قصص من الشارع

منزل الشاعرة نازك الملائكة سيتحول إلى مخزن!

21/04/2026

منزل نازك الملائكة في بغداد القديمة يواجه الإهمال وخطر الهدم، وسط مطالب مثقفين بحمايته وتحويله إلى معلم ثقافي يحفظ ذاكرة الشعر العراقي.

مهدي غريب – بغداد

في إحدى أزقة بغداد القديمة، وتحديداً في منطقة العاقولية القريبة من شارع المتنبي في قلب العاصمة التاريخي، يقع منزل الشاعرة العراقية نازك الملائكة في دربونة ضيقة تحولت أغلب بيوتها خلال السنوات الماضية إلى مخازن تجارية. وسط هذا التحول العمراني والتجاري يقف البيت الذي شهد ولادة رائدة الشعر الحر عام 1923، صامتاً بين الجدران القديمة والأبواب المعدنية للمخازن التي أحاطت به.

عاشت عائلة “الملائكة”، وهي من الأسر البغدادية المعروفة، في هذا المنزل حتى نهاية عشرينيات القرن الماضي تقريباً، قبل أن تنتقل إلى منزل آخر في بغداد. 

وعلى الرغم من قصر الفترة التي عاشت فيها العائلة هنا، فإن هذا البيت بقي في ذاكرة المنطقة باعتباره المكان الذي ولدت فيه شاعرة وعاشت سنواتها السبعة الأولى ستصبح لاحقاً واحدة من أهم الأسماء في تاريخ الشعر العربي الحديث.

لكن المارة اليوم قد لا يعرفون شيئاً عن هذه الحكاية، فالمبنى لا يحمل أي لوحة تعريفية تشير إلى أهميته الثقافية، ويبدو بالنسبة للكثيرين مجرد بيت قديم وسط منطقة تجارية مزدحمة.

انتقال الملكية وتحول البيت إلى مخزن

مع مرور الزمن، انتقلت ملكية المنزل خلال العقود الماضية بين أكثر من مالك، حتى وصل في السنوات الأخيرة إلى شخص يعرف في المنطقة باسم علي أبو المولدة. وبفعل التحولات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة القديمة من بغداد، تحول البيت إلى مخزن للبضائع، وهناك نية إلى هدمه وتحويله إلى مخزن للبضائع الورقية.

هذا التحول لم يكن استثناءً في العاقولية، حيث تحولت العديد من البيوت القديمة إلى مخازن أو محال تجارية نتيجة توسع النشاط التجاري في المنطقة القريبة من شارع المتنبي. ومع غياب أي حماية رسمية للمبنى بوصفه موقعًا تراثياً، أصبح التعامل معه يتم بوصفه عقاراً تجارياً يمكن استخدامه أو تغييره أو حتى هدمه.

هذا الواقع أثار مخاوف لدى عدد من المثقفين والمهتمين بتاريخ بغداد، الذين يرون أن فقدان هذا البيت سيعني ضياع جزء مهم من ذاكرة الأدب العراقي.

ذاكرة المكان في رواية سكان بغداد القديمة

الكاتب والباحث محمد الأطرقي، وهو من سكان بغداد القديمة ويملك أرشيفاً واسعاً عن تاريخ مناطقها، يرى أن قيمة هذا البيت لا تكمن في بنائه فقط، بل في الرمزية الثقافية التي يحملها.

يقول الأطرقي إن كثيراً من البيوت التراثية في بغداد اختفت خلال العقود الماضية بسبب التوسع العمراني والتجاري، وإن منزل نازك الملائكة قد يكون مهدداً بالمصير نفسه إذا لم تتدخل الجهات الرسمية.

ويضيف “هذا البيت ليس مجرد جدران قديمة، بل جزء من ذاكرة المدينة. هنا ولدت نازك الملائكة، وهنا بدأت قصة واحدة من أهم التجارب الشعرية في العالم العربي. إذا اختفى هذا البيت فسنفقد شاهدًا مهمًا على تاريخنا الثقافي”.

ويشير الأطرقي إلى أن الحفاظ على مثل هذه البيوت لا يتعلق فقط بالتاريخ الأدبي، بل بالذاكرة الحضرية للمدينة أيضًا، لأن الأزقة القديمة والبيوت التي عاشت فيها الشخصيات الثقافية تشكل جزءاً من هوية بغداد.

من جانبه يرى الكاتب والمثقف حسن الجنابي أن قضية منزل نازك الملائكة تكشف مشكلة أوسع تتعلق بإهمال المباني الثقافية في بغداد.

ويقول الجنابي إن هذا البيت كان يجب أن يتحول منذ سنوات إلى موقع ثقافي أو بيت تراثي يخلد ذكرى الشاعرة، بدل أن يصبح مخزناً للبضائع.

ويضيف: “نازك الملائكة ليست شاعرة عادية في تاريخ الأدب العربي، بل هي واحدة من أهم الأصوات التي أسست للشعر الحر. البيت الذي ولدت فيه يجب أن يُعامل بوصفه جزءًا من التراث الثقافي العراقي”.

ويرى الجنابي أن الحفاظ على البيت يمكن أن يمنح المنطقة نفسها بعداً ثقافياً، خصوصاً أنها قريبة من شارع المتنبي الذي يمثل مركزاً ثقافياً مهماً في بغداد.

أما الكاتب والشاعر أبو حسام عبد الأمير الربيعي فيرى أن حماية البيت تمثل خطوة ضرورية للحفاظ على ذاكرة الأدب العراقي.

ويقول الرباعي إن المدن التي تحترم تاريخها تحافظ على بيوت الأدباء والمفكرين وتحولها إلى مواقع ثقافية يقصدها الزوار والباحثون.

ويضيف “هذا البيت ليس مجرد مكان عاشت فيه عائلة، بل هو جزء من تاريخ الشعر العراقي. الحفاظ عليه يعني الحفاظ على ذاكرة الإبداع العراقي، وعلى تجربة شعرية غيرت شكل القصيدة العربية”.

ويرى الربيعي أن تحويل البيت إلى بيت ثقافي أو متحف صغير يمكن أن يعرف الأجيال الجديدة بحياة نازك الملائكة وبإسهامها في تطوير الشعر العربي.

مقارنة بتجربة بيت الجواهري

يستشهد عدد من المثقفين بتجربة الحفاظ على منزل الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي تحول بعد ترميمه إلى موقع ثقافي يحتفظ بمقتنياته الشخصية ويستقبل الزوار.

ويقول أبو بلال، صاحب مكتب في شارع المتنبي، إن تجربة بيت الجواهري يمكن أن تكون نموذجًا لما يمكن أن يحدث مع منزل نازك الملائكة.

ويضيف “إذا كان بالإمكان تحويل بيت الجواهري إلى مزار ثقافي، فمن الطبيعي أن يحظى بيت نازك الملائكة بالاهتمام نفسه. هذا جزء من تاريخ بغداد الأدبي، ومن حق المدينة أن تحافظ عليه”.

ويرى أبو بلال أن قرب المنزل من شارع المتنبي يمنحه فرصة كبيرة ليكون محطة ثقافية للقراء والباحثين والمهتمين بتاريخ الشعر العربي.

اليوم يقف منزل نازك الملائكة عند مفترق طرق. فإما أن يبقى مجرد مخزن تجاري قد يختفي في أي لحظة تحت معاول الهدم، أو أن يتحول إلى معلم ثقافي يحفظ إرث واحدة من أهم الشاعرات في تاريخ الأدب العربي.

بالنسبة لكثير من المثقفين، لا يتعلق الأمر بمبنى قديم فقط، بل بحماية جزء من ذاكرة بغداد الثقافية. فالبيوت التي شهدت ولادة الأدباء والشعراء ليست مجرد جدران، بل شواهد حية على تاريخ المدينة وروحها.

وفي مدينة مثل بغداد، التي كانت عبر قرون طويلة مركزاً للثقافة والأدب، يبدو الحفاظ على بيت ولادة نازك الملائكة خطوة ضرورية للحفاظ على ما تبقى من هذه الذاكرة.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali