العمارة – مهدي الساعدي
مع حلول الليلة الثامنة من شهر محرم، تفوح في بيوت عراقية رائحة البخور، وتظهر أعواده مثبتة في كتل الحناء، تحيط بها أغصان الياس وتضيئها الشموع. تجتمع هذه العناصر في «صينية القاسم»، أحد أبرز طقوس عاشوراء التي تحافظ عليها مجتمعات عراقية، استذكاراً للشباب الشهداء الذين سالت دماؤهم في معركة كربلاء.

غير أن هذا الحضور الطقسي الكثيف يخفي وراءه مفارقة واضحة، فنبات الآس، المعروف لدى العراقيين باسم «الياس»، والمرتبط بتاريخ بلاد الرافدين ومجتمعاتها ودياناتها وعاداتها المتنوعة، اختفى إلى حد كبير من الحدائق العامة التي كانت تزدان به في مدينة العمارة، فيما بقيت أغصانه حاضرة في البيوت والمناسبات الدينية والشعبية.

ولا يبتعد المشهد كثيراً في «صينية زكريا»، التي تعدها عائلات عراقية في أول يوم أحد من شهر شعبان، إذ تحافظ أغصان الياس على مكانها إلى جانب الحناء والشموع والحلوى، في مناسبة تتوارثها العائلات وترتبط بالنذور والأمنيات.

وللنهر حكايته الخاصة مع الياس ورفيقيه الدائمين، الحناء والشموع. ففي مساء أول أربعاء من شهر أيار/ مايو، تجتمع عائلات عراقية قرب ضفاف الأنهار لإشعال الشموع وتركها تسبح فوق المياه إلى جانب أغصان الياس، حاملةً أمنيات أصحابها، ضمن طقس يعرف باسم «شموع الخضر».

وثمة أيضاً عيد خضر إلياس، المناسبة الدينية والتراثية التي يحتفي بها عراقيون في شهر شباط/ فبراير، وتعد من الأعياد المهمة لدى الإيزيديين. وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عيد خضر إلياس ونذوره في العراق، عام 2016، على قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، باعتباره تقليداً تشترك فيه جماعات دينية واجتماعية عراقية متعددة.

ولا يتوقف استخدام الآس عند هذه المناسبات، بل رافق العراقيين في أفراحهم وأحزانهم، وظل حاضراً في طقوس ديانات عراقية مختلفة، مستمداً استمراريته من جذوره التاريخية وصلته بحضارات بلاد الرافدين القديمة. ويقول الخبير الآثاري عامر عبد الرزاق للمنصة: «هناك قدسية لنبات الآس، أو الياس، في العراق القديم، فهو نبات سومري عراقي قديم عرفت هذه الأرض زراعته، وكان يسمى في اللغة الأكدية آسوم».
وتسجل المعاجم الأكدية لفظة «asu» للدلالة على نبات الآس، كما ترد فيها عبارة «زيت الآس»، وهو ما يؤكد معرفة سكان بلاد الرافدين بالنبات واستعمال مشتقاته منذ العصور القديمة.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن سكان بلاد الرافدين القدماء عدوا الآس رمزاً للنقاء والخلود والخصوبة، وربطوه بإنانا/عشتار، واستخدموا زيوته لتعطير الأماكن المقدسة. كما خلصت دراسة مقارنة عن استعمال الآس في الطقوس الدينية إلى أن حضوره في القرابين السومرية يرجح أن تكون الجذور الدينية والطقسية للنبات قد نشأت في بلاد الرافدين، قبل أن تنتقل إلى ثقافات ومعتقدات أخرى.
يعرف الآس بأوراقه الخضراء الصغيرة ورائحته العطرية المميزة، ولا يزال عراقيون يزرعونه في حدائق منازلهم. واسمه العلمي Myrtus communis، وهو شجيرة أو شجرة صغيرة دائمة الخضرة، يمتد موطنها الطبيعي من جزر المحيط الأطلسي والبحر المتوسط وصولاً إلى غرب آسيا وباكستان، ويقع العراق ضمن نطاق انتشارها الطبيعي.
وفي اللغة المندائية، تستخدم لفظة «الياس» للدلالة على الآس، الذي يحظى بمكانة خاصة لدى الصابئة المندائيين. ويقول رجل الدين فرحان المندائي للمنصة: «نبات الياس أحد النباتات الأساسية التي لها جذور في عالم النور، أو العالم الأزلي. وبحسب معتقدنا، يستخدم الملائكة الأثيريون هذا النبات في ذلك العالم، وله العديد من الخصائص والكثير من الأسرار، ولا يعرف أحد في الكون سر هذا النبات، لأن الملائكة أنزلته على المندائيين لاستخدامه في التعميد».
ويضيف: «يستخدم المندائيون نبات الآس تاجاً بعد طقوس التعميد، كما يلبسه المندائي على شكل خاتم في إصبع الخنصر أثناء التعميد أيضاً».

ويعرف إكليل الآس الصغير في الطقوس المندائية باسم «الكليلا»، ويستخدم في التعميد بالمياه الجارية، إذ يوضع على رأس الشخص بعد الغطس، كما يحضر في طقوس دينية أخرى مرتبطة بالموت وصعود الروح إلى عالم النور. ولشدة ارتباط المندائيين بهذا النبات، بوصفه علامةً للسلام والمحبة، ضربوا به الأمثال، ومنها: «كونوا كالياس في البيوت».

وتحتوي حديقة «المندي»، وهو مكان عبادة الصابئة المندائيين وإقامة طقوسهم الدينية والاجتماعية في مدينة العمارة، على ضفاف نهر الكحلاء المتفرع من نهر دجلة، على عدد من شجيرات الياس التي أضفت على المكان بهجةً وقدسيةً.

يقول الناشط الزراعي علي جبار السويطي للمنصة، وهو يشير إلى أنواع النبات: «تعد شجيرة الياس من الشجيرات التي تنتمي إلى البيئة العراقية وبيئات الدول المجاورة، بوصفها موطناً طبيعياً لها، وتمثل امتداداً للنباتات التي عرفتها المنطقة منذ القدم. ولها علاقة وثيقة بالعادات والتقاليد الشعبية المتوارثة، كما تعد في المشاتل من أكثر النباتات المحبوبة والمرغوبة التي يقبل الناس على شرائها».

ويضيف: «كان نبات الياس يسجل حضوراً واسعاً، خلال العقود السابقة، في الحدائق العامة والجزرات الوسطية لشوارع مدينة العمارة، لكنه اختفى، للأسف الشديد، مخلفاً فراغاً كبيراً. ولا يزال أبناء المدينة يتذكرون شجيرات الياس القديمة والمعمرة، التي تعرضت للقطع بسبب إنشاء مشاريع جديدة».
ويعزو السويطي تراجع الغطاء النباتي واختفاء عدد من الأشجار والشجيرات المعمرة من حدائق المدينة ومتنزهاتها إلى عوامل متعددة، قائلاً: «يعود اختفاء كثير من الأشجار والشجيرات إلى التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات لا تتحملها أنواع عديدة، فضلاً عن تزايد عمليات القطع والتحطيب من دون تعويض النباتات المفقودة».
ويؤكد مختصون بيئيون أن المساحات الخضراء في العراق تشهد انحساراً ملحوظاً، مع توقعات بتنامي ظاهرة التصحر خلال السنوات المقبلة. ويربطون ذلك بتوسع النشاط العمراني على حساب الأراضي الزراعية والمساحات الخضراء، إلى جانب شح المياه وتدهور التربة وارتفاع درجات الحرارة. وتشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن التصحر والملوحة وشح المياه وتدهور الأراضي باتت تحديات مترابطة تهدد المجتمعات الزراعية، ولا سيما في جنوب العراق.
وبحسب بيان أصدره مرصد العراق الأخضر في 17 حزيران/يونيو 2026، استناداً إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء وتقارير البيئة الوطنية، بلغت مساحة الأراضي المهددة بالتصحر نحو 96.5 مليون دونم، أي ما يعادل 55.5% من مساحة العراق، فيما ارتفعت مساحة الأراضي المتصحرة فعلياً إلى نحو 40.4 مليون دونم، بما يمثل 23.2% من مساحة البلاد. وأشار البيان إلى أن العراق يفقد سنوياً نحو 100 ألف دونم من الأراضي الزراعية نتيجة التملح والزحف الصحراوي وتدهور خصوبة التربة.
ووردت في تقارير وتصريحات بيئية أخرى تقديرات تفيد بأن العراق فقد، خلال العقود الثلاثة الماضية، ما بين 15 و30% من أراضيه الزراعية، وأن التصحر طال نحو 71% من الأراضي المروية، فيما أصبحت 61% من الأراضي الزراعية مهددة بالتملح، الأمر الذي أدى إلى تراجع القدرة الإنتاجية لمساحات واسعة كانت تعد من أكثر الأراضي خصوبة. غير أن هذه الأرقام صادرة عن تقديرات وفترات قياس مختلفة، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها أجزاءً من مجموعة إحصائية واحدة أو جمع نسبها معاً.
ومع ذلك، لم يؤد اختفاء شجيرات الياس من الحدائق العامة في العمارة إلى إخراج أغصانها من صواني المناسبات وطقوس العائلات. فما اقتلعته المشاريع من شوارع المدينة ظل مزروعاً في حدائق البيوت، التي لا تزال تحتضن واحداً من أعرق نباتات العراق وأكثرها قرباً من ذاكرة أبنائه ونفوسهم.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



