سلام هاندني – هورامان
في السوق القديم لمدينة خورمال، ضمن منطقة هورامان، يقبع دكانٌ صغير ما يزال بالنسبة لكثير من الأهالي نافذةً تستدعي ذكريات زمنٍ مضى. داخل هذا المكان، يجلس الحاج حمه ويس قرباني، البالغ من العمر 80 عاماً، يومياً على كرسيه البسيط، محاطاً بأدواته القديمة، يواصل بيديه تصليح الأحذية والحقائب الممزقة، وهي المهنة التي لم يغادرها منذ أكثر من 35 عاماً.
لم يعد السوق كما كان، ولم تعد الحركة كما في السابق، لكن الحاج حمه ويس، الذي أصبح واحداً من رموز السوق القديم، لا يفكر في الابتعاد. يشعر كما يقول، براحةٍ كاملة في عمله رغم كل التغيّرات التي شهدها المكان.

الدكان نفسه ما يزال يحتفظ بروحه القديمة: واجهة زجاجية عتيقة، مذياع من طراز قديم، مرآة متشققة، وأدوات بسيطة تعود بذاكرة الزبائن إلى عقود مضت. ومن داخل هذا المشهد، يستعيد الحاج بداياته، حين كان يعمل خياطاً فقط، قبل أن يتحول تدريجياً إلى تصليح الأحذية والحقائب وخياطتها، موضحاً أن الناس في ذلك الوقت كانوا أكثر فقراً، لكنهم كانوا يتمسكون بممتلكاتهم ويجلبونها للإصلاح، بينما أصبحوا اليوم يميلون إلى رميها واستبدالها.

يستذكر الحاج أيضاً تفاصيل تلك المرحلة، حين كان يصلح زوج الأحذية بدينار عراقي واحد، مقارنةً بأجرة تصل اليوم إلى ألفي دينار، غير أن مهنة تصليح الأحذية، التي كانت جزءاً أساسياً من حياة الأسواق القديمة، تتجه هي أيضاً اليوم نحو الاندثار، خاصة بعد أن تقلّص عدد العاملين فيها بشكل كبير إذ يشير إلى أنه كان في خورمال وحدها خمسة مصلّحي أحذية، ولم يبقَ اليوم سواه.

رغم ذلك لا ينقطع الإسكافي المسنّ عن دكانه. حتى في الأيام التي تمر من دون عمل، يأتي كل صباح ويجلس في مكانه، “لأن الدكان بالنسبة لي ليس مجرد مصدر رزق، بل جزء من حياتي اليومية وذاكرتي الشخصية” يقول.
تغيّرت أيضاً طبيعة الزبائن. يوضح الحاج حمه ويس، فبعد أن “كانت الأحذية والحقائب تُجلب بكثرة للإصلاح، أصبح معظم من يقصدني اليوم من الطلبة الذين يحتاجون إلى إصلاح حقائبهم أو تبديل السحّابات، إضافة إلى النساء اللواتي يأتين لتصليح قيود الحقائب وسحّاباتها، فضلاً عن الأحذية النسائية ذات الكعب العالي التي تتعرض للتلف داخل السوق، ما جعل إصلاحها جزءاً من عملي اليومي”.

كل ذلك يتم باستخدام أدواته القديمة التي لم يستبدلها: ماكينة خياطة، وأخرى خاصة بالأحذية، ومطرقة، ومسامير، وآلة لشحذ السكاكين، وهي الأدوات التي رافقته منذ تأسيس دكانه. ورغم وجود وسائل حديثة ومتطورة، إلا أنه ما يزال متمسكاً بها، “لأنها ببساطة الأدوات التي قضيت عمري معها”.

وفي وقت تتراجع فيه هذه المهنة، ما تزال بعض مناطق هورامان وحلبجة تحتفظ بها، في ارتباط وثيق مع تاريخ المنطقة، خاصة مع صناعة “الكلاش” الهورامي التقليدي، الذي لا يُعد مجرد حذاء، بل جزءاً من الهوية الثقافية والتراثية، تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل، ولا يزال يحتفظ بمكانته حتى اليوم، وإن كان يُرتدى غالباً في المناسبات والأماكن الرسمية.
بعيداً عن المهنة، يحتفظ الحاج حمه ويس بعلاقة خاصة مع تلاوة القرآن. ففي دكانه، وبين صوت الماكينات ورائحة الجلد، يخصص وقتاً يومياً للقراءة، مشيراً إلى أن تعليمه بسيط، لكنه اعتاد أن يختم القرآن كل عام، خاصة في شهر رمضان، كما يقرأ صباحاً بعد الصلاة مع رجل دين، حتى أصبح قادراً على معرفة الحروف وقراءة عدد من السور.

زبائنه القدامى ما يزالون يحتفظون بذكرياتهم معه. حسن حسيني، البالغ من العمر 71 عاماً، يتحدث عن هذه المهنة بوصفها “مباركة”، ويرى أن معظم كبار السن لديهم علاقة ذاكرة معها، مستذكراً كيف أصلح الحاج حذاءه الممزق في تسعينيات القرن الماضي باستخدام قطعة أخرى، في تجربة لم تكن مجرد إصلاح لشيء تالف، بل احتفاظاً بذكرى. وحتى اليوم، يقول إنه لا يزال يتوجه إليه عند الحاجة إلى خياطة أو تركيب سحّاب.

أما الحاج نفسه، فيتحدث بهدوء عن سنوات عمله الطويلة، مشيراً إلى أنه واجه أحياناً مشكلات وانتقادات، إذ قد يعود بعض الزبائن للاشتكاء من تلف الحذاء أو الحقيبة مجدداً، لكنه يرى أن “هذه الأمور طبيعية في أي مهنة”، مؤكداً في الوقت نفسه أن أغلب الناس كانوا يقدّرون عمله ويعاملونه باحترام، وأن الصدق والإخلاص هما ما حافظا على سمعته داخل السوق.

في النهاية، تبقى مهنة تصليح الأحذية في هورامان، كما يرى كثير من أهالي المنطقة، أكثر من مجرد عمل يدوي، إنها جزء من تاريخ طويل، ومن طريقة عيش كانت تقوم على الحفاظ لا الاستهلاك. وفي دكان الحاج حمه ويس الصغير، لا تزال هذه الفكرة حاضرة، تقاوم التغيّر، وتمنح للماضي فرصةً إضافية للبقاء.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



