أقصى تقدير، معظمها أسلحة شخصية تعود إلى رجال القرية أنفسهم. أما البقية، فكانوا يحملون معهم أدوات جارحة، مثل السكاكين العسكرية، أو العصا الغليظة التي كنا نسميها عراقياً “التوثية”.

لا أزال أتذكر حتى هذه اللحظة كيف جلستُ تلك الليلة في الموضع المقابل لباب منزلنا، من دون أن أتوقع أنها ستكون الليلة الأخيرة قبل أن ينقلب حال العراق كله. كانت نوبة الواجب الليلي قد وقعت على أخي الأكبر وعدد من شباب القرية، لأنهم أقدر على السهر من كبار السن. وكان الموضع، يضم ثمانية شبان، لا يملكون سوى سلاح واحد فقط، رشاشة كلاشنكوف، وفي مخزنها 15 إطلاقة لا أكثر.

انتصف الليل، وكان طويلاً ومتقطعاً بين القصف ومحاولات المقاومة الأرضية، حين وقع مشهد لا يزال ثابتاً في ذهني حتى اليوم. مرت قرب الموضع سيارة من نوع “لاندكروزر”، كنا نسميها آنذاك “ليلى علوي”، وكانت مغطاة بالطين بالكامل، في إطار التمويه المعتاد وقتها خوفاً من رصد الطيران وقصفه.

لم يكن في السيارة سوى شخص واحد. ترجل منها واتجه نحونا مرتدياً بدلة عسكرية مغطاة بالتراب، لم تتضح معالمها إلا حين اقترب منا ورفع الجميع نحوه أضوية “التورچ” التي تعمل على البطاريات. كان رجلاً نحيلاً، يحمل على كتفه رتبة لواء، تلك الرتبة التي كانت تُعرف بسيفين متقاطعين وإلى جانبهما شعار الجمهورية.

وقفنا جميعاً أمامه بين الخوف والرهبة، لكنه لم يمكث إلا دقائق قليلة، قال خلالها ثلاث جمل ما تزال ترنّ في أذني حتى اليوم: “ولدي كوموا روحو لبيوتكم، كلشي انتهى”.. “ولدي انتو زغار، والأمريكان تره رح يقصفوكم بأي لحظة”.. “ولدي تره أني آمر لوحدة عسكرية كاملة انتهت وصارت تراب قرب بوابة بغداد الشمالية بالكاظمية”.

لم يردّ عليه أحد منا. عاد سريعاً إلى سيارته وغادر المكان، فيما اتفق جميع شباب الموضع على ألا نذكر شيئاً مما جرى أمام “الحزبيين” في صباح اليوم التالي، حتى لا نقع تحت شبهة الخيانة التي كانت رائجة في تلك الأيام الأخيرة، والتي طالت حتى بعض الرتب العسكرية الكبيرة. في تلك اللحظة، ظننا أن ذلك اللواء قد يكون واحداً منهم، وأنه جاء ليوقعنا في الفخ، ولم ندرك صدقه إلا في نهار اليوم الأخير، حين حدث ما حدث.

ظهيرة 9 نيسان

أعود إلى ظهيرة التاسع من نيسان، إلى الساعة الثانية والنصف، وإلى ذلك التلفاز الصغير ذي الشاشة بالأبيض والأسود. في تلك الساعات، كانت القوات الأميركية قد دخلت مركز العاصمة بغداد، وتمركز جزء منها في ساحة الفردوس قرب منطقة الكرادة وبجوار فندقي فلسطين وعشتار حيث كانت تتمركز عدد من القنوات الفضائية، من بينها “قناة العالم” التي بدأت ببث مباشر لتلك الساعات الحاسمة.

في الوقت نفسه، كانت “قناة العراق” تبث مشاهد لظهور رئيس النظام السابق وهو يتجول في منطقة الأعظمية، في محاولة لشغل الناس بهذا الحدث رغم ضعف البث وتشويشه. كما تناقلت الإذاعات المتبقية الخبر ذاته، ما دفع الرجال والشباب إلى الخروج نحو المواضع العسكرية المنتشرة على جانبي الطرق، حتى خلت المنازل تقريباً منهم.

من القرية أثناء دخول القوات الأمريكية
من القرية أثناء دخول القوات الأمريكية

أما أنا، فلم أتحرك من مكاني. بقيت واقفاً أمام التلفاز لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة، أتابع ما يحدث بتركيز شديد، وفي داخلي خوف من نقل ما أراه إلى الشارع، حتى لا أُتهم بالتخاذل أمام الحزبيين، الذين كان موقفهم في تلك الساعات حاداً تجاه كل من يتحدث عن أخبار سلبية أو يروّج لإشاعة عن سقوط بغداد. ومع اقتراب المساء، عند الساعة 6:45 بالتوقيت المحلي لبغداد (15:45 بتوقيت غرينتش)، كان المشهد يقترب من نهايته. سقط تمثال الرئيس السابق في ساحة الفردوس، يوم الأربعاء 9 نيسان 2003، في لحظة تحوّلت سريعاً إلى الصورة الأبرز لسقوط العاصمة والنظام.

سقوط التمثال

استغرقت عملية إسقاط التمثال بعض الوقت. يومها، لم أكن أعرف تماماً ما الذي يجري في ساحة الفردوس، كما عرفناه لاحقاً بعد دخول الإنترنت إلى حياتنا، حين بدأت الصور والتقارير تكشف تفاصيل تلك اللحظة بدقة أكبر. لاحقاً فقط، عرفتُ أن القوات الأميركية استخدمت مركبة مدرعة من طراز M88 لسحب التمثال بواسطة سلاسل حديدية، بعد أن وُضع على رأسه أولاً علم أميركي لفترة وجيزة، ثم علم عراقي، في مشهد أرادت له تلك القوات أن يتحول إلى صورة رمزية لبثّها مباشرة إلى العالم بوصفها لحظة إعلان سقوط العاصمة والنظام.

ما إن سقط التمثال حتى خرجتُ راكضاً من أمام التلفاز نحو باب المنزل. كنتُ أتحرك بسرعة، وعلى وجهي شيء من الدموع الممتزجة بخوف كبير، خوف من شكل القوات الأميركية، ومن القصص التي كانت تُروى لنا عنهم في المواضع، وعن أنهم سيدخلون البيوت، ويقتلون الناس، ويدمرون كل شيء أمامهم.

كان خروجي المفاجئ أيضاً بعد أكثر من ثلاث ساعات من الوقوف المتواصل أمام التلفاز. وحين وصلت إلى باب المنزل، رأيت والدي جالساً قرب الموضع، فركضت إليه وهمست في أذنه: “بابا… سقطت بغداد ووكع تمثال صدام”.

نهض والدي فوراً ودخل إلى المنزل، ووقف هو الآخر أمام التلفاز يتابع ما يجري، غير مصدق لما يراه. كان مذهولاً، ومتخوفاً في الوقت نفسه من الناس خارج المنزل، أولئك الذين كانوا لا يزالون يعيشون نشوة الانتصار واستمرار الحرب، ويطربون على وقع أغنية “فوت بيها وعالزلم خليها”.

بعد ذلك، خيّم الليل على قريتي الصغيرة، وبدأ كثير من الرجال والشباب بالانسحاب إلى بيوتهم. لكن بعض الحزبيين ظلوا في مواضعهم، على أمل أن تأتيهم أخبار من بغداد تؤكد استمرار المعركة، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث.

في تلك الليلة، لم يبقَ في الإذاعة سوى تكرار أغنية “فوت بيها وعالزلم خليها”. كنت أسمعها من راديو أحد الحزبيين الجالسين في الموضع المقابل لمنزلنا، فيما كنت أردد في داخلي: انتهى كل شيء. كنت مقتنعاً أننا لن نعيش بعد اليوم كما كنا، بعدما وقفنا في وجه جيش مرعب مثل الجيش الأميركي، وحين دخل إلى بلادنا، لم أكن أعرف ماذا سيفعل بنا، ولا ماذا ينتظرنا بعد ذلك.

انتهت الواجبات في المواضع، ولم يبقَ فيها سوى الحزبيين، فيما لزمنا نحن المدنيين منازلنا، نتابع عبر “قناة العالم” ما يجري في بغداد لحظة بلحظة.

في التاسع من نيسان، انتهى كل شيء.. وبدأ معه كل شيء.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali