مصطفى جمال مراد – بغداد
قبل 15 عاماً، في الجنوب الغربي من منطقة الدورة في بغداد، كان الأطفال يملؤون الأزقة لعباً وضجيجاً. وحده طفل واحد كان يجلس في باحة المنزل، يراقب بصمت حركة ماكينة الحلاقة بين يدي والده، وعيناه تتبعان مسارها فوق رؤوس الزبائن. لم يكن مأخوذاً باللعب مثل أقرانه، بل بتلك الآلة الصغيرة التي كانت في نظره تصنع شيئاً أكبر من قصة شعر.
مع السنوات، لم تتبدد تلك الدهشة، بل تحولت إلى شغفٍ واضح دفعه إلى النظر إلى الحلاقة بوصفها مهارة لها حسّها الخاص، لا مجرد وسيلة رزق. ذلك الطفل هو سيف سعد، شاب يبلغ اليوم 23 عاماً، وطالب في المرحلة الثالثة بكلية التربية البدنية في جامعة الفراهيدي.
دخول سيف إلى عالم الحلاقة لم يكن بعيداً عن تأثير محيطه العائلي. فقد نشأ في بيت يجمع بين الرياضة والحرفة. يقول سيف سعد: “كان والدي خريج تربية رياضية ويعمل في قيادة القوة الجوية بألعاب القوى، وأنا حالياً لاعب كرة سلة في جامعة الفراهيدي، وإخوتي الاثنان لاعبا كرة قدم في نادي الدفاع الجوي، وتوارثنا هذا الحب للرياضة لأننا عائلة رياضية”.
ويضيف: “أنا الوحيد الذي ورث مهنة الحلاقة عن والدي، حيث كان لديه خبرة كبيرة في الحلاقة، يحلق شعر الأقارب والمعارف في منزلنا بشكل دائم”.

يروي سيف كيف أهداه والده ماكينة الحلاقة ليمسكها بنفسه. “يومها اهتزت في يدي الصغيرة، ربما لثقلها، وربما هو الخوف الذي رافق اللحظة”.
في تقاليد المهنة القديمة يقضي “الصبي الحلاق” وقتاً طويلاً في المراقبة قبل أن يُسمح له بملامسة وجه او رأس الزبون. وكانت اليد لا تُعدّ جاهزة إلا بعد ما يُعرف شعبياً بـ”كسر اليد”، أي تجاوز الرجفة الأولى والتحول من التردد إلى الثبات، وهذا ما حدث مع “سيف” فعلياً، إذ تحولت سنوات مراقبته لوالده إلى تدريب مبكر اختصر عليه كثيراً من البداية.
لكن دخوله الفعلي إلى المهنة بدأ عام 2018، حين التحق بدورة تدريبية في الحلاقة. لم يُكملها حتى النهاية، بعدما شعر سريعاً بأنه امتلك ما يكفي من الأساسيات ليختبر نفسه في السوق. “خرجت بعدها أبحث عن فرصة عمل في محلات الحلاقة بمنطقة الدورة، متنقلاً من باب إلى آخر، ومن محل إلى آخر”.
يتذكر سيف أول زبون جلس على كرسيه: “كان يبدو على زبوني الأول أنه ضابط في الجيش العراقي، وكنت خائفاً جداً حينها وأنا ممسك بماكينة الحلاقة، فقال لي: هل أنت حلاق جديد؟ قلت له نعم، فقال: أريد نوع القَصّة الفلانية، واستمر ولا تخف”.

يتابع: “عندما أكملت له الحلاقة قال لي: لديك مستقبل رائع في الحلاقة، استمر، وأعطاني عشرة آلاف دينار عراقي، وكان المبلغ وقتها يعادل ضعف سعر الحلاقة في منطقتي الدورة”.
ومع تنقله بين أكثر من محل، لم يواجه “سيف” فقط صعوبة البدايات، بل اصطدم أيضاً بعُرف مهني غير معلن، إذ يحرص “الأسطوات” القدامى على الاحتفاظ بزبائنهم الدائمين لأنهم مصدر رزقهم الأساسي، لذلك لا يتركون للحلاق المساعد فرصة حلاقة شعرهم.
هذه الحساسية تجاه القادمين الجدد ليست طارئة، بل تعود إلى تقاليد قديمة في المهنة، حين كان المتدرّب يظل تابعاً لسنوات قبل أن يُسمح له بتشكيل اسمه الخاص. لكن “سيف” لم يكن يريد البقاء طويلاً داخل هذا الإطار.
يقول إنه لم يحب العمل داخل المحلات، وكان يشعر أن بقاءه داخل الصالون يضعه في مسار تقليدي، فيما كان يبحث عن فكرة تمنحه اختلافاً فعلياً. وفي تلك الفترة، كانت أجور الحلاقة محدودة بالكاد تغطي مصاريفه اليومية، ما دفعه إلى العمل في مهن متعددة قبل أن يعود ليستقر عند الحلاقة مجدداً بوصفها الخيار الأقرب إليه.
وحين حاول افتتاح محل خاص به، لم تصمد التجربة أكثر من شهر واحد بسبب التكاليف المرتفعة. لكن جائحة كورونا عام 2020 فتحت له باباً لم يكن في حساباته. فمع إغلاق محلات الحلاقة في بغداد، بدأ العمل من كراج منزله، وصوّر إحدى جلسات الحلاقة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.
في البداية، لم يكن الأمر أكثر من تجربة بسيطة، لكن التفاعل الذي حصل عليه غيّر اتجاه الفكرة. بدأ الناس يطلبون منه أن يذهب إليهم، لا أن يأتوا إليه. ومن هنا تشكلت عملياً فكرة “الحلاق الدلفري”، التي ستصبح لاحقاً هويته المهنية.

من حيث الجوهر، لا تبدو هذه الفكرة منفصلة تماماً عن تاريخ الحرفة في بغداد. فالحلاقة هنا لم ترتبط دائماً بالصالونات الحديثة فقط، بل سبقتها أشكال أكثر بساطة واتصالاً بالشارع والناس. ففي بغداد القديمة، لم يكن الحلاق مجرد من يقص الشعر، بل كان يُعرف أحياناً باسم “المزين”، وتجاوز دوره حدود الحلاقة إلى أعمال أخرى مثل الحجامة وقلع الأسنان وختان الأطفال. كما عرفت المدينة أشكالاً من الحلاقة الجوالة، حيث كان بعض الحلاقين يعملون في الساحات أو على الأرصفة، بأدوات محدودة ومساحة مفتوحة.
لكن ما يفعله “سيف” اليوم ليس استعادة حرفية لذلك الماضي، بقدر ما هو إعادة صياغة حديثة له، عبر خدمة متنقلة تعتمد على الخصوصية والنظافة والمرونة. يقول سيف: “أصبحت لدي فكرة خدمة الحلاقة المنزلية، حيث يكون الزبون جالساً في بيته دون الحاجة للانتظار في طابور، وأنا أذهب إليه أينما كان، ويكون أكثر راحة أثناء الحديث وبحرية كاملة”.
ويضيف: “وعندما بدأت بفكرة الحلاقة المنزلية (حلاق دلفري) واجهت الكثير من المعارضة من بعض الحلاقين، إذ كانوا يقولون إنني أتسول، وليس لدي كرامة، فقط لأنني أقدم خدمة مختلفة، لكنها في النهاية رزق حلال مقابل جهدي”.
لم يكن الرفض الذي واجهه مهنياً فقط، بل كان اجتماعياً أيضاً، لأن الفكرة بدت غريبة في بدايتها. فالحلاق، في التصور السائد، يبقى في مكانه، والزبون هو من يذهب إليه. أما قلب هذه المعادلة، فقد بدا لكثيرين خروجاً عن “هيبة المهنة”، حتى لو كان أكثر عملية وربحاً.

حتى اليوم، يتركز عمل “سيف” في جانب الكرخ من بغداد، لعدم امتلاكه وسيلة نقل خاصة. إذ يعتمد أحياناً على استئجار أو استعارة سيارة من أحد أصدقائه مقابل أجر، ويأمل أن يتمكن لاحقاً من توسيع نطاق عمله ليشمل مناطق أوسع من العاصمة. وفي كل تنقلاته، ترافقه حقيبة أدواته التي تضم ماكينات حلاقة حديثة، ومعقمات، وأدوات صبغ، وأمواساً، وأمشاطاً، ومقصات، وهي حقيبة تختصر التحول الذي أدخله على الفكرة: خدمة متنقلة، لكن بأدوات حديثة ومعايير نظافة لا تقل عن المحلات الثابتة.

يعتمد “سيف” على مواقع التواصل الاجتماعي في استقطاب الزبائن وصناعة اسمه، رغم أن هذه المساحة لم تكن دائماً منصفة له. وبحسب قوله، تعرض في بداياته لسيل من التعليقات الساخرة والانتقادات خصوصاً على “فيسبوك”، بينما وجد دعماً أكبر على “إنستغرام” و”تيك توك”. “هناك مواقف غير جميلة تحدث معي، أحياناً أذهب إلى عناوين لتلبية طلبات الحلاقة المنزلية، فأُفاجأ بعدم فتح الباب وبحظر على الفيسبوك، ولا أجد تفسيراً لذلك، لكنها تبقى ضريبة المهنة”.
ويضيف: “لكن هناك زبائن كثيرين ارتحت معهم نفسياً، وأتمنى لو كنت أعرفهم سابقاً”.
يحدد “سيف” أسعار خدماته ما بين 10 إلى 18 ألف دينار عراقي، تبعاً لنوع الخدمة والمسافة، ويرى أن الفارق بين الحلاقة المنزلية والصالون لا يتعلق بالمكان فقط، بل بطبيعة التجربة نفسها. فالصالون يمنح الحلاق راحة جسدية أكبر بفضل الكرسي والمعدات الثابتة، لكن الخدمة المنزلية تمنح الزبون في المقابل خصوصية وهدوءاً وحرية أكبر في الحديث، فضلاً عن الابتعاد عن الأجواء الصاخبة التي قد لا تناسب الجميع.

ويشير إلى أن بعض أولياء الأمور يفضلون هذه الخدمة لأطفالهم تفادياً لما قد يسمعونه أو يشاهدونه في بعض المحلات العامة، كما يجد فيها كبار السن والشخصيات العامة مساحة أكثر راحة وأقل انكشافاً، أما بالنسبة له، فإن هذه الصيغة من العمل خففت عنه عبئاً مالياً كبيراً يتمثل في الإيجارات.
يقول: “العمل كحلاق منزلي أفضل من فخ الإيجارات، فإيجار محل في الدورة يتراوح بين 750 إلى 900 ألف دينار شهرياً، وفي السيدية يصل إلى ثلاثة ملايين، وفي اليرموك أكثر من ذلك”.
لا يتعامل “سيف” مع الحلاقة كخدمة متشابهة لكل الناس، بل يرى أن لكل وجه، ولكل موقع اجتماعي، ما يناسبه بصرياً. فهو يختار القصات بناءً على شكل الوجه، ولون البشرة، وطبيعة الشعر، إضافةً إلى ذوق الزبون نفسه.
ويشير إلى أن الشخصيات العامة والمسؤولين يميلون غالباً إلى القصات الكلاسيكية الهادئة، بينما تمنح فئة الشباب مساحة أكبر للتجريب والجرأة، وهذا ما ساعده على توسيع دائرة الثقة به، حتى بات مطلوباً لدى شخصيات عامة ومشاهير لا يكتفون بحلاقته الشخصية، بل يطلبونه أيضاً لأفراد عائلاتهم أو مرافقيهم.
في هذا الجانب أيضاً، تستعيد تجربته بشكل مختلف، فكرة قديمة عرفتها بغداد في طبقاتها الميسورة، حين كانت الخدمة المنزلية أو الخاصة جزءاً من الرفاهية الاجتماعية. غير أن “سيف” ينقلها اليوم من فضاء النخبة المغلق إلى خدمة أكثر تداولاً وأقل كلفة. “نتحدث أنا وزبائني أثناء الحلاقة، ويكونون أكثر انفتاحاً في المنزل، وأحياناً نتشارك مشاكلهم ونحاول إيجاد حلول لها”.
في لقائه مع المنصة يختتم سيف حديثه قائلاً: “أحب الرياضة والحلاقة ولن أتخلى عنهما، وخدمة الحلاقة المنزلية عرفتني على الكثير من الناس الطيبين، وكل منزل أدخله أتعلم منه شيئاً جديداً، وأطمح مستقبلاً لافتتاح مركز كبير، وإنشاء شركة حلاقة منزلية توفر فرص عمل للحلاقين ذوي الدخل المحدود”.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



