أبو طالب الزيدي- بغداد
عند رصيف “ساحة التحريات” في منطقة الكرادة وسط بغداد، يمسح حسين علي (24 عاماً) حبات العرق المتصببة من جبينه. لا يملك وقتاً كافياً لإنهاء سيجارته، فرنين هاتفه الذكي يعلن، بنغمة حادة، وصول طلب جديد. ينطلق الشاب مسرعاً، من دون أن يسعفه الوقت لارتداء خوذة الأمان، ليدخل في سباق محموم مع عداد وقت رقمي مثبت على شاشة التطبيق، لا يتوقف عن التناقص.
يفتح أحمد جاسم، الذي يعمل كابتن توصيل منذ ثلاث سنوات، تطبيق الشركة ليرينا لوحة تحكمه الرقمية، ويقول بنبرة لا تخفي إحباطه: “النظام الرقمي لا يرحم. إذا تأخرت ببضع دقائق بسبب زحام خانق في ساحة النسور أو بسبب حاجز أمني مفاجئ، يهبط تقييمي فوراً. هذا التقييم ليس مجرد رقم افتراضي، بل يتحول إلى خصم مباشر من أجري اليومي، فالتقييم المتدني يعني رحلات أقل في الأيام القادمة وأجوراً أدنى للطلب الواحد”.
في المسافة بين وعود السلامة المهنية التي تطلقها شركات التوصيل في حملاتها الإعلانية، وواقع النظام الرقمي الصارم الذي يعاقب السائقين على كل دقيقة تأخير، تظهر أزمة كباتن التوصيل. إنها معادلة تضع السائق، بصورة مباشرة وشبه يومية، أمام المفاضلة بين سلامته الشخصية وتأمين قوته.
لكن السائقين لا يرون جميعاً أن الضغط يأتي من “الخوارزمية” وحدها. يقر سعدون كمال بوجود معادلة نفسية واقتصادية أخرى تتحكم في سلوكهم في الشارع، قائلاً: “التطبيق يغرينا بنظام (البونص) الإضافي إذا أنهينا عدداً معيناً من الطلبات في وقت قياسي ومحدد. أنا من يختار السرعة الجنونية أحياناً لزيادة دخلي، فنحن عالقون بين ضغط النظام التقني الصارم، وطموحنا في تحسين قوت يومنا في ظل غلاء المعيشة، ما يجعلنا نغض الطرف، مجبرين، عن أبسط قواعد المرور”.
وفي محاولة لرسم صورة دقيقة، مسندة بالأرقام، لواقع هذه الظاهرة المتنامية، اصطدمت عملية جمع البيانات بعقبة كبيرة، تتمثل في غياب أي تبويب إحصائي أو تصنيف خاص بحوادث “كباتن التوصيل” لدى وزارة الصحة العراقية. إذ تُدرج جميع هذه الحوادث ضمن التصنيف العام والواسع لـ”حوادث الدراجات النارية”، التي بلغت حصيلتها 48,244 إصابة و353 وفاة في عموم البلاد خلال عام 2025.
ولسد هذه الفجوة الإحصائية، أجرينا زيارات ميدانية إلى أقسام الطوارئ في عدد من مستشفيات بغداد الرئيسية، وهي اليرموك والكندي ومدينة الطب. وتشير إفادات العاملين في هذه الأقسام إلى أن كل مستشفى يستقبل، في المتوسط، حالة ناتجة عن حادث سير لسائق توصيل كل أسبوعين إلى أسبوعين ونصف.

ومن واقع تجربته، يصف الكابتن محمد علي هذه الحوادث قائلاً: “في ساعات الذروة الغذائية والمسائية، تتحول شوارع بغداد إلى حلبة سباق حقيقية، التنافس الشرس على التقاط الطلبات القريبة وضغط التوقيت يمنعاننا من التفكير في عواقب السرعة. الأمر يتجاوز شروط التطبيق، ليصبح سباقاً للبقاء يفرضه واقعنا الاقتصادي الصعب”.
ويبرز هنا وجه آخر للأزمة، يتعلق بالجانب التنظيمي والتشريعي في العراق. فبالرجوع إلى قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، تقع هذه الفئة الكبيرة من الشباب في “منطقة رمادية”، إذ تصنفهم الشركات بوصفهم “شركاء مستقلين” أو “مقاولين أحراراً”، وليسوا موظفين دائمين.

ويُخرج هذا التوصيف القانوني السائقين عملياً من مظلة التزامات الشركات المتعلقة بتوفير التأمين الصحي، أو التعويض عن إصابات العمل، أو حتى توفير راتب تقاعدي عند الإصابة بعجز ناجم عن الحوادث المرورية. ويؤكد مراقبون للشأن العمالي أن غياب إطار نقابي يمثل كباتن التوصيل يجعلهم الحلقة الأضعف في مواجهة شروط الشركات الاحتكارية.
وعندما وُجهت الأسئلة إلى إدارتي شركتين من أبرز الشركات وأكثرها سيطرة على قطاع التوصيل في السوق العراقية، أكدت الشركة الأولى، في رد خاص وحذر، أن سلامة “الكباتن” تقع في مقدمة أولوياتها، نافيةً بصورة قاطعة وجود أي سياسات عقابية أو خوارزميات تفرض خصماً من الأجور عند التأخير.
لكن هذا الرد يضعنا أمام مفارقة واضحة فالكابتن أحمد جاسم، الذي وثقنا شهادته بالصور والمعطيات حول العقوبات الرقمية وخفض التقييم تلقائياً، يعمل في هذه الشركة تحديداً. وهو ما يضع شعارات “السلامة أولاً” في مواجهة مباشرة مع نظامها التقني الذي يقتطع من أجور السائقين مع كل دقيقة تأخير يفرضها ازدحام بغداد. وفي المقابل، فضلت الشركة الثانية الصمت التام، ورفضت التعليق فور طرح الأسئلة ذاتها عليها.

يختفي حسين علي مجدداً في زحام شوارع الكرادة الخانق، تاركاً خلفه “وجبة ساخنة” وصلت إلى الزبون في موعدها تماماً، من دون أن تعكس حجم المخاطر التي تظهر بوضوح خلف أبواب غرف الطوارئ.
وتضع الشهادات الميدانية وعود الشركات المتعلقة بالسلامة في مواجهة مباشرة مع الأرقام وشهادات سائقيها على الأرض. وبانتظار تحرك حقيقي من الجهات الرقابية الحكومية، مثل وزارة العمل والاتحادات العمالية، لتبويب إحصائيات هذه الفئة ووضع أطر قانونية صارمة توازن بين سرعة الخدمة الرقمية وسلامة أرواح الشباب، يظل أسفلت بغداد العداد الحقيقي الوحيد الذي يوثق يومياً، بالدم والكسور، ضريبة هذا السباق الرقمي.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



