قصص من الشارع

درة مرّ.. قرية سكنت الكهوف ثم عادت إليها

28/04/2026

سلام هاندني – هورامان 

في وادٍ عميق عند أطراف حلبجة وعلى مقربة من الحدود مع إيران تختبئ قرية درة مرّ بين الصخور. لا تبدو للوهلة الأولى مكاناً مأهولاً بل امتداداً للتضاريس القاسية، قبل أن تكشف تفاصيلها عن حياةٍ كاملة تشكّلت داخل الكهوف واستمرت لعقود طويلة.

تقع القرية ضمن حدود ناحية خورمال، على بعد نحو 20 كيلومتراً من مركزها، وهي واحدة من الأماكن التي امتزج فيها التاريخ بالطبيعة إلى حد يصعب فصلهما. تعود جذور المنطقة، وفق بعض الروايات، إلى نحو عام 600 ميلادي، بينما تشير تقديرات أخرى إلى تاريخٍ أقدم من ذلك بكثير، ما يضعها ضمن سياق بشري طويل تعايش مع هذه البيئة الصعبة.

تحيط الجبال والصخور العالية بالقرية من الجانبين، وهو ما جعل الوصول إليها مهمةً شاقةً لسنوات طويلة. لم يكن هذا الموقع مجرد تفصيل جغرافي بل عاملاً حاسماً في تشكيل نمط الحياة، إذ فرض العزلة، وصعّب الوصول إلى الخدمات، وحوّل التنقل اليومي إلى تحدٍ مستمر.

تضم درة مرّ نحو 100 كهف، بعضها محفور بيد الإنسان واستُخدم كمساكن لعائلات كاملة، فيما تشكّلت معظمها بفعل الطبيعة. هذه الكهوف لم تكن مجرد فراغات صخرية، بل تحولت إلى وحدات سكنية جرى تكييفها للحياة، عبر إضافة أبواب وجدران خشبية، لتصبح غرفاً متكاملةً تجمع بين البساطة والابتكار.

لكن هذا التكيّف لم يكن بلا ثمن. فبسبب صعوبة الموقع، لم تُنشأ طرق للسيارات نحو القرية، وكان التنقل يتم سيراً على الأقدام أو باستخدام الدواب. وكان السكان ينقلون احتياجاتهم من الطعام والماء عبر مسارات ضيقة بين الصخور، في رحلات يومية شاقةً لا تخلو من المخاطر. اعتمدوا على الحطب لإشعال النار، وغابت الكهرباء لفترة طويلة، لتبقى الحياة في حدودها البدائية بكل ما تحمله من قسوة.

يقول ريبين درة مرّي، أحد سكان القرية لموقع المنصة، إن هذه الكهوف “كانت منزلنا لسنوات طويلة”، حيث عاشت فيها عائلته إلى جانب عائلات أخرى، في حياة بسيطة لكنها مليئة بالمعاناة. ويضيف أن بعض الكهوف استُخدمت لتربية الحيوانات وأخرى لتخزين الأمتعة، مع وجود خطر دائم من الانهيار، خاصة في فصل الشتاء.

لكل كهف في القرية اسم وميزة خاصة، مثل كهف غاوران، ومرتشوا، وسه تحسين، وجولا، وذو البابين. تتفاوت هذه الكهوف بين الواسع والصغير، وبعضها لم يكن مخصصاً للسكن فقط، بل استُخدم في فترات سابقة كدكاكين صغيرة، في محاولة لخلق دورة حياة متكاملة داخل هذا المكان المعزول.

وبحسب فايق هورامي، أحد أبناء القرية، فإن الكهوف لم تكن فقط مساكن، بل شكّلت في بداياتها ملاذاً يحمي الإنسان من الحيوانات المفترسة والأعداء وقسوة الطقس. ويشير إلى أنه في عام 1978، كانت درة مرّ تضم أكثر من 140 منزلاً، قبل أن تُخلى بالكامل تقريباً بحلول عام 2003، نتيجة صعوبة الحياة وبعدها عن الخدمات.

ويضيف أن سكان القرية كانوا يعتمدون على تربية المواشي والبستنة والتجارة إضافة إلى نقل البضائع عبر الحدود مع إيران، لكن هذه الموارد لم تعد كافيةً لضمان الاستمرار.

نحن مدينون لهذه الكهوف، لأن آباءنا وأجدادنا ونحن أيضاً عشنا فيها.

من بين الشواهد على طبيعة الحياة هناك، قيام الأهالي قبل نحو ستين عاماً بحفر أحد الكهوف يدوياً باستخدام أدوات بسيطة، في عمل لم يكن سهلاً، بل مثالاً على الشجاعة والاعتماد على النفس. ولم يقتصر الأمر على الحفر، بل استخدموا التراب والحجارة الصغيرة كمادة بناء تشبه الإسمنت، وشيدوا بها جدران مسجدهم، في تعبير عن روح التعاون والإيمان رغم بساطة الإمكانيات.

كانت المياه العامل الأكثر حسماً في بقاء القرية. فقد اعتمد السكان على أربعة ينابيع شكّلت المصدر الوحيد للحياة، لكنها جفّت في أوائل الألفية، لتصبح الهجرة خياراً لا مفر منه. لم يكن الجفاف مجرد أزمة عابرة، بل نهاية فعلية لنمط حياة كامل، إذ لا يمكن للحياة أن تستمر بلا ماء.

تستعيد خجيجة جافر (70 عاماً) تلك المرحلة، قائلةً إنها قضت أكثر من خمسين عاماً من حياتها في هذه القرية داخل الكهوف، حيث كانت حياة النساء “قاسيةً جداً”. وتوضح أنهن كنّ يذهبن بالدلاء والعبوات لجلب الماء من الينابيع للشرب والغسل، في ظل غياب المرافق الصحية.

وتضيف أن بعض الكهوف كانت تتسرب منها المياه في فصل الشتاء، حيث كانت القطرات تنزل من سقف الكهف إلى داخل البيت، فيما كان خطر الانهيار حاضراً بشكل دائم. وتتابع أن بعض الكهوف كانت صغيرة تستخدم كمخازن، بينما كانت الأخرى كبيرةً تستعمل للسكن.

وتؤكد أن النساء كنّ يعملن جنباً إلى جنب مع الرجال في تربية المواشي ورعاية الأطفال وصناعة الخبز على النار، مضيفةً: “نحن مدينون لهذه الكهوف، لأن آباءنا وأجدادنا ونحن أيضاً عشنا فيها”.

أما في حالات المرض، فكان نقل المرضى يتم على الدواب أو على الأكتاف إلى القرى الأخرى، ومن هناك إلى المدينة، في رحلة تعكس صعوبة الوصول إلى أبسط الخدمات الصحية.

وفي جانب آخر من الحياة، يتحدث سروان كريم عن طفولة مختلفة، حيث لم تكن هناك مدارس أو أماكن مخصصة للعب، وكان الأطفال يقطعون مسافات طويلة من أجل أبسط لحظات الترفيه. ويشير إلى أن الكهوف كانت كل شيء بالنسبة لهم: “منزلاً، ومتجراً، ومدرسةً، ومكاناً للعب”.

ويضيف أنه في سنوات لاحقة افتتحت مدرسة، كان جزءاً منها داخل كهف، وكان هناك معلم واحد يقوم بأدوار متعددة، من التعليم إلى إمامة المسجد وحتى تقديم المساعدة الطبية، في صورة تعكس طبيعة الحياة في القرية.

ورغم كل هذه التحديات، لا تختصر دَرَة مَرّ في قسوة العيش فقط، بل تمثل نموذجاً حياً لعلاقة الإنسان بالطبيعة حيث لم يكن الصراع هو السمة الوحيدة، بل التكيّف أيضاً. حياة تشكّلت داخل الكهوف، لكنها بقيت مرتبطة بإيقاع الجبال والمواسم.

اليوم، وبعد سنوات من الهجرة، تعود بعض مظاهر الحياة إلى القرية. فقد أعادت الأمطار الغزيرة تغذية الينابيع التي جفّت سابقاً ما أعاد الأمل إلى قلوب الأهالي. عاد كثيرون للاحتفال بيوم أسموه “يوم الشكر” وأقاموا مراسم دينيةً واجتماعيةً تعبيراً عن امتنانهم في مشهد يعكس عمق ارتباط الإنسان بأرضه ومصادر حياته.

يقول ريبين بحنينٍ كبير إن هذه الكهوف “كانت منزلنا لسنوات طويلة”، وإنها رغم تحوّلها اليوم إلى مأوى للحيوانات فإنها لا تزال حاضرةً في الذاكرة. أما فايق، فيصف العودة بأنها “استعادة للذات” إذ يزور القرية باستمرار ليجد نفسه من جديد بين تلك الكهوف والجبال.

مع هذا التحول، بدأت درة مرّ تعرف كوجهة سياحية ناشئة. لا تصل الطرق المعبدة إلى القرية، إذ يضطر الزائرون للسير على الأقدام لمسافة تقارب كيلومتراً واحداً من مكان توقف السيارات وهو ما يمنح الزيارة طابعاً خاصاً.

ويصف أحد الزوار المكان بأنه “موقع مدهش وتاريخي”، مشيراً إلى أن التعمق في كهوفه يكشف طبقات متتالية من التاريخ، معبراً عن أمله في تحسين الطريق والاهتمام بالموقع لجذب مزيد من السياح.

هكذا، لم تعد درة مرّ مجرد قرية مهجورة، بل مساحة مفتوحة على الماضي، تروي كيف استطاع الإنسان أن يبني حياةً كاملةً داخل الكهوف وأن يعود إليها كلما عادت المياه إلى مجاريها.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali