مهدي الساعدي – العمارة
على خشبة مسرح متواضعة في مدينة العمارة، تقف لمياء محمد تحت ضوء خافت، تؤدي دورها أمام جمهور محدود. خلف هذا المشهد البسيط هناك قصة أطول من العرض نفسه، قصة صراع يومي بين شغف لا يتراجع، وواقع اجتماعي ومؤسساتي يضع الفن المسرحي وحضور المرأة فيه تحت اختبار مستمر.

في هذه المحافظة الجنوبية حيث لا تزال العادات والتقاليد تلقي بظلالها الثقيلة على الفضاء الثقافي يبدو صعود الفنانات إلى خشبة المسرح حدثاً استثنائياً. ورغم ذلك تصر لمياء محمد على الاستمرار في محاولة لإثبات أن “المسرح ليس ترفاً بل مساحة تعبير لا يمكن التنازل عنها” على حد تعبيرها.
تعود بداية لمياء إلى عام 2012، حين خطت أولى خطواتها على خشبة المسرح خلال دراستها في المرحلة المتوسطة عبر مشاركتها في مسرحية “عندما تنطق الحروف”. ذلك الحدث لم يكن تجربة عابرة بل نقطة تحول في مسارها إذ اختارت أن تمضي في طريق يبدو شاقاً منذ بدايته.

ورغم حضورها في الأوساط المسرحية في ميسان، التي تبعد نحو 380 كيلومتراً جنوب شرق بغداد، إلا أنها تبقى واحدة من عدد محدود جداً من النساء اللواتي يواصلن العمل في هذا المجال. وتوضح لمياء أن هذا الحضور المحدود لا يعود إلى قلة الاهتمام، بل إلى طبيعة التحديات التي تواجه النساء الراغبات في خوض التجربة.
رغم التحديات، فإن ميسان قدمت أسماء نسوية بارزة في تاريخ المسرح العراقي، مثل إنعام الربيعي وميسون خليل، اللتين تمكنتا من الاستمرار رغم الصعوبات
وتشير إلى أن العمل المسرحي يضع المرأة في مواجهة مباشرة مع المجتمع، خاصة حين تتناول العروض قضايا حساسة تمس البنية العشائرية أو تتقاطع مع الأعراف السائدة. في هذه الحالة، لا يُقرأ العمل بوصفه فنًا فقط، بل يُحمَّل دلالات اجتماعية قد تضع الفنانة تحت ضغط متواصل، يصل أحياناً إلى التقييد أو المنع غير المباشر.
لا يقتصر الأمر على ردود الفعل الاجتماعية، بل يمتد إلى تضييق مساحة التعبير نفسها نتيجة الخوف من التأويل أو سوء الفهم، إلى جانب غياب الدعم المؤسسي وافتقار البيئة الحاضنة التي تضمن للفنانة الأمان المهني والاجتماعي، وهو ما يجعل الاستمرار في هذا المجال تحدياً مركباً.
هذا الواقع يفسر، إلى حد كبير، ضعف الحضور النسوي على خشبة المسرح في ميسان، وهو ما يشير إليه الرائد المسرحي صلاح مهدي، الذي يرى أن عدد الممثلات لا يلبي حاجة العروض المسرحية، رغم أن المرأة تشكل عنصراً أساسياً في النصوص المسرحية.
يوضح مهدي أن كثيراً من الشابات اللواتي يظهرن في أعمال محدودة، سرعان ما ينسحبن، لأنهن ينظرن إلى المسرح كهواية مؤقتة أو وسيلة للظهور، قبل أن تفرض عليهن الظروف الاجتماعية والعائلية التوقف. ويؤكد أن احتضان هذه المواهب وتوعيتها بدور المسرح كان يمكن أن يحولها إلى تجارب مستمرة لا محطات عابرة.

ويضيف أن واحدة من أبرز الإشكالات تكمن في النظرة السلبية التي لا تزال تلاحق الفنانة، خاصة الممثلة، حيث يُنظر إلى هذا المسار على أنه بلا جدوى أو مستقبل، ما يجعل كثيراً من العائلات ترفض دخول بناتها إلى أقسام المسرح في الكليات والمعاهد المتخصصة.
هذه النظرة لا تقتصر على ميسان وحدها، بل تمتد إلى محافظات عراقية أخرى، حيث تظهر أسماء نسوية مميزة، لكنها سرعان ما تختفي، إما بسبب الضغوط الاجتماعية أو لغياب التواصل والدعم من داخل الوسط المسرحي نفسه، في وقت يتطلب فيه تطور الفنانة استمرارية ومتابعة واحتكاكاً دائماً بتجارب المسرح المختلفة.
الفنانون يضطرون إلى تنظيف هذه المسارح وتهيئتها على نفقتهم الخاصة قبل أي عرض، في ظل غياب الدعم الرسمي
رغم ذلك، لم يتوقف شغف لمياء محمد عند حدود التجربة الأولى، بل واصلت حضورها من خلال المشاركة في عدد من المهرجانات والفعاليات المسرحية، في محاولة لتطوير أدواتها وصقل موهبتها، متحدية الظروف المحيطة بها.
تؤكد لمياء أن غياب التشجيع والدعم لا يزال أحد أبرز التحديات، في ظل نظرة مجتمعية تعتبر المسرح، خاصة بالنسبة للمرأة، مجالاً غير مقبول أو مثيراً للجدل، وهو ما ينعكس مباشرة على فرص المشاركة، ويدفع كثيراً من الشابات إلى التراجع أو العزوف عن خوض التجربة. كما يسهم ضعف الوعي الثقافي بأهمية الفنون في ترسيخ هذه الصورة النمطية.
إلى جانب ذلك، تبرز معوقات مادية وبنيوية تزيد من صعوبة المشهد، وهو ما يشير إليه الفنان المسرحي حسين أبو اليقظان، الذي يلفت إلى أن مدينة العمارة تفتقر فعلياً إلى مسارح مجهزة إذ لا يوجد سوى مسرحين في حالة متردية أحدهما تابع لمديرية الشباب والرياضة والآخر للنشاط المدرسي.

ويضيف أبو اليقظان أن الفنانين يضطرون إلى تنظيف هذه المسارح وتهيئتها على نفقتهم الخاصة قبل أي عرض، في ظل غياب الدعم الرسمي، حيث يعتمد العمل المسرحي بشكل شبه كامل على الجهود التطوعية. ورغم ذلك، لا يغيب الحضور النسوي، بل يظهر ويبدع في ظروف قاسية، ما يعكس إصراراً واضحاً على الاستمرار.
ورغم هذه التحديات، فإن ميسان قدمت أسماء نسوية بارزة في تاريخ المسرح العراقي، مثل إنعام الربيعي وميسون خليل، اللتين تمكنتا من الاستمرار رغم الصعوبات، بفضل دعم عائلي وإصرار شخصي، إضافة إلى الدراسة الأكاديمية التي ساعدتهما على تطوير أدواتهما الفنية.

وترى لمياء محمد أن “حضور المرأة في المسرح لا يمثل مجرد إضافة بل ضرورة فنية وثقافية”، إذ يمنح العمل المسرحي بعداً إنسانياً وجمالياً أعمق، ويتجاوز التمثيل إلى مجالات الإخراج والكتابة، بما يسهم في بناء خطاب مسرحي أكثر شمولاً.
وتؤكد أن المسرح، بوصفه فضاءً حيًا يعكس نبض المجتمع، لا يمكن أن يكتمل دون حضور المرأة، لأن هذا الحضور ليس ترفاً، بل جزء أساسي من تطور هذا الفن وقدرته على التعبير عن الواقع وتطلعاته.
في ميسان، حيث تتقاطع القيود الاجتماعية مع ضعف البنية التحتية، لا يبدو الطريق إلى خشبة المسرح سهلاً. ومع ذلك، تواصل فنانات مثل لمياء محمد السير فيه، في محاولة لانتزاع مساحة للصوت والصورة، داخل مشهد لا يزال يعيد تعريف نفسه ببطء.
أُنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج “قريب”، وهو برنامج إقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية (CFI).
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



