قصص من الشارع

هل يمكن لكرات طين أن تهزم التصحر في ميسان؟

06/05/2026

ميسان – مهدي الساعدي

مع كل موسم أمطار، ينثر علي جبار السويطي كرات طينية صغيرة في مناطق شرق ميسان مستفيداً من السيول القادمة من المرتفعات، في محاولة لاستعادة الغطاء النباتي في أراضٍ أنهكها التصحر والجفاف.

تقوم فكرة السويطي، التي يعمل عليها منذ سنوات، على تغليف بذور الأشجار البرية المحلية بمزيج من الطين والسماد العضوي لحمايتها من التلف أو التهامها من قبل الحيوانات والطيور، وتهيئة ظروف ملائمة لإنباتها مع هطول الأمطار.

ويوضح الناشط البيئي الميساني أن “بذرة الشجرة توضع داخل مزيج من الطين ومواد عضوية تُشكّل على هيئة كرة صغيرة لحمايتها من العوامل المختلفة لحين بدء موسم الإنبات، ثم تُنثر في المناطق المنخفضة التي تتجمع فيها مياه الأمطار، لتوفير بيئة مناسبة للنمو”.

تُعرف هذه التقنية عالمياً باسم “كرات البذور” أو “Seed Balls”، وتُستخدم في مشاريع إعادة التشجير منخفضة الكلفة، خصوصاً في البيئات الجافة، لقدرتها على حماية البذور ورفع فرص إنباتها مقارنة بالنثر المباشر.

‎⁨كرات البذور الطينية
كرات البذور الطينية

ويستهدف السويطي بهذه الكرات الأراضي الجرداء أو التي تراجع فيها الغطاء النباتي نتيجة الجفاف وعمليات التحطيب المستمرة، ما أدى إلى فقدان نسبة كبيرة من الأشجار، موضحاً أنه عمل على هذه الفكرة منذ عام 2023 بعد ملاحظة تراجع الأشجار البرية مثل السدر والغاف، بسبب قلة الأمطار وكثرة القطع، في وقت تُصنّف فيه تقارير بيئية العراق ضمن الدول الأكثر عرضة للتصحر، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الهطول وتدهور إدارة الموارد المائية.

مع إحدى كراته وقد تحولت غلى شجيرة
مع إحدى كراته وقد تحولت غلى شجيرة

جهود السويطي تتركز في المناطق الشرقية من المحافظة، المعروفة محلياً بـ”الجزيرة”، وهي مناطق تتعرض لتجريف مستمر لاستخراج الرمال والحصى (السبيس)، رغم كونها بيئة طبيعية ملائمة لنمو الأشجار فضلاً عن كونها مناطق تكثر فيها السيول والفيضانات، ما يجعلها مناسبة لتطبيق الفكرة.

ويشير إلى أن “نسبة الإنبات وصلت في بعض التجارب إلى 60%، بينما استقرت عند نحو 40% في المعدل العام” وهي نسبة يعتبرها جيدة قياساً بقسوة الظروف وشح الأمطار، علماً أن نجاح مشاريع إعادة التشجير في البيئات الجافة يُعد مرتفعاً نسبياً إذا تجاوزت نسب الإنبات 30% في المراحل الأولى، وفق أدبيات الزراعة الجافة.

لم يكن اختيار البذور أو مواقع النثر عشوائياً، بل اعتمد السويطي على معرفة ببيئة المنطقة وأنواعها النباتية، إذ استهدف مناطق الطيب والشيب والمناطق الحدودية ضمن ما يُعرف بالجزيرة، لكونها الموطن الأصلي لأشجار السدر والغاف وأنواع الطلحيات، كما يحرص على تنفيذ عمليات النثر في أشهر الشتاء لضمان استفادة البذور من أمطار الربيع، في وقت لم يتبقَّ فيه من الأشجار سوى نحو 10% فقط في بعض المناطق بعد فقدان النسبة الأكبر.

مع إحدى كراته وقد تحولت غلى شجيرة
مع إحدى كراته وقد تحولت غلى شجيرة

يأتي هذا الجهد في سياق تراجع حاد للغطاء النباتي في العراق، إذ تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى انكماش مساحات الغابات إلى نحو 8250 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 2% فقط من مساحة البلاد، بعد أن كانت نسب الغطاء النباتي أعلى بكثير، نتيجة الجفاف والتصحر والرعي الجائر، كما تحذر تقارير الأمم المتحدة من أن تدهور الغطاء النباتي يسهم مباشرة في زيادة العواصف الغبارية وفقدان التربة لقدرتها على الاحتفاظ بالمياه.

لم تكن مبادرة السويطي بعيدة عن اهتمام ناشطي البيئة في ميسان، إذ حظيت بدعم وتشجيع، حيث يوضح الناشط البيئي مرتضى الجنوبي أن السويطي “ينشر البذور عبر مشروع الكرات الطينية في المناطق المنخفضة والفيضية، ولا يكتفي بذلك بل يتابع نتائجها ويحللها، ما يجعلها تجربة ناجحة في مكافحة التصحر”.

الناشط البيئي مرتضى الجنوبي
الناشط البيئي مرتضى الجنوبي

لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن هذه الجهود ما تزال فردية، مضيفاً أن السويطي “بحاجة إلى دعم أكبر لتوسيع عمله، خاصة أنه يعمل بشكل مستمر في مناطق متعددة، ما يصعّب حصر عدد الكرات التي قام بزراعتها”.

تتقاطع فكرة هذا الناشط البيئي مع تجارب دولية، إذ أطلقت Mara Elephant Project في كينيا عام 2016 مشروعاً مشابهاً يعتمد على تغليف البذور لحمايتها من الحيوانات ومنحها قدرة على الصمود في الظروف القاسية بعد فقدان أكثر من 50% من الغطاء الشجري هناك، غير أن تجربة السويطي تتميز بكونها مبادرة ذاتية بالكامل دون دعم مؤسسي، وقد نجح في نشرها عبر وسائل التواصل ومتابعة نتائجها ميدانياً.

كرتان سابقاً.. شجيرتان اليوم
كرتان سابقاً.. شجيرتان اليوم 

ولم تقتصر تجربة السويطي على ميسان بل نقلها إلى محافظة النجف حيث جرّب نشر الكرات في مقبرة وادي السلام عام 2025، كما يشير إلى أن جهات أخرى بدأت بتطوير الفكرة باستخدام الطائرات المسيّرة (الدرون) لنثر الكرات في مناطق أوسع تشمل السهول والوديان والجبال بعد عرض نتائج الأعوام 2023 و2024.

من جانبه، يرى المستكشف والناشط البيئي أحمد الساعدي أن السويطي “بذل جهوداً كبيرة في تشجير مناطق الجزيرة باستخدام كرات البذور، خاصة في المناطق النائية والمنخفضة التي تحمي البذور من الطيور وتوفر لها ظروف الانتظار حتى هطول الأمطار”، مشدداً على ضرورة دعمه عبر تخصيص مساحة داخل المحافظة وتحويلها إلى مشتل خاص به لإعداد نباتاته، نظراً لخبرته في اختيار الأنواع المناسبة للتشجير.

المستكشف والناشط البيئي أحمد الساعدي
المستكشف والناشط البيئي أحمد الساعدي

 السويطي، المعروف محلياً بلقب “قاهر الصحراء”، يواصل عمله في إعداد آلاف الكرات الطينية سنوياً، حيث تحتوي كل كرة على بذرتين إلى ثلاث، مؤكداً أن دافعه لا يرتبط بالمكسب المادي أو السعي وراء الشهرة، بل هدفه يتمثل في “توفير بيئة للكائنات الحية مثل الطيور والحيوانات، ودعم التنوع الأحيائي”.

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali