قصص من الشارع

اسمٌ معروف وموقعٌ مجهول.. العثور على مملكة باشيمي المفقودة

15/05/2026

ميسان- مهدي الساعدي

قبل أن يُكشف موقعها بسنوات طويلة، كان اسم باشيمي يتكرر في النصوص الأكادية بوصفه مدينةً قائمةً بذاتها، دون أن يُعرف موضعها على الأرض. اليوم، يقود هذا الاسم إلى ميسان، جنوب العراق على بعد 380 كم جنوب شرق العاصمة بغداد، حيث تنتشر مئات المواقع الآثارية المشخصة العائدة إلى حقب تاريخية مختلفة. وعلى الرغم من قلة التنقيبات في تلك المواقع، إلا أنها كشفت عن واحدة من أهم وأقدم المدن الآثارية فيها، ويعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد وتُدعى مدينة باشيمي.

ميسان من المحافظات التي تضم مئات المواقع الأثرية، التي عُرفت أطلالها بين السكان باسم (يشن)، وهي جمع كلمة (إيشان) التي تعود إلى لغة مندثرة وتعني تلّاً أثرياً. وتوزعت تلك المواقع على جميع مناطق المحافظة وفي مختلف اتجاهاتها، ما يؤيد كونها من المناطق المأهولة منذ آلاف السنين.

في هذا الصدد يؤكد مرتضى الأعرجي، مفتش آثار وتراث ميسان، للمنصة أن المحافظة الجنوبية تمتلك ما يقارب 604 موقعاً أثرياً، موزعة على أقضية ونواحي وقصبات المحافظة وفق المسوحات التي أجرتها مفتشية آثار وتراث ميسان، وغالبيتها عبارة عن تلال متصلة وبمساحات كبيرة تمتد من شمال المحافظة، من ناحية سيد أحمد الرفاعي التي تحتوي 175 موقعاً أثرياً وصولاً إلى قضاء الكميت في 88 موقعاً، وأغلبها تعود للفترات الساسانية والفرثية والإسلامية، وتصل إلى جنوب المحافظة في قضاء قلعة صالح وناحية العزير حيث يوجد أكثر من 70 موقعاً أثرياً.

 

مرتضى الأعرجي، مفتش آثار وتراث ميسان
مرتضى الأعرجي، مفتش آثار وتراث ميسان

كما يوجد في أهوار قضاء المجر الكبير أكثر من 28 موقعاً أثرياً، وفي غرب المحافظة يتوزع أكثر من 40 موقعاً أثرياً على قضاء الميمونة وناحية السلام، وتعود إلى عصور ما قبل الإسلام منها الفرثية والساسانية.

أما في شرق المحافظة وبالتحديد في ناحية المشرح فيوجد بحسب الأعرجي ما يقارب 40 موقعاً أثرياً وفي قضاء الكحلاء هناك 50 موقعاً أثرياً، أما منطقة الطيب فتحتوي أكثر من 35 موقعاً أثرياً تعود لفترات مختلفة ومنها العصر الحجري الحديث (عصر العبيد) والعصر السومري والبابلي القديم والوسيط والحديث.

مفتش آثار وتراث ميسان في أحد مواقع التنقيب
مفتش آثار وتراث ميسان في أحد مواقع التنقيب

ولم يكن هذا الأمر خافياً على خبراء الآثار والتراث في العراق، إذ يدركون العمق الآثاري والتاريخي لمدن ودويلات نشأت في ميسان منذ آلاف السنين، إذ يقول الخبير الآثاري عامر عبد الرزاق للمنصة “تحتوي محافظة ميسان على مواقع أثرية غاية في الأهمية، من ضمنها مواقع سومرية وأخرى بابلية بالإضافة إلى المواقع الفرثية والساسانية والإسلامية أيضاً”، محدداً أسباب ابتعاد المحافظة عن الاهتمام الآثاري بقوله “قلة نسبة التنقيب فيها نتيجة لقلة الاهتمام والدعم الحكومي، وكذلك انعدام وجود التسليط الإعلامي على المواقع الأثرية في ميسان، سواء كانت محلياً أو دولياً”.

الخبير الآثاري عامر عبد الرزاق
الخبير الآثاري عامر عبد الرزاق

في عام 2007 حطت بعثة تنقيبية تابعة للهيئة العامة للآثار والتراث رحالها في تل أبي شيجة الأثري، الواقع في منطقة الطيب على بعد 65 كم شرق مدينة العمارة، وبعد أعمال استمرت خمسة أشهر أعلنت اكتشاف مدينة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد تُدعى (باشيمي). وطبقاً للمعطيات، فإن مدينة أو مملكة باشيمي التي ازدهرت في الألف الثالث قبل الميلاد سبقت زمنياً مملكة ميسان التي تأسست سنة 170 قبل الميلاد، والتي امتدت حدودها إلى الخليج العربي.

تمثال إله مكتشف في باشيمي
تمثال إله مكتشف في باشيمي

يوضح الأعرجي أن “البعثة نقبت مساحة تُقدّر بدونمين ونصف من تل أبي شيجة الأثري، الذي تبلغ مساحته 48 دونماً، وقد كشفت التنقيبات عن معبد بيضوي الشكل يعود للعصر الأكادي مبني باللبن المربع وله أربعة مداخل، وعُثر داخله على تمثال من المرمر المعرق ارتفاعه 75 سم وبعرض 57 سم، وهو شبه مجسم وُجدت عليه ستة أسطر من الكتابة المسمارية، وتم التعرف من خلالها على اسم الإله شودا، والمدينة باشيمي واسم الحاكم شورابيل حفيد سرجون الأكدي، والفترة التاريخية لهذا الحاكم 2260 قبل الميلاد، كما اكتشفت البعثة لقىً أثريةً كثيرةً ووحدات بنائية مختلفة تعود للعصر الأكادي”.

كتابة مسمارية من مدينة باشيمي
كتابة مسمارية من مدينة باشيمي

وكان تل أبي شيجة قد تعرض إلى أعمال حفر تخريبية أثناء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي بسبب حفر الخنادق والمواضع العسكرية.

وعلى الرغم من إعلان اكتشاف مدينة باشيمي عام 2007، فإن اسمها كان معروفاً لدى الباحثين والمؤرخين، لوروده في العديد من النصوص المسمارية التي عُثر عليها في مناطق مختلفة.

يؤكد البروفيسور نائل حنون، الباحث في مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية في جامعة نزوى في سلطنة عُمان، للمنصة أن “مدينة باشيمي من المدن المهمة، التي ذكرتها النصوص المسمارية من عصر الدولة الأكادية، وعصر سلالة أور الثالثة والبابلي القديم وحتى ذُكرت في نصوص العصر الآشوري الحديث، أي أنها مدينة بقيت عامرةً لثلاثة آلاف عام على أقل تقدير”.

البروفيسور نائل حنون
البروفيسور نائل حنون

ويضيف “رغم هذا بقي موقعها مجهولاً وكان العلماء الأجانب يطابقونها مع مدينة بوشهر الإيرانية، حتى جاء هذا الاكتشاف ليصحح ذلك الخطأ ونعرف من أسماء حكامها في عصر الدولة الأكادية إپولٌ ابن إلشو-رابي”، مبيناً أن “اسم هذه المدينة ورد في عدة نصوص ذات مواضيع مختلفة، وبهذا عُرف وجودها وتاريخها قبل اكتشاف موقعها للعلم أنه من الصعب إيجاد معنى لمعظم الأسماء الجغرافية ومنها كلمة باشيمي”.

لا يمنع اكتشاف مدينة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، والمتمثلة بمدينة أو مملكة (كما يُرجّح) باشيمي، من وجود مدن وممالك أخرى لا تزال مطمورةً تحت الأرض، بسبب قلة عمليات التنقيب في مئات المواقع الأثرية التي تزخر بها ميسان.

الخبير الآثاري عامر عبد الرزاق
الخبير الآثاري عامر عبد الرزاق

ويعزو عبد الرزاق ذلك إلى “قلة وانعدام التخصيصات المالية للهيئة العامة للآثار والتراث، خصوصاً بعد إلغاء وزارة السياحة والآثار عام 2014 بحجة التقشف ودمجها مع وزارة الثقافة، بينما بلد مثل العراق يتربع على أكثر من 25 ألف موقع أثري بحاجة إلى وزارة مختصة تدير شؤونها، كما تُعد وزارة الثقافة من أقل الوزارات تخصيصاً وأقلها مرتبات لموظفيها، وتُعد أيضاً من الوزارات غير المدعومة”، مؤكداً أن “عمليات التنقيب والبحث بحاجة إلى دعمٍ مالي، وتحتاج إلى اهتمام، وتتلخص تبعاتها بقلة أعداد وبناء المتاحف، ويمكن القول إن عدم وجود اهتمام حكومي بالآثار وتنقيبها واستخراج القطع الأثرية وبناء متاحف عملاقة تليق بتلك المواقع وتلك الاكتشافات، لا يسمح باستثمارها وخلق اقتصاد عراقي بديل مهم جداً من الآثار والسياحة”.

إحدى اللقى الأثرية في موقع التنقيب
إحدى اللقى الأثرية في موقع التنقيب

هذا الاكتشاف الذي تحقق عبر تنقيب مساحة محدودة لا تتجاوز دونمين ونصف من أصل 48 دونماً، يعطي انطباعاً أولياً بأن النسبة الأكبر من خفايا وأسرار مملكة باشيمي لا تزال مطمورةً تحت الأرض في تلٍ أثري واحد، في وقت تبقى فيه مئات التلال الأخرى المنتشرة في أنحاء المحافظة مجهولة الأسرار.

وبين ما كُشف من آثارٍ وما لا يزال مطموراً تحت الأرض، تبدو باشيمي نموذجاً لما تخفيه ميسان من تاريخٍ لم يُقرأ بعد، مع الحاجة إلى حماية هذا الإرث واستثماره بوصفه مورداً معرفياً وسياحياً في آنٍ واحد.

 

 

 

 

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali