بغداد- أبو طالب الزيدي
وسط ضجيج منطقة الميدان في قلب بغداد، وحيث تلتقي رائحة الماضي برطوبة الجدران المتهالكة، يقف حمزة “أبو تحسين” خلف بسطية صغيرة لا تتجاوز المتر الواحد، يعرض عليها ساعات “جوفيال” متوقفة، ومسابح من عظم الجمل، وخواتم عقيق بهت لونها بفعل الزمن اضافة إلى حواسيب قديمة بدت غريبة وسط هذه القطع.
يعدل الرجل السبعيني نظارته السميكة التي يربط إطارها بخيط صوفي، ويمسح بقطعة قماش مهترئة وجه راديو خشبي قديم، ويمسك شاربه الأبيض بحسرة ويقول بصوت مختنق: “هذا الراديو شهد خطاب التأميم، واليوم صاحبه باعه لي بخمسة آلاف دينار ليشتري رصيداً لهاتفه اللمس.. الدنيا دارت يا ابني”.

تُعدّ منطقة الميدان من أقدم مناطق بغداد التجارية، ويُعرف سوقها الشعبي الممتد في الأزقة الضيقة باسم “سوق الهرج”، حيث تنتشر مئات البسطات التي تعرض مقتنيات مستعملة وأغراضاً نادرة تعود لعقود مختلفة. ويشهد السوق ذروة نشاطه في عطلة نهاية الأسبوع، حين يتحول إلى وجهة لهواة التحف والباحثين عن أشياء فقدت قيمتها عند أصحابها، لكنها ما تزال تحتفظ بقيمتها عند آخرين.

بالنسبة لأبو تحسين، فإن “سوق الهرج” كما يحلو لمرتاديه تسميته، ليس مجرد ساحة للبيع والشراء، بل هو “متحف الفقراء” الذي يمتد من جامع الأحمدية وصولاً إلى محلات “الأنتيكات” الفاخرة. فهنا في الأزقة الملتوية، يباع كل شيء من برغي صدئ سقط من ماكينة خياطة في الستينيات، إلى لوحات تشكيلية لشخصيات مجهولة غادر أصحابها الحياة وتركوا إرثهم على أرصفة الشارع.

لم يكن الوصول إلى “كلمات” أبو تحسين بالأمر الهين، فالحديث في الميدان “شحيح” كبضائعه النادرة. أغلب الباعة هنا، ممن خط الشيب ملامحهم، يلوذون بصمتٍ مهيب، يرفضون الإدلاء بتصاريح أو إجراء مقابلات صحفية، وكأنهم يخشون أن تسرق الكاميرات ما تبقى من هدوء خيباتهم. ينظرون بريبة إلى كل غريب يسأل، فالحكايات عندهم ليست للنشر، بل هي “أسرار مهنة” وعمر يرفضون عرضه للمزايدة. وبعد محاولات مضنية ومودة “بغدادية” استثنائية، وافق بائع آخر أن يكسر صمته.

يقول البائع الخمسيني إن معظم الباعة هنا بدأوا المهنة ببيع قطع بسيطة جمعوها من منازل قديمة في بغداد، قبل أن تتحول البسطات الصغيرة المتجاورة إلى مصدر رزقٍ الوحيد، ويشير البائع إلى أن البيع لم يعد كما كان في السابق، إذ كان السوق يشهد حركة نشطة يومياً، بينما بات اليوم يعتمد على أيام محدودة في الأسبوع.

حاتم، وهو أحد الباعة القدامى في السوق، يبيع العملات والكتب، ويعد من المتابعين لتغيرات السوق وحركة الإقبال فيه، يضيف وهو يشير إلى زاوية مليئة بالكتب والعملات الورقية الملغاة: “السوق يعاني من قلة التقدير، أحياناً تباع مقتنيات لشخصيات أدبية وعسكرية كبيرة على الرصيف لأن الورثة يريدون التخلص من (الكراكيب)، ونحن هنا نلتقط هذا التاريخ ونحاول الحفاظ عليه”.

مع اقتراب موعد الغداء، تبدأ الحركة بالخمول في “الميدان”، يلملم أبو تحسين بسطيته، يضع الساعات المعطلة في حقيبة جلدية عتيقة، ويغطي الراديو الخشبي بقطعة من النايلون خوفاً من غبار مفاجئ. ينسحب الرجل ببطء، حاملاً معه خيبات يوم لم يبع فيه سوى “محبس” فضة صغير بحسب قوله. وقبل أن يغادر، ينظر مرة أخيرة إلى الراديو الخشبي الذي أعاده إلى مكانه، كأنه يتفقد قطعة من ذاكرة المدينة، لا مجرد بضاعة لم تُبع.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.






