مصطفى جمال مراد – بغداد
لم تعد موسيقى عربات الغاز التي اعتاد العراقيون سماعها صباحاً مشهداً عادياً في الأزقة، كما لم يعد انتظارها وسيلةً مضمونةً للحصول على أسطوانة الغاز. فمع تصاعد أزمة توفر وتوزيع الغاز المنزلي في العراق، انتقل المشهد من عرباتٍ متنقلة إلى طوابير أمام نقاط توزيع ثابتة يُنظّمها تطبيقٌ رقمي، لكنه يعيد توزيع الأزمة أكثر مما يحلّها.
بموجب الإجراءات الجديدة، يمنح نظام “الكوبون النفطي” في تطبيق “سوبر كي” كل عائلةٍ عراقية أسطوانتين من الغاز شهرياً بغض النظر عن عدد أفرادها، وهي صيغةٌ موحّدة تنتج واقعاً غير موحّد.
إدخال الغاز ضمن نظام “الكوبون” جاء كإجراءٍ موازٍ لتصاعد الأزمة، في سياقٍ إقليميٍ أعقب اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل في شباط 2026، وما رافقها من اضطراباتٍ في الإمدادات. ومع توقعاتٍ بنقص التزويد، أُضيف “كوبون الغاز” مطلع نيسان 2026 إلى تطبيق “سوبر كي” إلى جانب “كوبون النفط”، في محاولةٍ لتنظيم التوزيع عبر المنصة الرقمية.
في الرصافة، يحصل “محمد حازم” على الغاز من المحطات الرسمية بسعرٍ مدعوم، ويرى أن النظام قابلٌ للعمل، رغم أنه لا يغطي جميع الاحتياجات. في المقابل، يجد “حبيب”، الطالب الذي يعيش في سكنٍ مشترك، أن الحصص لا تعكس حاجته الفعلية. أما “باسل”، المقيم السوري، فيبقى خارج النظام بالكامل، معتمداً على السوق غير الرسمية مهما كان السعر. وبين هؤلاء، يواجه أصحاب المطاعم، مثل “أسامة نجيب”، نقصاً في الإمدادات يدفعهم إلى شراء الغاز بأسعار أعلى، في ظل غياب مسار واضح ضمن النظام.
يقسّم سائق عربة الغاز “رسول النعيمي”، (26 عاماً) من منطقة الرصافة، مسار الأزمة إلى مرحلتين قائلاً: “الأزمة الأولى كانت قبل الحرب الإيرانية الأمريكية، عندما توقف أنبوب غاز التاجي قبل 2026، والمرحلة الثانية تتمثل بالحرب بين أمريكا وإيران، وأدت إلى توقف إنتاج النفط العراقي، وبالتالي عدم خروج الغاز المصاحب له”.
قبل ذلك، كان “رسول” يعمل وفق روتينٍ شبه مستقر، يبدأ يومه في السابعة صباحاً، يملأ عربته بالغاز، ويتجول في منطقته، موزعاً الأسطوانات على زبائنه ومن يطلبها من سكان المنطقة وأصحاب المطاعم، قبل أن ينهي يومه عند الرابعة مساءً.
يقول: “قبل الأزمة كنت أستيقظ في الصباح الباكر وأملأ سيارتي بالغاز وأتجول في منطقتي، وفي كل شارعين إما أبيع أسطوانةً أو لا أبيع”.
ويضيف “رسول”: “أما بالنسبة للموسيقى التي نستخدمها فيتم تحديد نوعها من قبل وزارة النفط، وكذلك عدد أسطوانات الغاز التي يجب أن أحصل عليها، فأنا أعمل كوكيلٍ رسمي لدى الدولة. كنا نحصل سابقاً على خمسين أسطوانة، 40 منها نتصرف بها ونبيعها للمطاعم و10 للمواطنين، أما الآن فأصبح 40 للمواطنين و10 فقط للمطاعم”.
بعد الأزمة بقيت أسبوعاً كاملاً بلا غاز، ثم تواصلت مع شخص يجلب الغاز مهما كان السعر، فاشتريته بحوالي 15 ألف دينار، وأعطيته 25 ألفاً عند الاستلام
مع تصاعد الأزمة، تغيّر نمط العمل. لم يعد البيع قائماً على التجوال المنتظم، بل على الترقب. يقول “رسول” إنه أصبح متأهباً في كل الأوقات لمعرفة موعد توفر الغاز في المحطات لينطلق ويملأ عربته ويبدأ البيع فوراً.
رسول وغيره من الباعة يواجهون كذلك التزاماتٍ جديدة مرتبطة بنظام البيع عبر التطبيق، “نظام البيع عبر الكوبون وسوبر كي تسبب لنا بضررٍ كبير، فقد وجدنا أنفسنا أمام التزاماتٍ تعاقدية نتحمل فيها المسؤولية الكاملة عن أجهزة البيع، ونخشى من غراماتٍ ماليةٍ باهظةٍ في حال الضياع أو التعطل”.
قرار الحكومة بتوزيع الغاز من خلال التطبيق خلق علاقة جدية بين البائع، من خدمةٍ متنقلة إلى نقطةٍ ثابتة تُدار عبر جهازٍ يصدر الباركود لتحديد الحصة وتسليمها بسعرٍ مدعوم يتراوح بين 6 و7 آلاف دينار عراقي. لكن هذه الصيغة لم تسلم من الانتقادات، إذ يرى بعض المستفيدين أنها لا تعكس اختلاف حجم العائلات وظروفها المعيشية، كما انه لا ينصف العزاب أو كبار السن وأصحاب الظروف الخاصة التي تمنعهم من الوقوف في طوابير.
الضرر لن يكون على أصحاب المطاعم فقط، فأصغر مطعم يعمل فيه 5 عمال وهم مصدر رزق لعوائلهم، وإذا استمرت الأزمة فلن نتمكن من دفع الرواتب، وقد ترتفع أسعار الوجبات
بالنسبة لـ”محمد حازم”، وفّرت المحطات الرسمية بديلاً عملياً. يقول: “لم تؤثر عليّ الأزمة لأنني قررت الاعتماد على المحطات الرسمية بدلاً من الباعة الجوالين، حيث حصلت على الغاز بسعر 6 آلاف دينار فقط”.
ويضيف: “هناك محطات في مناطق مكتظة مثل مدينة الصدر والشعب يكون فيها زحامٌ كبير، مقابل محطات أقل ازدحاماً، وأنا اشتريت من محطة البنوك وكان أمامي أربعة أشخاص فقط وأنهيت الأمر خلال خمس دقائق”. مع ذلك، هو يرى أن النظام لا يغطي كل الاحتياجات، قائلاً: “أعتبر التحول نحو التطبيق حلاً بنسبة 65%، بينما يمثل الـ35% المتبقية أزمةً حقيقية، فهو لم يلحظ احتياجات بعض القطاعات، فضلاً عن وجود فجوةٍ رقميةٍ يعاني منها كبار السن”.
في المقابل، يقول “حبيب”: “جلبت أسطوانة الغاز من حصة البطاقة التموينية الخاصة بأسرتي رغم أنني في سكنٍ مشترك، وأرى أن نظام الكوبون يخدم فقط العوائل، وأن الحصة غير عادلة، فلا يجب إعطاء أسرةٍ مكونةٍ من 10 أشخاص أسطوانتين كحصة أسرةٍ مكونةٍ من ثلاثة أفراد”.
أما “باسل”، المقيم السوري في بغداد، فيبقى خارج هذا النظام. يقول: “بعد الأزمة بقيت أسبوعاً كاملاً بلا غاز، ثم تواصلت مع شخص يجلب الغاز مهما كان السعر، فاشتريته بحوالي 15 ألف دينار، وأعطيته 25 ألفاً عند الاستلام”. ويضيف “أرى أن المغترب دائماً يتعرض لمثل هذه الظروف لأنه لا يمتلك ميزات”.
ومع انتقال الضغط إلى قطاع المطاعم، يقول “أسامة نجيب”، (47 عاماً)، صاحب مطعم في بغداد “كان الغاز يأتي لمطعمي قبل الأزمة من أحد الوكلاء، أما بعد الأزمة فذهبت لمعرفة الإجراءات”.
ويضيف: “قيل لنا إن هناك قسماً في تطبيق سوبر كي للنشاط التجاري، لكنه لم يُطبّق بعد، وتم الاكتفاء بإعطاء الوكلاء عدداً محدوداً من الأسطوانات خارج التطبيق”.
لكن لم يستمر ذلك أكثر من يومين، ليضطر “أسامة” بعدها إلى شراء الغاز التجاري الذي يتراوح سعره بين 15 و25 ألف دينار. ويشير إلى اختلالاتٍ في السوق، قائلاً “بعض المطاعم بدأت تشتري الغاز بأسعار أعلى، ويتم عرضه عبر مواقع التواصل، مما أدى إلى رفع الأسعار”، محذراً من أن “الضرر لن يكون على أصحاب المطاعم فقط، فأصغر مطعم يعمل فيه 5 عمال وهم مصدر رزق لعوائلهم، وإذا استمرت الأزمة فلن نتمكن من دفع الرواتب، وقد ترتفع أسعار الوجبات”.
هكذا لا تبدو أزمة الغاز واحدةً بالنسبة للجميع. فبين من يحصل على حصته، ومن يراها غير كافية، ومن يبقى خارجها، ومن يشتريها بسعرٍ مضاعف، تتوزع الأزمة بطرقٍ مختلفة، حتى داخل الطابور ذاته.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



