قصص من الشارع

هل يتكرر سيناريو لندن هناك؟ من البوم والخفافيش إلى “الواوية” والسلور الأفريقي.. بيئة بغداد تحدّد سكّانها الجدد

15/10/2026

بغداد- إبراهيم صالح 

في إحدى ليالي شهر أيلول – سبتمبر، فوجئ زين الطائي (37 سنة)، بوجود طائر بوم بُني يحط في شرفة شقته السكنية في أحد مجمّعات العاصمة بغداد، حيث اتخذت مناماً لها على كرسي مركون في الشرفة، وهو طائر بات نادراً في بغداد وحتى أن بعض أنواعه مهددٌ بالانقراض.

رجّح زين وقتها أن تكون البومة هاربة من متنزه الزوراء المجاور لمجمّعه السكني وسط بغداد، حيث الأشجار المعمّرة والمساحات الواسعة التي يحتاجها هذا النوع من الطيور الجارحة للتعشيش والصيد.

طيور الحمام تقاوم عوامل تغيّر الموائل في بغداد

“عندما رأيت البومة تذكّرت أيام الطفولة، حيث كنّا معتادين على رؤية هذا النوع من الطيور مع كائنات أخرى، كالخفافيش التي كانت تملأ الحدائق الكبيرة، والحلزونات التي تعيش في تربتها الطينية الرطبة”.. يقول زين، ويضيف، “اليوم تغيّر كل شيء حتى أصبحت رؤية طائر البوم في المدينة أمراً غريباً”.

يربط زين بين ما يحدث من تغيّر مناخي وتلوّث بيئي وتقلّص في المساحات الخضراء في مدينته وبين اختلاف الكائنات الحيّة التي تعيش في بيئتها سواء الماء أو الهواء.

“لا يُمكن القول إن البوم والخفافيش وغيرها من مخلوقات اختفت من بغداد، لكنّها على الأقل غيّرت من أماكن معيشتها لتبتعد عن مراكز المدن نحو الأطراف، التي تبدو مهدّدة بدورها كموائل لهذه الطيور والمخلوقات الحيّة”.. يضيف زين.

ظهور نادر لطائر البوم في وسط بغداد

تُظهر الدراسات المعنية أن طائر البوم (ولا سيّما ما يُعرف بالبوم الأبيض أو طائر الحظائر والبومة الصغيرة) لا تزال موجودة في العراق، وتحديداً في مدينة بغداد ومحيطها، غير أنها غيّرت من أماكن عيشها نحو أطراف المدينة.

أنظر الرابط أدناه..

intechopen.com

تقول الدراسات المعنية إن طائر البوم، على سبيل المثال، بات بحاجة إلى مدن مختلفة بمواصفاتها عن مدينة بغداد الحالية ليعيش فيه، لكونه يعتمد على الأشجار والبساتين والمناطق المفتوحة للصيد مع حاجته لمبانٍ قديمة وأماكن هادئة للتعشيش، إضافة إلى وفرة في القوارض والحشرات للتغذية، مع انخفاض في الإضاءة والضوضاء نسبياً، وهو ما لم يعُد متوفّراً في بغداد.

ارتفاع منسوب المياه في دجلة لا يعني حل مشكلة التلوّث

وتشير قوائم الطيور العراقية الحديثة إلى أن أنواعاً محددة من طائر البوم وغيره من طيور وكائنات أخرى باتت مهددة بالانقراض بفعل التغيّرات البيئة والمناخية التي طرأت على المدن ومنها العاصمة بغداد، بل إن بعضها انقرض بالفعل، بعد أن كان يعيش في المناطق القريبة من نهري دجلة والفرات وتفرّعاتهما.

أنظر الرابط أدناه..

avibase.bsc-eoc.org 

لكن الأمر لا يبدو بهذه السوداوية، فالبوم وغيرها من طيور لم تترك العاصمة بغداد، إنما غيّرت من مواقعها نحو الأطراف ومنها إلى أماكن خارج المدينة.

كما أن دراسة حديثة أعدّها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع وزارة البيئة العراقية، وثّقت أكثر من 140 نوعاً من الطيور في منطقتي “الجادرية” و”أم الخنازير” ببغداد، وهو ما يؤكد أن بغداد لا تزال تحتفظ بتنوّع بيولوجي مهم.

أنظر الرابط أدناه..

UNDP

غير أن المشكلة تتمثّل في أن مساحة وجود هذه الطيور وغيرها من كائنات تقلّصت بفعل التطوّر العمراني والتلوّث بمسبباته المختلفة، سواء التلوّث المائي أو الهوائي والضوضاء وغيرها.

تلوّث في سماء بغداد

وبالبحث عن أبرز الكائنات التي اختفت أو تراجع حضورها في بغداد، فإن البلبل العراقي، الخفافيش، الهدهد، السنونو، إضافة إلى البوم، الضفادع والفراشات، اليعاسيب والنحل والحشّرات الملقّحة، طيور البساتين الصغيرة كالعصافير والدوري، فضلاً عن الأسماك والكائنات المائية المحلّية وغيرها أصبحت أكثر ندرة بفعل التغيّرات البيئية والمناخية في مدينة مثل بغداد.

بالمقابل، فإن كائنات أخرى سجّلت حضورها في البيئة البغدادية أو ازدادت أعدادها فيها، ما يعني أن البيئة البغدادية لم تصبح طاردة للكائنات الحيّة لكنها بدأت تغيّر من طبيعة الكائنات التي تعيش فيها.

على سبيل المثال، تُظهر دراسات متحف التاريخ الطبيعي العراقي، ظهور بعض أنواع الحلزونات في البيئة البغدادية للمرة الأولى ضمن حيوانات العراق الرخويّة، منها ما يُعرف بالحلزون البزّاق بلا صدفة، والحلزون المائي (كولوميلا).

أنظر الروابط أدناه..

متحف التاريخ الطبيعي العراقي

متحف التاريخ الطبيعي العراقي

متحف التاريخ الطبيعي العراقي

jih.uobaghdad.edu.iq

فقدت بغداد جزءاً مهماً من تنوّعها الحيوي بسبب التوسّع العمراني وتراجع البساتين والغطاء النباتي وارتفاع الحرارة، غير أن هذا التنوّع عوّض النقص الحاصل فيه باستقطاب كائنات أخرى جديدة، أو على الأقل تم تغيير خارطة هذا التنوّع ليبتعد إلى أطراف المدينة.

وتُظهر دراسة عن البيئة البغدادية بين عامي 1984 و2020 أن هنالك ارتباطاً بين تغيّر استخدامات الأرض والغطاء النباتي وبين فقدان عدد من أنواع الطيور.

أنظر الرابط أدناه..

مجلة بغداد العلمية

هاجرت كائنات حيّة كثيرة من قلب بغداد الذي كان نابضاً بالبساتين والأشجار المعمّرة والجداول إلى أطراف المدينة، بعد أن باتت بغداد مدينة صاخبة يرتبط ليلها بنهارها وتختلط ضوضاؤها بتلوّثها وتوسّعها العمراني الهائل.

ويؤشر مرصد “العراق الأخضر” حضوراً لكائنات أخرى معروفة بطبيعتها الصحراوية مثلاً إلى قلب بغداد، كابن آوى (المعروف شعبياً بالواوي)، بعد أن كان لا يعيش سوى في المناطق الصحراوية أو البريّة، وهو ما يعتبره المرصد تغيّراً في البيئة الحضرية لبغداد وخارطة توزيع الكائنات الحيّة فيها وفي بقية مدن البلاد.

ويقول عضو المرصد، عمر عبد اللطيف إن “هذه الظاهرة تستدعي إعادة النظر في واقع البيئة داخل بغداد”، ويشير إلى أن الحفاظ على التنوّع الأحيائي في بغداد ونهر دجلة الذي يمر فيها بات “مهمة صعبة جداً بسبب ارتفاع مستويات التلوّث”.

التلوّث الشديد في النهر إلى جانب تلوّث الهواء وتراجع عدد الأشجار وضعف الغطاء الأخضر وغيرها من أسباب، أدت جميعها إلى التأثير في الحيوانات والطيور وبقية الكائنات الحيّة داخل العاصمة، وفقاً لما يراه عضو المرصد.

كما يحذّر عبد اللطيف، من أن استمرار هذا التغيّر وارتفاع نسب التلوّث قد يؤثر في التوازن الأحيائي للمدينة، ما يغيّر من طبيعة الكائنات التي اعتادت العيش فيها، ما يوجب معالجة الأسباب البيئية التي تدفع هذه الكائنات إلى مغادرتها واستقطاب الكائنات من البيئات الصحراوية والبيئية، كما هو الحال مع “الواوية”.

ضيوف النهر.. سكّان المستقبل!

البيئة المائية لبغداد تشهد هي الأخرى استبدالاً نخبوياً لأنواع الكائنات الحيّة، بدءاً بزهرة النيل التي ظهرت قبل قرابة 20 سنة ولا تزال منتشرة في أماكن عدة من نهري دجلة والفرات، وصولاً إلى السلور الأفريقي الذي تم توثيق حضوره في المياه البغدادية قبل أشهر قليلة.

أنظر الرابط أدناه..

المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي العراقي

ويمثّل دخول السلور الأفريقي إلى مياه نهر دجلة علامة فارقة في البيئة المائية لبغداد ومدن العراق الأخرى، التي فقدت أنواعاً كثيرة من أسماكها وكائناتها الحية خلال العقود الماضية، حيث تستبدل البيئة المائية للنهر سكّانها من حين لآخر، والأسباب لا تبدأ بشح المياه ولا تنتهي بارتفاع درجات الحرارة والتلوّث وغيرها.

غير أن لجنة شكّلتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق لإدارة الأنواع الدخيلة والغازية، حذّرت من تأثيرات محتملة للسلور الأفريقي على الأسماك المحلية.

أنظر الرابط أدناه..

مركز بحوث التاريخ الطبيعي في العراق

كذلك، أظهرت دراسة علمية نُشرت في العام الحالي، أن قرابة 23 نوعاً من الأسماك غير المحلية باتت موجودة في البيئة العراقية، مع وجود 8 أنواع أخرى لا توجد أدلة على تكاثرها في مياه الأنهر، في حين تُظهر القائمة الأوسع للأسماك العراقية وجود 98 نوعاً من الأسماك من ضمنها 21 نوعاً دخيلاً.

أنظر الروابط أدناه..

Taylor & Francis Online

biotaxa.org

تُظهر هذه الدراسات أن مياه نهر دجلة ومثلها الفرات، لا تفقد فحسب أسماكها بسبب تغيّرات المناخ وتلوّث البيئة وغيرها من مسبّبات، إنما تغيّر نوع الأسماك التي تظهر فيها، كما هو الحال مع السلور الأفريقي.

كما أظهرت دراسة ميدانية حديثة أُجريت في محافظة البصرة جنوبي العراق على أكثر من 4 آلاف سمكة من 25 نوعاً، أن 12 نوعاً منها فقط  كانت محلية، بينما بلغت الأنواع الدخيلة إلى 11 أو أكثر.

أنظر الروابط أدناه..

أغريس

mapress.com

ij-aquaticbiology.com

إضافة إلى ذلك، فإن أنواعاً محلية عدة ارتبطت أسماؤها بالبيئة العراقية باتت مهددة بالخطر أو الانقراض لعوامل تتعلق بتدهور الموائل وغيرها نتيجة التغيّر المناخي والتلوّث البيئي وغيرها، ومنها سمك البُنّي والشبوط الأصفر والقطّي العراقي والإنكليس الشوكي وأبو الزمّير وغيرها.

أنظر الرابط أدناه..

University of Misan Systems

السكّان الجدد والمستقبليون

تشير الدراسات السابقة إلى أن بيئة بغداد سواء المائية أو الهوائية تستعد لاستقبال وافدين جدد من الطيور والأسماك والكائنات الحيّة الأخرى، تتمثّل بطيور دخيلة لها قدرة التكيّف على العيش في المدن أو أسماك قادرة على العيش في بيئات مائية ضحلة أو حارة وحتى ملوّثة.

وتقول دراسات حديثة إن طيوراً مثل المينا والببغاء المطوّق وغيرها من طيور غير محلية في العراق باتت أقرب للاستيطان في بيئته، على الرغم من مخاطرها العالية في التأثير في التنوّع الحيوي في حال حدثت سيناريوهات تغيّر المناخ المتوقّعة.

أنظر الرابط أدناه..

المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي العراقي

كما يُتوقّع أن يرى البغداديون مستقبلاً كميات أكبر من السلور الأفريقي وغيره من أنواع غير محلية، يُمكن تصنيفها على أنها محبة للحرارة وقادرة على استغلال المياه المتغيّرة المتباينة المستوى ونسب التلوّث.

السيناريو اللندني ونهر التايمز 

يُمكن القول إن بغداد تقترب مع نهريها من سيناريو العاصمة البريطانية لندن ونهر التايمز، حيث وفدت إلى المدينة ونهرها الشهير قرابة مئة نوع غير محلي من الكائنات، من بينها أسماك ونباتات ولافقاريات، كالسمك الذهبي والروبيان القاتل وبلح البحر المخطط والمحار الآسيوي، فضلاً عن ظهور طيور دخيلة.

أنظر الروابط أدناه..

Queen Mary University of London 

National Geographic

وتكيّفت كذلك أنواع عديد من الكائنات الحيّة على الحياة الحضرية في لندن من حيث قدرتها على تحمّل التلوّث والاضطراب والضوضاء والإضاءة، بينما تراجعت أنواع أكثر حساسية لم تعد قادرة على التكيّف في المدينة، وهنا ظهرت ما تُعرف بمتلازمة النهر الحضري، حيث تزداد الأنواع غير المحلية في حال ازدادت ضغوط تجزئة الموائل وتغيّرت نوعية المياه.

أنظر الروابط أدناه..

PubMed Central (PMC)

ساينس دايركت

يدل هذا السيناريو على أن الأمر لا يتعلق بأن الأنواع المحلية ستكون قديمة وستصبح الدخيلة هي الجديدة، إنما يدل على أن تغيّر البيئة سيغيّر فرص البقاء ويدفع اتجاه تراجع بعض الأنواع وازدياد أنواع أخرى.

وبذلك كانت لندن وغيرها من مدن أخرى حول العالم ناجحة جداً قي أن تكون موطناً لعدد غير محدد من الأنواع القادرة على تحمّل البيئة الحضرية مثل بغداد، مع تراجع أنواع أخرى، وهو ما بات يُوصف بأنه استبدال لأنواع بأخرى، وليس مجرد انخفاض عددي لهذه الكائنات.

مقارنة الأنواع المحلية والدخيلة في مياه الأنهار

السيناريو ذاته تكرر في سنغافورة ومدينة شيكاغو بالولايات المتحدة الأميركية، حيث تحوّلت المياه فيهما إلى موطن للكثير والكثير من الكائنات الدخيلة التي باتت تهدد بيئتها، وهو سيناريو يتوجّب على بغداد دراسته لكون الأنهار التي تربط بيئات مختلفة من الممكن أن تُصبح طرقاً لانتقال الأنواع غير المحلية إليها.

أنظر الروابط أدناه..

BiodiversitySG

Default

IDNR

لكن عضو مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف، يستبعد أن يتكرر سيناريو لندن أو غيرها من مدن العالم في بغداد، كما أنه من غير الممكن الإفادة من هذه التجارب فيها لأسباب تتعلّق بالظروف البيئية والمناخية المعقّدة في العراق بصورة عامة مع ارتفاع مستويات التلوّث ولا سيّما في بغداد.

“العراق بحاجة أولاً إلى خفض نسب التلوّث في الهواء والمياه وحتى في التربة، وبغداد بحاجة إلى إعادة النظر في واقعها البيئي”.. يقول عبد اللطيف، ويضيف، إن هنالك حاجة للعمل على “معالجة نسب التلوّث المرتفعة من مصادرها”.

ويشير عبد اللطيف إلى أن الخطوة الأولى للحل تتمثّل بالتشجير، حيث يحتاج العراق وتحديداً بغداد إلى مليارات من الأشجار دائمة الخضرة لتخفيف التلوّث وتنقية الهواء تمهيداً لإعادة التنوّع والحفاظ على الأنواع المهدّدة من الكائنات الحيّة فيها.

الخلاصة أن مدينة بغداد تتغيّر من حيث السكان البيئيون المحتملون للمستقبل، وهنا يُتوقع أن تكون طيور كالمينا والببغاء المطوّق أبرزها، مع وجود سكان تحت الضغط يتمثّلون بالبلابل وغيرها، مع احتمالية كبيرة لبعض المفاجآت التي تتمثل بالطيور المهاجرة التي تجد في بغداد المستقبل موطناً مناسباً لها، حيث أن البيئة المستقبلية لبغداد ومدن عراقية أخرى قد لا تكون خالية من الطيور والكائنات الحيّة لكنها قد تكون مليئة بأنواع أخرى لم تكن مألوفة فيها، وهو ما ينطبق أيضاً على أسماكها وأشجار ونباتاتها، وحتى الحشرات فيها.

 

هذا المشروع أنتج في إطار النسخة الثانية من دبلوم صحافة المناخ، الذي تنظمه مدرسة المناخ بدعم من مجتمع التحقق العربي

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali