قصص من الشارع

من سرق الصحراء؟ عن التحول الصناعي في بادية المثنى

25/05/2026

في جنوبي العراق، بين المقالع ومعامل الإسمنت، تضيق الأرض قطعة قطعة وتتبدل حياة الناس، حتى لم يعد واضحاً ما الذي تبقى منها

نشوى نعيم- المثنى

 

في ناحية البصية أقصى جنوب العراق، عند المثلث الحدودي مع السعودية والكويت، لا تبقى الصحراء على حالها. كانت أرضاً مفتوحة للرعي والترحال، أما اليوم فتعلوها سحابات الدخان، وتتمدد فيها مقالع الحجر، وتواصل الآليات الثقيلة عملها بلا انقطاع.

تسارع هذا التحول بعد عام 2003 مع اتساع عمليات المسح الجيولوجي التي جاءت بوعود الاستثمار وفرص العمل، لكنها في المقابل دفعت المنطقة إلى استنزاف مفتوح غيّر تدريجياً علاقة الصحراء بسكانها ومسار حياتهم.

طبقات الرمل والحجر 

في هذه البقعة النائية، عُرفت الصحراء على نحو آخر. كان الناس يرفعون أبصارهم إلى السماء، يترقبون ما قد تحمله الغيوم في أرض تتناوب عليها الكثبان والواحات، وتعبرها الطيور المهاجرة وتحلّق فوقها صقور البادية، فيما ترعى قطعان الجمال على امتداد الأفق. عاش الناس فيها على هيئة قبائل تتبدل مواقعها وأعدادها مع الفصول، بينما تظل الشمس سيدة المكان تبسط ضوءها على نحو 24 ألف كيلومتر مربع من المساحات المترامية.

لكن ما يبدو سطحاً صحراوياً ممتداً، يخفي تحته طبقات من الرمل والحجر ومواد خام ستغيّر لاحقاً نظرة الناس إلى هذه الأرض، مع تحولها إلى مجال للاستخراج والاستثمار.

تقع البصية على واد رملي بعمق يتراوح بين ستة وسبعة أمتار، تعلوه طبقة حجرية تحد من تسرب المياه إلى الأسفل، ما يجعلها أشبه بحوض واسع تتجمع فيه آبار سطحية. ويُرجَّح أن اسمها مشتق من «بصيص» الماء، أي ذلك الذي ينبع بين الحجر والحصى، وهي الآبار التي اعتادت قوافل العرب القادمة من نجد التوقف عندها في طريقها إلى مدن جنوب العراق، فتتخذها محطة للعبور.

وبحسب تعداد عام 2025 يبلغ عدد سكان البصية نحو 5200 نسمة تمتد عاداتهم وأنماط عيشهم من عمق شبه الجزيرة العربية. وللحياة هنا مساران واضحان: بدو رحّل يربون الأغنام والإبل في المراعي الطبيعية ويتنقلون باستمرار بحثاً عن الكلأ والماء؛ حيواناتهم ليست مجرد مورد، بل عالم قائم بذاته، بأسمائه وعلاقاته، من الصقور إلى الجمال والماشية، لكلٍ اسم يُنادى به ويُعرَف بين أصحابه ويرتبط به مسار الترحال، حيث تُقطع لأجله مئات وأحياناً آلاف الكيلومترات.

في المقابل اتجه آخرون إلى الاستقرار، فاستبدلوا الترحال بالبناء، وسكنوا بيوتاً حجرية نشأت في الأصل من خيام أقامها آباؤهم في المكان ذاته. ومع الوقت تحوّل جزء من الصحراء إلى نواة مدينة: كهرباء، طرق معبدة، مدارس، ومراكز شرطة، فيما التحق بعضهم بوظائف حكومية غيرت إيقاع حياتهم اليومية.

صحراء ومدينة 

يقول أحمد حمدان، مؤرخ تراث البصية ورئيس التجمع البيئي والإحيائي في المنطقة، إن أولى التجمعات السكانية الحضرية في البصية بدأت مع تشييدها بشكلها الحديث عام 1927 خلال حقبة الاستعمار البريطاني على يد ضابط المخابرات البريطاني جون كلوب باشا الذي بنى مركز شرطة كبيراً عُرف بـ «القصر العسكري»، لصد هجمات جماعات «الإخوان النجديين»، وهي تشكيلات قبلية مسلحة نشأت في الجزيرة العربية آنذاك، واعتمدت الغزو كوسيلة للسيطرة والتوسع في المناطق الحدودية. تلك الجماعات كانت مجهزة بآلاف الرجال والأسلحة لمهاجمة القبائل العراقية المتفرقة واستباحة حلالها وأموالها، في زمن كان فيه الغزو العشائري يُعد رمزاً للقوة وليس عملاً خارجاً عن القانون.

كان كلوب باشا من أكثر الضباط البريطانيين احتكاكاً بالمجتمع العراقي، إذ أتقن العربية ولهجات القبائل، وكتب لاحقاً عن البادية وأحوالها، وشكّل تأسيسه هذا المركز نقطة تحول في حياة السكان الذين شهدوا أولى عمليات التوظيف الأمني برواتب ثابتة، بعد أن كان الصيد والرعي مصدر عيشهم الأساسي.

ومع بدء صرف الرواتب اتجه الناس إلى الاستقرار، فبنوا بيوتاً حول المركز بلغ عددها نحو 30 بيتاً عام 1928، ما استدعى لاحقاً فتح محال بسيطة سرعان ما تحولت إلى سوق صغير، قبل إنشاء أول مدرسة عام 1948.

ظلت البصية تتحرك بهذا الإيقاع البطيء لعقود، لكن ما جرى في العقدين الأخيرين غيّر شكلها على نحو جذري، فالمنطقة التي كانت فضاءً صحراوياً نائياً صارت اليوم مدينة صناعية، تحجب سماءها أعمدة الدخان الأسود، وتثقل هواءها المواد الكيمياوية، وتتعثر قطعان جمالها بالحفر وحجارة المقالع الصغيرة والكبيرة.

سنوات التحول

خلال سنوات الحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي بقيت البصية خارج نطاق الاهتمام. يقول مدير الناحية هايف صالح إن «المنطقة لم تكن آنذاك على خارطة الاستثمار أو الصناعة». لكن الصورة بدأت تتغير بعد عام 2003 مع دخول شركات أجنبية إلى قطاع الصناعة، بالتوازي مع إقرار قوانين فتحت المجال أمام استكشاف المواد الأولية واستثمارها. وفي عام 2019 خُصص نحو ملياري دينار (قرابة 1.7 مليون دولار) لأعمال المسح الجيولوجي في خطوة أسهمت في توجيه الأنظار -والاستثمارات- نحو البصية.

كشفت تلك المسوحات عن وفرة كبيرة في المواد الأولية: رمال تدخل في صناعة الزجاج، وأحجار تُستخدم في الإسمنت والسيراميك، وكذلك عشرات المقالع لاستخراج الحصى ومواد البناء. كما أظهرت تنوعاً لافتاً في طبيعة الصخور، بين البركانية والكلسية والجبسية والصلصالية، بالإضافة إلى الغرانيت والسيليكا. هذا التنوع إلى جانب اتساع مساحة البادية شكّل قاعدة لقيام مشاريع صناعية في المنطقة، كان أبرزها إنشاء معامل الإسمنت.

لم تعد البصية صحراء مفتوحة كما كانت، فاليوم ينتشر فيها 11 معمل إسمنت من بينها معمل «المتحدة» أحد أكبر معامل الإنتاج في الشرق الأوسط، ومعامل للزجاج والسيراميك، وأخرى لإنتاج اليوريا (سماد نيتروجيني) والأدوية. ومع الاكتشافات النفطية الأخيرة التي دفعت إلى وصف المنطقة بأنها «تطفو على نهر من النفط» تسارعت وتيرة الاستثمار على نحو غير مسبوق، واتسعت معها رقعة الاستغلال.

سوق للمقاولين

شير صالح إلى أن المنطقة الواقعة في المثلث الحدودي جنوب العراق تملك حسب التقديرات احتياطياً يعادل حقل الرميلة النفطي في البصرة أحد أكبر حقول النفط في العالم، والمقدّر بنحو 17 مليار برميل. وقبل أسابيع جرى اكتشاف ثلاثة حقول ضخمة فيها، أُحيلت إدارتها إلى شركة «سومو» العراقية.

لكن هذا التوسع لم يجرِ وفق مسار منظم، ففي ظل ضعف الرقابة وتضارب المصالح تحولت عمليات استخراج المواد الأولية إلى سوق مفتوحة أمام المقاولين، أفراداً وشركات، تُستغل فيها الموارد بوتيرة عالية، غالباً خارج الأطر القانونية، لتلبية الطلب المتزايد في سوق البناء.

إجازات العمل في المقالع تبرز كأحد أبرز وجوه هذا الخلل، إذ جرى الحفر في كثير منها بشكل مخالف للقانون، ما أدى إلى خروج بعضها عن الخدمة مقابل توسّع أخرى بصورة غير نظامية، بحسب حمدان.

وفقاً للأنظمة المعمول بها تحدد الإدارة المحلية في قسم الأملاك بمحافظة المثنى، بالتنسيق مع وزارة الصناعة والمعادن وهيئة المسح الجيولوجي، مسار الحصول على إجازات العمل في مقالع الحجر، كما تُقدَّر رسومها بحسب المساحة. وتُمنح المعامل إجازات استثمارية يُستوفى عنها بدل إيجار سنوي على أن تكون مناطق الاستغلال قريبة من موقع المعمل، بحسب النائب الأول لمحافظ المثنى حيدر الوهامي. وتتفاوت مدد هذه الإجازات، إذ تصل في بعض الحالات، خصوصاً لمعامل الإسمنت إلى 50 عاماً أو أكثر، بينما تُمنح إجازات أخرى للمقاولين لفترات قصيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات.

هذا ما تنص عليه اللوائح، لكن ما يحدث على أرض الواقع مختلف.

«هيج تمشي الأمور»

يقول حمدان إن عملية استثمار المواد الأولية في المنطقة تحولت إلى ما يشبه «بورصة»، حيث تُسوَّق هذه المواد مباشرة من دون إخضاعها للرقابة الحكومية، لتلبية احتياجات البناء والأنشطة الصناعية، فمثلاً يعمل عدد كبير من المقالع بصورة غير قانونية بمعدل يومي يتجاوز 500 شاحنة.

يضيف أن التجاوزات لا تقتصر على حجم العمل بل تمتد إلى مساحات الاستغلال نفسها، إذ تُمنح إجازة للعمل ضمن مساحة محددة، لكن يجري التوسع خارجها. «ممكن يطلع إجازة لخمس دونمات ويشتغل بعشرة، ومن تجي الدولة يكون مجاز» يقول حمدان، مشيراً إلى أن التجاوز لا يقتصر على الحفر العمودي، بل يشمل أيضاً الحفر الأفقي الذي قد يمتد إلى 300 متر.

نمط آخر من العمل يظهر في مواقع لم تحصل على إذن أساساً، مدفوعاً بالحاجة المتزايدة إلى المواد، خصوصاً من شركات البناء في محافظات الجنوب والوسط. تُشغَّل في هذه المواقع مقالع غير مرخصة لتأمين كميات كبيرة من «السبيس»، وهو خليط من الرمل والحصى المكسر ومواد أخرى قد تصل إلى عشرات آلاف الأطنان يومياً، وتُسند المهمة فيها إلى مقاولين يشغّلون الآليات الثقيلة والشاحنات للبيع المباشر.

«حتى من يملكون إجازات يشتغلون في مواقع متجاوزة لأنها أقل كلفة. عندما يدفعون رسوم الإجازة، مثلاً، في المقالع القانونية تصل الكلفة إلى خمسة آلاف دينار للطن الواحد، بينما تنخفض في المواقع المتجاوزة إلى ربع هذا الرقم»، يوضح رئيس التجمع البيئي والإحيائي في المنطقة.

وبحسب حمدان، يتحكم الفساد أيضاً بمنح إجازات العمل في المقالع، إذ تُصدَر بعض هذه الإجازات مقابل مبالغ مالية كبيرة من دون إجراء فحص موقعي أو تحديد دقيق لمساحات العمل. وفي المقابل، تُعرقل المعاملات الرسمية عبر فرض شروط وطلبات تعجيزية، ما يدفع الراغبين إلى اللجوء إلى وسطاء، فيما يُعرف محلياً بـ «المفتاح»، وهو شخص داخل الدوائر الحكومية يتولى تمرير المعاملات مقابل رشى.

«وهيج تمشي الأمور، يأخذ الإجازة بدون فحص وبدون رقابة على تحديد المساحة، وحتى التجاوزات ما يصير بيها محاسبة» يقول حمدان، مقدراً عدد العاملين في المقالع بنحو ألف شخص يتبع قسم منهم لمقاولين رئيسين.

مُجاز.. غير مُجاز 

يحكي أبو علي 45 عاماً، سائق شاحنة يعمل في مقالع البصية، عن رواج استخراج المواد من مقالع البادية لإمداد سوق البناء. تنقل شاحنته يومياً حمولتين من «السبيس» تزن كل واحدة بين 60 و65 طناً، فيما تبلغ أجرة التحميل نحو 55 ألف دينار أي حوالي 42 دولاراً أمريكياً.

ويصل سعر حمولة الحجر التي يرتفع الطلب عليها خصوصاً لبناء البيوت إلى ما يتراوح بين 300 و350 ألف دينار (نحو 270 دولاراً)، ومع ازدياد عدد الشاحنات العاملة في المقالع انخفضت الأسعار. «عدنا سوق بمركز المدينة، مثلاً أحد يريد يبني بيت يجي يشتري سبيس، حصو، رمل، حجر» يقول أبو علي.

لا يقتصر عمل أبو علي على نقل المواد بل يمتد إلى التنسيق مع معامل الإسمنت التي تشتري يومياً ما لا يقل عن 150 متراً مكعباً من المواد الأولية. لكن الأمر لا يكون دائماً بهذه السهولة، إذ يفرض المستثمرون أحياناً مقلعاً محدداً لجلب المواد منه «المستثمر يقول لي أريد من المقلع الفلاني لأن السبيس مالته أو الحجر ناجح مختبرياً، فننجبر نحمّل من المقلع الي يحدده».

تعرض أبو علي للاعتقال إثر مداهمة للشرطة بسبب عمله في مقلع غير مجاز «أني شلون أعرف إجازته منتهية؟ شنو ذنبي حتى يعتقلوني؟ روح سد المقلع، حتى لما أشوفه مسدود ما أدخل عليه بعد» يقول. خرج الرجل لاحقاً بكفالة بعد توقيعه تعهداً بعدم التحميل أو العمل في مقالع غير مجازة على أن تُحال أي مخالفة إلى المحاكمة، فيما بقيت الشاحنة التي يعمل عليها محتجزة لمدة 20 يوماً.

من جهته يقول المهندس حيدر الوهامي النائب الفني لمحافظ المثنى إن «جميع العاملين في المقالع مجازون»، سواء أكانوا من المقاولين أم من الشركات، مشيراً إلى أن أنشطتهم تُراقَب عبر أنظمة تحديد المواقع (GPS) استناداً إلى خرائط دقيقة لدى هيئة المسح الجيولوجي التي تُحدّث باستمرار نطاقات الاستثمار، نظراً لاتساع مساحة البادية البالغة نحو 8 ملايين دونم.

ويرى الوهامي أن «استغلال هذه الموارد يسهم في تقليل البطالة وخفض الاستيراد والطلب على العملة الأجنبية، فضلاً عن دوره في تعزيز الاستقرار الأمني في مناطق البادية».

صورة ناقصة

لا تتوفر بيانات دقيقة حول عدد المقالع والمساحات المستغلة والكميات المستخرجة، لكن الوهامي يعرض مؤشرات جزئية على حجم النشاط، إذ يستهلك معمل إسمنت «نجمة السماوة» سنوياً نحو 944 ألف متر مكعب من حجر الكلس، و410 آلاف متر مكعب من الأطيان، فيما يستهلك معمل «سامان» أكثر من مليون متر مكعب من الحجر، ونحو 500 ألف متر مكعب من الأطيان سنوياً. كما تستهلك المقالع المجازة للمقاولين، دون المعامل، نحو مليوني متر مكعب سنوياً ضمن مناطق مُهيأة من قبل هيئة المسح الجيولوجي.

وعلى الرغم من هذه الأرقام تبقى الصورة غير مكتملة. يؤكد مدير دائرة الأملاك أحمد قاسم أن إحدى شركات الإنشاءات استثمرت وحدها نحو مليون و800 ألف متر مكعب، لكنها تجاوزت الحدود المسموح بها، ما أدى إلى تغريمها مبلغ 400 مليون دينار (نحو 300 ألف دولار) خلال عام 2025، ويشير قاسم إلى صعوبة حصر أعداد المتجاوزين بدقة بسبب تزايدهم المستمر، إذ تم خلال الأشهر الستة الماضية ضبط أكثر من 80 حالة تجاوز بالتعاون مع وزارة الداخلية.

بينما اتجهت محافظة المثنى في عام 2023 إلى المحاكم لرفع دعاوى على معامل الإسمنت بعد أن استخرجت كميات من المواد الأولية من مقالع الحجر خارج المساحات المتفق عليها، وبلغت الغرامات المفروضة أكثر من 4 مليارات دينار (حوالي 3 ملايين دولار).

كذلك يؤكد صالح مدير ناحية البصية أنه ومنذ تسلمه المنصب قبل نحو عام أعاد إلى ميزانية المحافظة ما يقارب 700 مليون دينار (نحو 540 ألف دولار)، وهي غرامات على تجاوزات دفعها مستثمرون بموجب أوامر قضائية، وتُحتسب هذه الغرامات وفق تقديرات هيئة المسح الجيولوجي بضعف السعر القانوني لاستخراج المتر المكعب الواحد.

حوار بين شيخ ومزارع

أعمال الحفر في المقالع المتجاوزة خلّفت آثاراً أخرى في طبيعة المنطقة، فقد امتلأت الحفر بالمياه مع هطول الأمطار، وتغذّت بانجراف السيول القادمة من السعودية والكويت، فتحولت إلى ما يشبه بحيرات صناعية يتجاوز عمق بعضها 30 متراً وتبتلع كل ما يخطو فوقها. ولا يقتصر تأثير المقالع على هذا التحول البيئي، بل يمتد إلى الأراضي الزراعية التي بدأت تتآكل لصالحها.

يلاحظ عبد الله 39 عاماً وهو أحد سكان البصية، أن أغلب المقالع الحالية تقع في أراض كانت تستخدم للزراعة، مشيراً إلى أن انتشارها لم يعد محصوراً في مناطق محددة كما في السابق، بل توسّع تدريجياً ليشمل مناطق مجاورة مثل الكصير والخماديات والأشعلي.

يأتي هذا التحول في منطقة لم تعرف الزراعة على نطاق واسع، بالرغم من توفر الآبار، إلا في تسعينيات القرن الماضي، حين اضطر السكان إلى اللجوء إليها خلال سنوات الحصار الاقتصادي الذي دام 13 عاماً، حيث مُنع العراق من الاستيراد والتصدير، ما دفعهم إلى الاعتماد على الإنتاج المحلي لتأمين حاجاتهم اليومية.

لكن التغير الأكبر في نمط الزراعة من نشاط فردي يلبي الاحتياجات إلى عقود زراعية تديرها الدولة وتسيطر عليها، جاء نتيجة جفاف الأنهار في معظم المدن العراقية. وفي الوقت نفسه دفع اهتمام الشركات بالمياه الجوفية -التي يُقدَّر مخزونها في بادية المثنى وحدها بنحو 16 مليار متر مكعب- إلى تحويل الزراعة إلى نشاط استثماري. واليوم تتركز في البصية أكثر من 400 مزرعة استثمارية تُقدَّر مساحة كل واحدة منها بآلاف الدونمات، تُزرع بالحنطة والشعير والمحاصيل الصيفية.

الضغط العشائري أحد أسباب تخلي أصحاب الأراضي الزراعية عنها وتحويلها إلى مقالع، بحسب عبد الله، ويشرح أن شيخ العشيرة يعرض على صاحب الأرض مبالغ شهرية، غالباً من دون أن يكون مدركاً لتبعات القرار. «الشيخ يقول للمزارع: هذه 5 ملايين شهرياً بدون زراعة وبدون دوخة راس، ويوقعه على أوراق موافقة. بعدها الشيخ يبيعها للمعمل أو المقاول بمبالغ تصل لـ 15 مليونا، أو يبيع أرضه بمليار ويسوي مشروع ويتخلص من الزراعة».

ولا ينفصل هذا الضغط عن تراجع جدوى الزراعة نفسها، فيرى عبد الله أن الزراعة كانت سابقاً مصدر عيش أساسياً للفلاحين، لكن أوضاعهم اليوم باتت أكثر صعوبة، إذ تتأخر الدولة في صرف مستحقاتهم المالية على الرغم من تسليمهم المحصول، كما لا تلتزم بتوفير مستلزمات الإنتاج من بذور ووقود، وتقيّد حفر آبار المياه بشروط مكلفة من بينها شراء مرشّات ري حديثة.

الزراعة والرعي.. وداعاً

يدفع الوهامي باتجاه توسيع الطابع الصناعي للمنطقة، إذ يرى أن على وزارة الزراعة عدم تجديد العقود الزراعية في تلك المناطق، باعتبار أن أغلبها بات يُدرج ضمن الاستثمارات الصناعية بناء على طلب وزارة الصناعة وهيئة الاستثمار والتنمية الصناعية، ويشير إلى إعداد مخطط جديد يقضي بتحويل المنطقة المحيطة بأبو غار -بمساحة تتراوح بين 5 و7 آلاف هكتار- إلى منطقة صناعية خالصة من دون أي نشاط زراعي.

بهذا المعنى لا تبدو الزراعة جزءاً من مستقبل هذه المناطق بقدر ما هي مرحلة عابرة في مسار التحول، إلا أن هذا التوجه يصطدم بواقع قائم، إذ سبق أن أُبرمت عقود زراعية في هذه الأراضي، ما دفع بعض المزارعين إلى التمسك بها ورفض التنازل عنها باعتبارها مسجلة بأسمائهم.

ويقول الوهامي إن هذا التداخل بين الاستخدامين الزراعي والصناعي أدى إلى اندلاع صراعات عشائرية بين أصحاب العقود الزراعية وأصحاب المقالع، معيداً أسباب الفوضى إلى منح العقود الزراعية في السابق بشكل غير منظم دون تخطيط دقيق أو تحديد واضح للأراضي.

لا تقتصر آثار التوسع الصناعي على الزراعة، بل تمتد إلى نمط العيش التقليدي في المنطقة، إذ تقطع هذه الاستثمارات الرعاة البدو عن مراعيهم وحيّزهم الطبيعي، لكن أحمد قاسم مدير دائرة الأملاك، يرى في هذا التحول «فرصة» لتغيير هذا النمط، قائلاً إن الرعي لم يعد مهنة دائمة في ظل التغير المناخي وقلة الأمطار «مهنة الرعي غير دائمة، وهذه فرص عمل الهم».

أسئلة من داخل الحفرة

يحذر الأكاديمي ورئيس قسم الجغرافيا في جامعة المثنى لطيف كامل، من أن استنزاف الموارد على مدى عقود ومن دون تعويض المتضررين لم يغيّر شكل الأرض فحسب، بل أحدث تشوهات بيئية عميقة أفقدت السكان مصادر رزقهم وأثرت على صحتهم.

فمع تصاعد النشاط الصناعي وتوسع أعمال الحفر وتكسير الصخور إلى جانب حركة الآليات الثقيلة، تتشكل كثبان رملية وتتصاعد عواصف غبارية، ما ينعكس مباشرة على خصوبة التربة ويؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي.

ويرى أن الاستثمار بهذا الشكل يحتاج إلى ضوابط أوضح وإشراف حكومي مباشر يشمل أيضاً شروطاً صحية غالباً ما تُغفل، مثل إبعاد الأنشطة الصناعية عن المناطق السكنية والزراعية لمسافة لا تقل عن 25 كيلومتراً، للحد من آثارها الصحية والبيئية إلى جانب إقامة هذه المنشآت باتجاه مخرج الرياح لتقليل انتقال الملوثات.

لكن ما حدث منذ بدء الخطط الاستثمارية على الأرض يسير في اتجاه مختلف، فمع اتساع هذا التحول لا تخسر البصية مواردها فقط، بل يتبدل شكل العيش فيها، تتراجع المراعي، وتنحسر الزراعة، وتضيق المساحات التي كانت تحتمل حياة كاملة.

وفي ما يتبقى يحاول الناس أن يمسكوا بما لا يُرى. في القصائد التي تُتداول، في صوت الربابة، في سباقات الخيل، وفي رقصات الدحة والسامري والكلطة، هناك في هذه التفاصيل تُحفظ ذاكرة المكان، ويستعاد شكل الحياة كما كان، يتمسكون بها لا بوصفها تراثاً، بل كآخر ما يدل عليهم، كلما ضاق الحيز من حولهم.

وفي كل مرة، حين تتسع الحفر وتقترب أكثر، يعود السؤال نفسه: من سرق الصحراء؟

 

تمت كتابة هذه القصة الصحفية ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ «الأكاديمية البديلة للصحافة العربية» ويعاد نشرها بالتنسيق مع خط٣٠

 

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali