قصص من الشارع

شارع النهر.. حيث يُصاغ الذهب بحكايات الصابئة

12/05/2026

بغداد ـ رقية خضير      

في الثامنة من عمره، لم يكن شام الشاوي يعرف طريق ملعب الحي بقدر ما يعرف طريق معمل والده في شارع النهر. هناك، وسط صوت المطارق ورائحة الأحماض، تعلّم كيف يمسك الذهب ويتعامل معه بدقةٍ منذ وقتٍ مبكرٍ، في مهنةٍ تتوارثها عائلات الصابئة المندائيين جيلاً بعد جيلٍ.

يقع شارع النهر في قلب بغداد بمحاذاة نهر دجلة، وهو ما جعله تاريخياً شرياناً لنقل البضائع ومركزاً للحركة التجارية، محتفظاً بطابعه الحرفي رغم التحولات، وفي هذا الشارع لم تكن صياغة الذهب مجرد تجارةٍ لدى أبناء الطائفة المندائية، بل هويةٌ راسخةٌ كما يصفونها، فحتى مع حصول أبنائهم على أعلى الشهادات الأكاديمية يبقى إتقان المهنة التزاماً وواجباً.

 قبل 2003 كان هناك حوالي 600 صائغ من الصابئة المندائيين في سوق الذهب، لكن تراجع العدد بشكل كبير  ولم يتبق سوى ستة فقط

ويُعد الشارع من أقدم الأسواق التجارية في بغداد، إذ تشير مصادر تاريخية إلى أن المنطقة التي يقع فيها كانت تضم أسواقاً وخانات منذ العهد العباسي، قبل أن يعاد تنظيمها مطلع القرن العشرين في عهد الوالي العثماني ناظم باشا، الذي أمر بفتح الشارع وتحويله إلى ممر رئيسي للعربات والتجارة. ومنذ ذلك الحين، أصبح أحد أبرز مراكز النشاط التجاري في العاصمة.

ويُعرف الشارع أيضاً بين البغداديين بـ “سوق الصابئة”، في إشارة إلى الحضور التاريخي للصاغة من أبناء الطائفة المندائية، الذين برعوا في صياغة الذهب والفضة وتوارثوا المهنة عبر الأجيال، حتى ارتبط اسمهم بها في الأسواق العراقية.

يقول الشاوي، ذو الواحد والخمسين عاماً، والذي صار اليوم أحد أشهر تجار الذهب في الشارع، إن السوق كان مختلفاً: “كانت المحال بيد الصابئة المندائيين بنسبة تقارب تسعين بالمئة، وكانت لغة السوق مندائيةً تُستخدم في تداول أسرار المهنة. لكن بعد عام 2003 تغيّر الواقع، فهاجر كثير من العاملين، وتراجع وجود الصابئة إلى نحو عشرة بالمئة”.

وبلغ عدد صيّاغ الذهب الصابئة قبل 2003 حوالي 600 صائغ وكان السوق يعد المركز الرئيس لأسعار الذهب في العراق لكن تراجع العدد بشكل كبير نتيجة الهجرة والظروف الامنية ولم يتبق سوى 6 صاغة مندائيين يواصلون مهنتهم إلى اليوم.

داخل السوق، حيث لا تتوقف الحركة، تصل أم أحمد، في الخامسة والخمسين من عمرها، تتنقل بين المحلات بهدوء، تقارن الأسعار وتسأل عن التفاصيل، بحثاً عن قطعةٍ مناسبةٍ لابنها المقبل على الزواج، مؤكدةً أن الأمر بالنسبة لها “ليس شراءً فقط، بل جزءٌ من فرحةٍ مؤجلة” مؤكدة أن التصاميم التي تجدها هنا ودقة الصناعة وجماليتها يصعب العثور عليها في مناطق أخرى من البلاد.

يشرح الشاوي أن صياغة الذهب من أدق المهن، وتتطلب مهارةً وصبراً عاليين “فالصائغ يكتسب خبراتٍ عمليةً تعتمد على الدقة والتعامل مع الأدوات”، وهو ما يستحضره أيضاً رجلٌ مسن يقف على مقربة منه يُعرف بـ “صائغ المولى”، حين يراقب السوق ويستعيد صوراً من ماضيه، مشيراً إلى أن مهارة الصابئة في التعامل مع المعادن الثمينة جعلت أعمالهم تُقارن بأعمال فنية دقيقة، خاصة في النقش والزخرفة، وهو ما رسّخ سمعتهم داخل السوق على مدى عقود.

يضيف الرجل إن شارع النهر كان أكثر تنوعاً، ولم يقتصر على صياغة وتجارة الذهب، بل ضم مهناً متعددةً، مشيراً إلى “خان مرجان” بوصفه شاهداً على النشاط التجاري القديم، حيث كانت العروس تجد جميع احتياجاتها في السوق نفسه. كما يذكر أن بعض الخياطين، مثل عبد الإله المعروف بـ “أزياء الجزائر”، كانوا يخيطون بدلات العرائس يدوياً، “أما اليوم فقد أصبحت جاهزةً، وتوزعت المهن في السوق بدل أن تبقى مجتمعةً في مكانٍ واحد”.

لكن بالنسبة للرجل المسن، تبقى صياغة الذهب على يد الصاغة المندائيين هي العلامة الثقافية الأبرز في هذا الشارع رغم تراجع أعدادهم وتغير هوية المكان.

ولا توجد إحصاءات رسمية حديثة عن أعداد الصابئة المندائيين في العراق نتيجة غياب التعدادات السكانية بعد عام 2003. إلا أن تقديرات جهات دولية مثل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تشير إلى أن عددهم كان يتراوح بين 60 و70 ألفاً قبل 2003، ثم تراجع بشكل حاد خلال السنوات اللاحقة بسبب الهجرة والظروف الأمنية، ليصل إلى نحو 3 إلى 5 آلاف فقط داخل العراق اليوم. 

وبحكم تعاملهم مع الذهب واحتفاظهم به، أصبح الصاغة الصابئة هدفاً متكرراً للسرقة والاعتداء، ما سرّع من موجة النزوح داخل العراق وخارجه. وفي المقابل، استقر عشرات الآلاف منهم في دول المهجر، خصوصاً في أوروبا وأستراليا.

أما ارتباطهم بمهنة صياغة الذهب، فلا يعود بحسب دراسات وبحوث إلى نص ديني مباشر بقدر ما يرتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية، إذ تشير تقارير Minority Rights Group International، إلى أن “المندائيين اتجهوا تاريخياً إلى الحرف الدقيقة التي توفر استقلالاً اقتصادياً داخل المجتمع”. 

وقد أسهمت سمعتهم المرتبطة بالأمانة والدقة في ترسيخ حضورهم في تجارة الذهب، إلى جانب اعتماد نقل المهنة داخل العائلة عبر الأجيال، ما جعلها تتحول تدريجياً إلى سمة مهنية بارزة، وهو ما يظهر بوضوح في تجربة عائلة الشاوي نفسها.

داخل أسرة الشاوي لم تتوقف الحكاية عند جيلين فقط، بل بدأ شام الشاوي قبل سنوات بتعليم ابنه البالغ من العمر أربعة وعشرين عاماً مبادئ المهنة باستخدام أدواتٍ بسيطةٍ، ليتدرّج الولد بعدها حتى أتقن التعامل مع الذهب دون إهدار، قبل أن يلتحق بالعمل مع والده بعد إكمال دراسته.

لكن المهنة، بحسب الشاوي، تغيّرت فـ”الأجهزة الحديثة اختصرت كثيراً من الجهد”، وفي الوقت نفسه اشتدت المنافسة “فقد اتجه السوق نحو استيراد الذهب، خصوصاً من دبي وتركيا، مقابل تراجع المنتج المحلي”.

وتتضمن صناعة الذهب عدة مراحل ، تبدأ بالتعدين والاستخراج ثم التنقية والمعالجة لفصل الذهب عن باقي المعادن، تليها عملية الصهر في درجة حراره عالية تتجاوز 1064درجة مئوية، ثم الخلط مع معدن آخر كالنحاس لزيادة الصلابة وختاما يتم انجاز التصاميم وتركيب الجواهر واللحام والتشكيل النهائي لتصبح مجوهرات جاهزة. 

في ظل التحولات التي مرت على المكان وعلى الباعة، تغيّر سلوك الزبائن أيضاً، إذ تقول طيبة أحمد إنها لم تكن مهتمةً بشراء الذهب، لكن مقطعاً شاهدته عبر TikTok دفعها لتغيير رأيها: “كانت لحظةً كافيةً لأقرر زيارة شارع النهر والتعرف على آخر الصاغة المندائيين فثي بغداد، وشراء الحلي الذهبية والفضية منهم”.

وعلى ضفاف نهر دجلة، تتصل هذه الحكاية بحكايات أخرى، إذ يعمل “المصفّايجية”، وهم عمّال مختصون باستخراج الذهب من الرواسب النهرية، على جمع التراب وتعريضه للحرارة ثم فصل المعادن، فيما لا تزال التقنيات الحديثة غائبةً بسبب كلفتها، رغم أن الذهب المستخرج من النهر يُقال إنه يصل إلى عيار 24، قبل أن يجد طريقه إلى صاغة شارع النهر.

مع اقتراب الساعة الرابعة عصراً، يبدأ السوق بالهدوء تدريجياً، تخفت أصوات المكائن، وتُغلق المحلات أبوابها، ويغادر الصاغة بعد يوم عملٍ طويلٍ. غير أن ما يتوقف مع إغلاق الأبواب لا يتوقف فعلياً، فالحكاية التي بدأت مع شام في طفولته، تستمر اليوم في يد ابنه، وبينهما جيلٌ كاملٌ لم ينقطع حتى مع تغيّر السوق وأدواته. 

رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.

اشترك/ي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المقالات
اشترك/ي في النشرة الإخبارية
انضم/ي لمجموعت الواتساب حتى لا تفوتكَ/كِ آخر المنشورات
انضم/ي لمجموعة الواتساب

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Created by Mohammed Ali