مرتضى الحدود- المنصة
“الدخان يغيّر يومنا بالكامل”. بهذه الجملة يختصر أحمد محمد جزءاً من حياته، التي تتأثر كلما اشتعلت النيران في موقع الطمر الصحي قرب الناصرية. يسكن أحمد في منطقة الإسكان الصناعي السكنية، على بعد نحو أربعة كيلومترات من الموقع، وهي مسافة تبدو كافية لإبعاد منزل عن مكب للنفايات، أو ما يسمى بالطمر الصحي، لكنها لا تكفي لمنع الدخان من الوصول إليه.
عندما تشتعل النفايات، تتغير تفاصيل يوم أحمد وعائلته. تُغلق النوافذ والأبواب، ويتجنبون الجلوس في الخارج، فيما تتسلل رائحة النفايات المحترقة إلى المنزل وتبقى فيه حتى بعد انحسار الدخان.
ويكمل حديثه: “حتى ونحن داخل البيت نشعر به، والرائحة تبقى، والهواء الذي نتنفسه ليس طبيعياً. ننتظر فقط أن ينطفئ الحريق حتى نستطيع أن نعيش يومنا بشكل طبيعي”.
ولا يرى أحمد أن المشكلة تنتهي بانطفاء الحريق، فالحرائق، بحسب قوله، تتكرر فيما لا تزال أسبابها قائمة: “أربعة كيلومترات لا تعني شيئاً عندما يكون الدخان في بيتك”.
ما يصفه أحمد لا يبدو حالة فردية. جواد الحسيني، أحد سكان المنطقة، يقول إن الدخان أصبح جزءاً من المشهد الذي يترقبه السكان، ولا سيما خلال ساعات الليل، حين يصل أثر الحرائق إلى المنطقة السكنية بوضوح أكبر.
ويقول جواد إن موقع الطمر مفتوح وغير محاط بسياج يمنع الدخول إليه، ما يجعله مقصداً لما يُعرف محلياً بـ“النبّاشة”، الذين يبحثون بين النفايات عن البلاستيك والمعادن الخفيفة لبيعها. وأثناء قيامهم بالفرز، يحرقون ما يعثرون عليه لأن المواد تكون مختلطة بالنفايات أو متداخلة مع المعادن الخفيفة، ومنها الألمنيوم والنحاس، فتشتعل النيران بين أكوام المخلفات ويتصاعد الدخان باتجاه المنازل.

“نحن نشم الدخان، خصوصاً في الليل، والحرائق تتكرر، وأحياناً نضطر إلى الاستعانة بدائرة الإطفاء لإخمادها”، كما يقول جواد.
في الناصرية، لا تنتهي قصة النفايات عند وصولها إلى موقع الطمر، ففي بعض الحالات تبدأ هناك قصة أخرى: نفايات تحترق، ودخان يعبر المسافة إلى الأحياء السكنية، وسكان يراقبون السماء بانتظار أن ينتهي الحريق.
ولا تقتصر المشكلة على شكاوى السكان، إذ يؤكد مدير بيئة ذي قار الدكتور موفق الطائي، خلال زيارته موقع طمر النفايات في الناصرية برفقة عضو مجلس النواب فاروق الياسري، أن الموقع الحالي مخالف للضوابط البيئية المعتمدة، مشيراً إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحقه وصلت إلى القضاء.
ويكشف التصريح أن الإشكال في موقع الطمر لا يرتبط فقط بآثاره التي يلمسها السكان، وإنما يتصل أيضاً بمدى استيفائه الشروط البيئية والقانونية التي يفترض أن تحكم اختيار مواقع دفن النفايات.
ويشير الطائي إلى وجود موقع آخر مخصص للطمر، إلا أن استخدامه لم يبدأ حتى الآن بسبب بُعده عن المدينة، فضلاً عن وجود تعارض يتعلق بمرور أنبوب نفط في المنطقة، ما أبقى موقع الطمر الحالي مستخدماً رغم المخالفات المسجلة بحقه.
“نحن نشم الدخان، خصوصاً في الليل، والحرائق تتكرر، وأحياناً نضطر إلى الاستعانة بدائرة الإطفاء لإخمادها”، جواد الحسيني من الناصرية.
ولا تبدو معاناة سكان الناصرية حالة منفردة. ففي محافظة بابل، دفعت شكاوى سكان ناحية النيل من موقع الطمر الصحي في منطقة الصياحية مجلس المحافظة إلى عقد جلسة استثنائية في آب/أغسطس 2026، خُصصت لبحث تداعيات الموقع على السكان والبيئة.


وخلال الجلسة، عرض ممثلو الأهالي ما وصفوه بمعاناة يومية بسبب انبعاث الأدخنة والروائح الكريهة من موقع الطمر، مشيرين إلى تسجيل حالات اختناق ومشكلات صحية بين السكان في المناطق المحيطة، فضلاً عن استمرار العمل بأساليب بدائية في طمر النفايات، بحسب ما ورد في عرض الأهالي أمام المجلس.
ولم تقتصر الجلسة على الاستماع إلى الشكاوى، إذ حضرها مسؤولون عن البيئة والبلدية والزراعة والماء والاستثمار والشرطة والمرور والدفاع المدني، قبل أن يخرج المجلس بحزمة إجراءات للتعامل مع المشكلة.
ومن بين القرارات تشكيل لجنة برئاسة مدير زراعة بابل وعضوية مديري البيئة وبلدية الحلة، للبحث خلال ثلاثة أيام عن أرض زراعية بديلة يمكن تخصيصها لموقع طمر جديد. كما ألزم المجلس هيئة استثمار بابل بطرح فرصة استثمارية لإنشاء معمل حديث لتدوير النفايات، إلى جانب توفير آليات ثقيلة لدعم البلدية وتشديد الإجراءات الأمنية والوقائية لمنع اندلاع الحرائق في مواقع النفايات.
تكشف هذه الخطوات مفارقة في طريقة إدارة النفايات؛ فبدلاً من أن يكون الطمر نهاية دورة النفايات، أصبح الموقع نفسه مشكلة تحتاج إلى موقع بديل، بينما يظهر تدوير النفايات كأحد الحلول المطروحة للخروج من الأزمة.
ولا تبدو إشكالية اختيار مواقع الطمر وقربها من المناطق السكنية محصورة في ذي قار وبابل. ففي عام 2022، تقدّم نائب عن محافظة النجف بشكوى إلى قاضي النزاهة في محكمة تحقيق النجف ضد مدير بلدية المحافظة، على خلفية تخصيص موقع للطمر الصحي خلف عدد من المجمعات والأحياء السكنية شمال مدينة النجف.
وأشارت الشكوى إلى أن الموقع استُخدم لطرح النفايات والقمامة، بما فيها نفايات طبية وُصفت في الشكوى بالخطرة، فضلاً عن حرق النفايات بصورة يومية. واعتبر مقدم الشكوى أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى مخاطر بيئية وصحية على السكان في الأحياء والمجمعات السكنية القريبة، داعياً الجهات القضائية إلى النظر في ملابسات تخصيص الموقع وطريقة استخدامه.
ويضيف هذا المثال بعداً آخر إلى مشكلة مواقع الطمر في العراق، فالقضية لا تتعلق فقط بكمية النفايات التي تُجمع يومياً، وإنما تبدأ قبل ذلك من المكان الذي تُنقل إليه النفايات، ومدى ملاءمته بيئياً، وبُعده عن التجمعات السكنية، وطبيعة النفايات التي يستقبلها، وطريقة التعامل معها بعد وصولها.

ولا تتوفر حتى الآن أرقام رسمية شاملة توضح حجم الإصابات أو الآثار الصحية المرتبطة بحرق النفايات في المحافظات العراقية، لكن دراسة علمية أُجريت في مدينة النصر بمحافظة ذي قار، وهي وحدة إدارية تابعة للمحافظة، تقدم مؤشراً بحثياً على ما قد يرافق التعرض لهذه الانبعاثات من تغيرات في بعض المؤشرات الحيوية.
وشملت الدراسة، التي أُجريت بين تشرين الأول/أكتوبر 2022 ونيسان/أبريل 2023، عينات لـ75 شخصاً يعيشون بالقرب من مواقع حرق النفايات، تراوحت أعمارهم بين 20 و60 عاماً، وقورنت عيناتهم بـ75 عينة من أشخاص أصحاء شكّلوا مجموعة السيطرة. وفحص الباحثون مستويات الرصاص والكادميوم والزنك، إلى جانب مؤشرات مرتبطة بالإجهاد التأكسدي في مصل الدم.
وأظهرت النتائج ارتفاعاً ذا دلالة إحصائية عالية في مستويات الرصاص والكادميوم والزنك والمالونديالدهيد لدى السكان المقيمين بالقرب من مواقع الحرق، مقابل انخفاض مستويات الغلوتاثيون والألبومين مقارنة بالمجموعة الأخرى.

وتشير هذه النتائج إلى وجود اختلافات في بعض المؤشرات الحيوية لدى المجموعة التي تعيش بالقرب من مواقع الحرق، لكنها لا تثبت بمفردها أن حرق النفايات تسبب مباشرة في هذه التغيرات، إذ اقتصرت الدراسة على عينة محددة وفي منطقة جغرافية واحدة. ومع ذلك، فإنها توفر مؤشراً علمياً يستحق المتابعة، خصوصاً في ظل غياب قاعدة بيانات وطنية ترصد الآثار الصحية المرتبطة بحرق النفايات في العراق.
وبحسب أحدث إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء، ضمن الإحصاءات البيئية للعراق لقطاع الخدمات البلدية لعام 2024، يوجد في العراق 212 موقعاً لطمر النفايات، حصل 79 موقعاً فقط منها على الموافقة البيئية، بينما يعمل 133 موقعاً من دون أي موافقة بيئية.
ولا تعني الموافقة البيئية مجرد تصنيف إداري للموقع، بل ترتبط بإخضاعه للمحددات والاشتراطات البيئية. ويطرح وجود 133 موقعاً من دون هذه الموافقة سؤالاً أساسياً حول طبيعة التعامل مع النفايات التي تنتهي إليها، وكيفية حماية التربة والمياه والهواء والسكان المحيطين بها.
وتشير الإحصائية المعلنة من وزارة التخطيط لعام 2024 إلى أن كمية النفايات الاعتيادية التي تُرفع يومياً في جميع المحافظات العراقية تبلغ نحو 35,168 طناً، أي ما يعادل أكثر من 12.836 مليون طن سنوياً. وبحسب الإحصائية نفسها، ينتج الفرد في العراق نحو 1.3 كيلوغرام من النفايات يومياً.
المشكلة لا تتعلق فقط بعدد مواقع الطمر، بل بما يحدث داخلها. فالبنك الدولي سبق أن وثّق في العراق انتشار مواقع التخلص غير المنظمة، وربطها بمخاطر تشمل الحرائق العفوية، وتلوث المياه الجوفية والمياه السطحية، وانبعاثات غازات الدفيئة. كما أشار إلى أن حرق النفايات في المواقع غير المنظمة يمكن أن يطلق ملوثات سامة.
وفي بغداد، تتجه أمانة العاصمة إلى التعامل مع النفايات باعتبارها مورداً يمكن استثماره بدلاً من الاكتفاء بجمعها وطمرها. ويقول عدي الجنديل، الناطق الرسمي باسم أمانة بغداد، إن ملف إدارة النفايات أصبح جزءاً من الرؤية الاستراتيجية للأمانة، التي تتضمن تنفيذ مشاريع استثمارية للاستفادة من النفايات، من بينها تحويلها إلى طاقة كهربائية.
وبحسب الجنديل، تعاونت أمانة بغداد مع وزارات البيئة والكهرباء ومحافظة بغداد والجهات القطاعية الأخرى لإطلاق مشروع لإنشاء معمل لحرق النفايات وتحويلها إلى طاقة، إذ استملكت الأمانة قطعتَي أرض خارج حدود العاصمة ووفق المحددات البيئية المعتمدة.
وأحالت الهيئة الوطنية للاستثمار المشروع إلى شركة صينية متخصصة. ويتضمن تصميمه معالجة نحو ثلاثة آلاف طن من النفايات يومياً لإنتاج 100 ميغاواط من الكهرباء. ويشير الجنديل إلى أن الأرض سُلّمت إلى الشركة التي أجرت الفحوصات اللازمة للموقع، فيما بقي استكمال الاتفاق مع وزارة الكهرباء بشأن سعر شراء الطاقة المنتجة شرطاً للمضي في مراحل التنفيذ.

ولا يقتصر توجه أمانة بغداد، وفق الجنديل، على هذا المشروع، إذ يجري التحضير لمشروع مماثل في منطقة أبو غريب غرب العاصمة، مع استملاك قطعة أرض مخصصة له. كما تتعاون الأمانة مع البنك الدولي في تطوير منظومة إدارة النفايات في العاصمة من خلال إنشاء مطمر جديد، وتحديث المكابس والآليات، ورفع قدرات العاملين، إلى جانب إدخال آليات جديدة إلى الخدمة. ويضيف أن المشروع ما زال في مرحلة استحصال الموافقات الأصولية تمهيداً للمباشرة به.
ويصف الجنديل الأسلوب التقليدي المتبع في التخلص من النفايات بأنه يقوم على استغلال المنخفضات، ومنها مناطق في النهروان ومواقع أخرى، ثم دفن النفايات فيها بطبقات محددة. ورغم استمرار استخدام هذه الطريقة، يرى أن الأمانة تعمل على إيجاد بدائل لها من خلال مشاريع الاستثمار في النفايات وتطوير مواقع الطمر.
وتكشف تجربة بغداد عن تحول محتمل في طريقة التعامل مع النفايات. فبدلاً من أن تكون الرحلة الأخيرة للنفايات هي المطمر، تحاول بعض المشاريع جعلها مادة أولية لإنتاج الكهرباء، لكن نجاح هذا التحول يبقى مرتبطاً بقدرة المشاريع على الانتقال من مرحلة التخطيط والتعاقد إلى التشغيل الفعلي، وبوجود منظومة متكاملة لجمع النفايات ونقلها ومعالجتها.
وفي البصرة، أقصى جنوب العراق، والتي تعد ثالث محافظة من حيث التعداد السكاني، تبدو إدارة النفايات أكثر ارتباطاً بمحاولة بناء منظومة متكاملة تبدأ من جمع النفايات ولا تنتهي عند طمرها. ويقول رضا التميمي، معاون مدير بلدية مدينة البصرة، إن خطة التنظيفات تقوم على ثلاث مراحل رئيسية، هي جمع النفايات ونقلها ثم طمرها، مشيراً إلى أن البلدية عززت أسطولها بأكثر من 450 آلية تخصصية تشمل الكابسات والكانسات والقلابات والشفلات ومحطات النقل الوسيطة.
ويشكل النقل المرحلة الثانية من المنظومة، إذ أنشأت البلدية محطات وسطية لجمع النفايات ونقلها في عدد من الأقضية والنواحي، دخل بعضها الخدمة في سفوان وأم قصر والزبير، أقصى جنوب المحافظة، فيما توجد محطات أخرى قيد التنفيذ أو مدرجة ضمن الخطط الاستراتيجية.
ولا تقتصر وظيفة هذه المحطات على تجميع النفايات، إذ يجري وزن الكميات الوافدة إليها، ما يوفر للبلدية بيانات عن حجم النفايات اليومية وأوقات الذروة، ويساعدها، وفق التميمي، على تقدير احتياجات المدن مستقبلاً والتخطيط للتوسع في خدمات التنظيف والنقل.

بعد ذلك، تُنقل النفايات بواسطة كابسات كبيرة إلى مواقع الطمر النظامية. وفي هذا الجانب، يشير التميمي إلى أن مطمر الفاو أُنجز ودخل الخدمة بصورة أصولية، بينما بلغت نسبة إنجاز مطمر شط العرب نحو 80%، على أن يكون مطمراً نظامياً يستوفي المتطلبات البيئية. أما في قضاء الزبير، فقد خُصصت أرض بمساحة 100 دونم لإنشاء مطمر، إلا أن المشروع لم يُحل حتى الآن بسبب عدم توفر التخصيصات المالية اللازمة.
وتواجه بقية الأقضية والنواحي تحديين متكررين: محدودية الأراضي وغياب التمويل. ويختلف حجم الأرض المطلوبة بحسب طبيعة كل قضاء، إذ قد يحتاج المشروع إلى 100 دونم في بعض المناطق، بينما تكفي 50 أو 25 دونماً في مناطق أخرى. لذلك بدأت البلدية، بحسب التميمي، البحث في إمكانية إنشاء مطامر مشتركة تخدم أكثر من قضاء، مثل دمج شط العرب مع النشوة والدير والمدينة في موقع واحد، أو ربط الزبير بمناطق سفوان والخور.
لكن البصرة لا تنظر إلى الطمر بوصفه الحل الوحيد، فقد رفعت البلدية فرصة استثمارية عبر هيئة استثمار البصرة لاستثمار ملف النفايات والتنظيفات الناتجة عن الأقضية والنواحي، على أن تتضمن الخيارات إعادة تدوير النفايات أو استرداد المواد الأولية أو إنتاج الطاقة الكهربائية. ويشير التميمي إلى أن طبيعة المشروع وخياره النهائي لم يُحسما بعد، لارتباطهما بإجراءات هيئة الاستثمار.
أما مواقع الطمر القديمة التي لا تحمل موافقات بيئية، فيقر التميمي بوجودها، موضحاً أن البلدية تحصل على استثناءات من الضوابط البيئية إلى حين إنجاز المشاريع الاستراتيجية الجديدة. وبحسب الخطة التي عرضها، يفترض أن تُغلق هذه المواقع بعد دخول المطامر الحديثة إلى الخدمة.
وتكشف تجربة البصرة أن الانتقال من الطمر التقليدي لا يحدث بخطوة واحدة، فهو يبدأ بقياس ما تنتجه المدن من نفايات، ثم تطوير الجمع والنقل وإنشاء مطامر نظامية، بالتوازي مع البحث عن استثمارات تستطيع تحويل جزء من النفايات إلى مواد قابلة للاسترداد أو إلى طاقة. غير أن جزءاً من هذه الحلول ما يزال مرتبطاً بالتمويل وتخصيص الأراضي وإجراءات الاستثمار، ما يجعل الانتقال من الطمر إلى المعالجة والاسترداد مساراً لم يكتمل بعد.
ويقول الدكتور عمار العطا، المستشار الفني لوزير البيئة، إن موقع الطمر الصحي يجب أن يكون مجهزاً بطبقة عازلة تمنع تسرب عصارة النفايات إلى باطن الأرض والمياه الجوفية، موضحاً أن العصارة المتجمعة نتيجة تحلل النفايات ينبغي سحبها ومعالجتها وفق الإجراءات المعتمدة.
ويضيف أن طمر النفايات يؤدي كذلك إلى توليد غاز الميثان، ما يستوجب تجهيز مواقع الطمر بأنابيب خاصة لسحب الغاز وتصريفه ومعالجته، مشيراً إلى أن بعض الدول تستفيد من هذا الغاز في توليد الطاقة الكهربائية، فيما لا تزال هذه الممارسة غير مطبقة في العراق.
ويشير العطا إلى أن الآلية المتبعة حالياً في عدد من مواقع الطمر تقوم على نقل النفايات من المحطات التحويلية داخل المدن بواسطة شاحنات كبيرة إلى مواقع الطمر، ثم تغطيتها بطبقة من التراب بسمك يتراوح بين أربعة وخمسة سنتيمترات، مؤكداً أن هذه الممارسة “لا تمثل طمراً صحياً”.
“المدينة تجمع يومياً نحو ألف طن من النفايات، فيما ترتفع الكمية خلال الأعياد والمناسبات إلى ما بين 1200 و1400 طن يومياً” – زردشت رفيق، مدير إعلام بلدية السليمانية
ويؤكد أن وزارة البيئة تتخذ الإجراءات القانونية بحق المواقع المخالفة عبر توجيه الإنذارات وفرض الغرامات، موضحاً أن دور الوزارة يتمثل في الرقابة وتحديد المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمعالجتها.
ويشدد العطا على أن معالجة ملف النفايات لا يمكن أن تقتصر على مرحلة الطمر، بل تتطلب إدارة متكاملة تبدأ من المكان الذي تتولد فيه النفايات، مروراً بجمعها ونقلها ومعالجتها، وصولاً إلى طمر الجزء المتبقي منها، معتبراً أن هذه المراحل تمثل سلسلة مترابطة تحتاج إلى منظومة متكاملة لإدارتها.
وتكشف دراسة بحثية نشرها مركز البيان للدراسات والتخطيط حول ما يمكن للعراق تحقيقه من تدوير النفايات المنزلية الصلبة، أن فرز النفايات كان يمكن، لعام 2012 وحده، أن يوفر المواد اللازمة لإنشاء نحو 72 مصنعاً في قطاعات المعادن والورق والزجاج والبلاستيك والأسمدة العضوية والأقمشة، باستثمارات قُدرت بأكثر من 80 مليون دولار.
وترى الدراسة أن ارتفاع كميات النفايات والمواد القابلة للفرز مستقبلاً يمكن أن يتيح إنشاء نحو 223 مصنعاً بحلول عام 2050، باستثمارات تُقدر بأكثر من 246 مليون دولار. ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات، بحسب الدراسة، على القيمة الاقتصادية المباشرة، بل يمكن أن تسهم في خلق نشاط صناعي مستدام قائم على استرداد المواد من النفايات بدلاً من دفنها، وما يرافق ذلك من فرص عمل ومصادر دخل جديدة.
كما تشير الدراسة إلى أن توسيع عمليات الفرز وإعادة التدوير يمكن أن يحد من الآثار الصحية والبيئية المرتبطة بتراكم النفايات والتخلص منها بطرق غير سليمة، وبالتالي قد يخفف جزءاً من الأعباء التي تتحملها الدولة في مواجهة الأمراض والمخاطر الصحية المرتبطة بالتلوث.
وفي السليمانية، الأمر مختلف، إذ توجد تجربة قائمة منذ سنوات على استرداد قيمة من النفايات بدلاً من التعامل معها كلها بوصفها مادة يجب دفنها. فقد وثق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي زيارة خبراء عراقيين وإيطاليين إلى محطة Ecocem التي تستخدم النفايات لإنتاج وقود مشتق من النفايات (RDF)، يُستخدم في تشغيل بعض مصانع الإسمنت.
ويقول زردشت رفيق، مدير إعلام بلدية السليمانية، إن المدينة تجمع يومياً نحو ألف طن من النفايات، فيما ترتفع الكمية خلال الأعياد والمناسبات إلى ما بين 1200 و1400 طن يومياً.
وأوضح رفيق أن الشركات المتخصصة تتولى جمع النفايات من مختلف مناطق مدينة السليمانية ونقلها إلى منطقة دانجرو المخصصة لاستقبال النفايات، مبيناً أن آلية التعامل معها شهدت تحولاً خلال السنوات الماضية.
ويضيف أن النفايات كانت، قبل نحو عشر سنوات، تُدفن في الأرض، قبل أن تبدأ البلدية بالاعتماد على شركة تتولى جمع النفايات ومعالجتها وإدخالها في عمليات التدوير.
ويضيف أن المواد الناتجة عن هذه العملية لا تقتصر على إعادة استخدامها كمواد أولية، إذ يُستفاد من جزء منها في إنتاج الوقود المستخدم لتوليد الطاقة اللازمة لتشغيل معامل الإسمنت، بما يوفر استخداماً آخر للنفايات بدلاً من التخلص منها بالدفن.
هذه التجارب لا تعني أن التدوير أو تحويل النفايات إلى طاقة يمكن أن يحل المشكلة تلقائياً، ولا أن الطمر يمكن الاستغناء عنه بالكامل، فحتى النظم الحديثة لإدارة النفايات تحتاج إلى التخلص الآمن من الجزء المتبقي الذي لا يمكن استرداده.
لذا، لا تبدو مشكلة النفايات بالنسبة إلى أحمد وجواد قضية أرقام أو مواقع طمر بعيدة عن حياتهما، فالدخان الذي يتسلل إلى منزليهما يحوّل المطمر إلى جزء من يومهما، ويجعل التخلص من النفايات مشكلة تنتقل من أطراف المدن إلى داخل البيوت.
لكن ما يحدث في الناصرية وبقية المدن العراقية ليس قدراً لا يمكن تغييره، فالنفايات التي تصل اليوم إلى مواقع الطمر لا تخلو من مواد يمكن فرزها واستردادها وإعادة تدويرها، فيما تظهر تجارب عراقية من بغداد إلى البصرة والسليمانية محاولات للانتقال من دفن النفايات إلى استثمار جزء منها في إنتاج المواد أو الوقود أو الطاقة.
ويبقى التحدي أمام الحكومة والسلطات المحلية هو تحويل هذه المحاولات من مشاريع متفرقة وخطط قيد التنفيذ إلى منظومة متكاملة تبدأ من فرز النفايات، ثم إعادة تدوير ما يمكن استرداده، ومعالجة ما تبقى بطرق آمنة، بحيث لا يكون الطمر هو المصير النهائي لكل ما تنتجه المدن.
عندها قد لا يكون السؤال بالنسبة إلى أحمد وجواد: متى ينطفئ حريق المطمر؟ بل: متى تتوقف النفايات عن الوصول إليه أصلاً؟
هذا التحقيق أُنتج ضمن مشروع تخرج من مدرسة المناخ ومجتمع التحقق العربي لنيل درجة دبلوم صحافة المناخ.
تم نشر المادة بالتعاون بين مدرسة المناخ والمنصة ميديا.



رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



