سيد صادق- سلام هنادني
في وقت تصل فيه درجات الحرارة في سهول سيد صادق بمحافظة السليمانية إلى 47 درجة مئوية، تواصل أربع عائلات من سكان المنطقة تربية نحو 500 جاموسة، في مهنة تتطلب جهداً وخبرة وبيئة خاصة.
ويقطع أفراد هذه العائلات يومياً نحو كيلومترين للوصول إلى أماكن تربية جواميسهم على ضفاف نهر تانجرو، حيث تحولت مياه النهر، في صيف شديد الحرارة، إلى مصدر حياة لهذه الحيوانات.

في ذلك السهل الممتد، وبين أشعة الشمس القاسية وصوت مياه النهر، تتكرر مشاهد مختلفة للحياة. فالجواميس تنزل مراراً إلى الماء لتبريد أجسادها، في سلوك يرتبط بطبيعتها التي تجعلها بحاجة إلى مصادر المياه والبيئات الرطبة.
يقول لطيف محمد، أحد مربي الجواميس، لـ«المنصة ميديا»: «أعمل في تربية الجواميس منذ 15 عاماً، وخلال هذه الفترة اكتسبت خبرة جيدة. في فصل الصيف ننقل جواميسنا إلى هذه السهول بسبب وجود مياه نهر تانجرو، ونبقى هنا حتى بدء فصل البرد، ثم نعود إلى المناطق القريبة من سيد صادق».

ويضيف أن الجاموس بطبيعته يحب الماء، خصوصاً خلال أيام الصيف الحارة: «عندما ترتفع درجات الحرارة، تنزل الجواميس كثيراً إلى الماء لتبريد أجسادها، أما في الليل فنبقيها بالقرب من ضفة النهر».
ولا تعد تربية الجواميس مهنة شائعة في حدود محافظة السليمانية، إذ تمارس على نطاق أقل بكثير مقارنة بتربية الأغنام والماعز والأبقار، بسبب حاجة الجاموس إلى المياه والبيئات الرطبة، فضلاً عن حاجته إلى أسلوب خاص في التربية والرعاية.

يقول كنعان حمه أمين، وهو أحد مربي الجواميس، إن هذه المهنة ليست سهلة، لكنها تنتج مواد ذات قيمة: «تربية الجواميس ليست عملاً سهلاً، لكن إنتاجها جيد. تربية هذا الحيوان قليلة جداً في هذه المنطقة، ونحن من بين العائلات القليلة التي اختارت العمل في هذا المجال».

ويعد الجاموس مصدراً مهماً للحوم ومنتجات الألبان، كما تستخدم جلودُه في بعض الصناعات وصناعة عدد من المنتجات. وعلى الرغم من قدرته على العيش في بيئات مختلفة، فإن توفر المياه والمناطق الرطبة يبقى عاملاً أساسياً في تربيته.
ويقول مربو الجواميس إن إنتاج الجاموسة الواحدة من الحليب يصل في المتوسط إلى نحو 10 كيلوغرامات يومياً. ويقومون بحلب الجواميس بأنفسهم، ثم يرسلون جزءاً من الحليب إلى معامل إنتاج الألبان في السليمانية وسيد صادق ومدن أخرى في إقليم كردستان.

وبحسب المربين، يبلغ سعر كيلوغرام الحليب نحو 3 آلاف دينار عراقي، فيما يحول جزء آخر من الحليب في المنازل إلى القيمر، قبل طرحه في الأسواق، ويصل سعر كيلوغرام القيمر إلى نحو 16 ألف دينار عراقي.
ويؤكد مربو الجواميس أن الطلب على حليب الجاموس ولبنه وقيمره يتزايد باستمرار في كردستان. أما لحوم الجاموس، فيتراوح سعر الكيلوغرام الواحد منها، وفق الوزن الحي، بين 6 آلاف و8 آلاف دينار عراقي، فيما يقول المربون إن بعض جواميسهم يمكن أن تنتج ما يصل إلى نحو طن واحد من اللحم.

يقول كنعان حمه أمين إن المشكلة الأساسية لا تكمن في تسويق المنتجات، نظراً إلى ارتفاع الطلب عليها: «لا نواجه مشكلة في تسويق منتجاتنا وبيعها، فالطلب على منتجات الجاموس كبير. وفي بعض الأحيان يتم حتى استيراد لبن وقيمر الجاموس من مدن عراقية أخرى. لذلك، إذا زاد اهتمام سكان كردستان بتربية الجواميس، فإن هذه المهنة يمكن أن تكون مصدراً جيداً للدخل».
وفي حدود قضاء سيد صادق، تعمل أكثر من خمس عائلات في تربية الجواميس، فيما يستفيد نحو 30 شخصاً من هذه المهنة بشكل مباشر وغير مباشر.

مربو الجواميس يؤكدون إن حكومة إقليم كردستان تستطيع تقديم دعم أكبر لهذا القطاع من خلال توفير الأماكن المناسبة، ومصادر المياه، واحتياجات التربية والرعاية. ويرى المربون أن زيادة الدعم وتوسيع أعداد الجواميس يمكن أن يسهما في توفير جزء كبير من حاجة السوق المحلية إلى الحليب واللبن والقيمر من الإنتاج المحلي.
يقول أحد المربين: «إذا دعمتنا الحكومة وزادت أعداد الجواميس، فبإمكاننا زيادة إنتاج الحليب واللبن والقيمر، وتوفير جزء من حاجة السوق المحلية من داخل كردستان».

ولا تعتمد تربية الجواميس على رأس المال أو زيادة أعداد الحيوانات فقط، بل تحتاج أيضاً إلى الخبرة والمعرفة والرعاية المستمرة. ويعد وجود مصدر للمياه وبيئة رطبة بالقرب من أماكن التربية أمراً أساسياً، كما يؤثر نوع الجاموس وعمره ومستوى الرعاية التي يتلقاها بشكل مباشر في إنتاج الحليب.
وتتراوح مدة حمل أنثى الجاموس عموماً بين 281 و334 يوماً، وغالباً ما تلد مولوداً واحداً، فيما يمكن أن تلد توأماً في حالات نادرة. ويبلغ وزن المولود عند الولادة نحو 22 كيلوغراماً في المتوسط، فيما يصل إلى مرحلة النضج بين عاميه الثاني والرابع.

وتوجد في العالم أنواع متعددة من الجواميس، فيما تنتمي غالبية الجواميس في العراق وإقليم كردستان إلى السلالة الهندية. وتنتشر تربية الجواميس بشكل أكبر في المناطق التي تتوفر فيها الأنهار والمستنقعات ومصادر المياه.
ويبلغ متوسط وزن الجاموس العراقي نحو 500 كيلوغرام، فيما يمكن أن يصل وزن بعض الأنواع إلى ما بين 750 و1000 كيلوغرام.
وبحسب معلومات وزارة الزراعة في حكومة إقليم كردستان، شهدت تربية الجواميس خلال السنوات الماضية إقبالاً متزايداً من السكان. وعلى الرغم من عدم توفر إحصاء رسمي شامل لأعداد الجواميس في الإقليم، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عددها يقترب من 8 آلاف رأس.

في سهول سيد صادق، تقطع العائلات الأربع نحو كيلومترين يومياً مع جواميسها، وتواصل العمل في ظل حرارة الصيف القاسية، مستفيدة من مياه نهر تانجرو.
وعلى ضفاف النهر، حيث تنزل الجواميس إلى الماء هرباً من الحرارة، تنظر هذه العائلات إلى مستقبل مهنتها بعين مختلفة. فهي تقول إن زيادة الدعم يمكن أن تساعدها على توسيع نشاطها، وإنتاج كميات أكبر من حليب الجاموس ولبنه وقيمره، لتوفير جزء من حاجة السوق في مختلف مناطق كردستان.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



