دراف آلا – أربيل
في شوارع أربيل التي تمتلئ ليلاً برائحة الشواء وصوت الأحاديث حول موائد الشاي، تبدو المطاعم السورية جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي للمدينة. أسماء مثل “قصر نارنج” و”داماسكينو باراديز” و”ست الشام” و”الريف” لم تعد عناوين لجالية وافدة فحسب، بل تحولت إلى وجهات يرتادها أهالي المدينة والعائلات والضيوف الباحثون عن نكهة سورية وجلسة مألوفة.
غير أن هذا الازدهار الظاهر يخفي خلفه قلقاً يومياً يعيشه آلاف السوريين العاملين في هذا القطاع. فبين صعوبات الإقامة، وغياب العقود الثابتة، وتقلّبات السياسة في العراق وسوريا، يقف كثير من العمال السوريين أمام معادلة صعبة: مطاعم تنجح وتكبر، وعمال لا يعرفون إن كان استقرارهم سيستمر.
منذ أن دفعت الحرب في سوريا كثيراً من أصحاب المشاريع إلى نقل مطاعمهم ومقاهيهم إلى أربيل، بين عامي 2011 و2024، أصبحت المدينة واحدة من أبرز الوجهات التي أعادت تشكيل حضور المطبخ السوري خارج بلاده، خصوصاً في مناطق مثل شارع 100 متر، وشارع 40 متر، وعنكاوا، حيث تتجاور عشرات المطاعم والمقاهي السورية وتقدّم أطباقاً تمتد من الشاورما والمشاوي إلى المحاشي والحلويات.
هذه المطاعم باتت اليوم من أبرز خيارات الطعام في أربيل وأكثرها شهرة، ولم تعد مقتصرة على الجالية السورية. فهي تقدّم جلسات مريحة وأطعمة خفيفة وخيارات متعددة، ما منحها قدرة واضحة على منافسة مطاعم أخرى، وجعلها جزءاً بارزاً من مشهد المدينة، خصوصاً في فترات العشاء والجلسات الطويلة.
وتقدّم المطاعم السورية تجربة تتجاوز فكرة الوجبة السريعة، إذ تشمل المشاوي مثل الكباب والشيش طاووق، والمقبلات مثل الحمص والمتبل والفتوش والتبولة، إضافة إلى الشاورما والمناقيش ووجبات الفطور، وصولاً إلى الحلويات كالكنافة والبقلاوة. كما يقوم طابعها العام على الجلسات الطويلة وتقديم الشاي والقهوة بعد الطعام، ما يجعلها أقرب إلى فضاءات لقاء اجتماعي منها إلى مطاعم تقليدية فحسب.
لكن خلف هذه الصورة، يعتمد القطاع بدرجة كبيرة على العمالة السورية التي أصبحت جزءاً أساسياً من سوق العمل في أربيل، ولا سيما في المطاعم والمقاهي. ويعمل في هذه المنشآت مئات السوريين والعراقيين على حد سواء، فهي من أكثر الأماكن قدرة على توفير فرص عمل بسهولة، نظراً إلى كثرة المطاعم السورية في المدينة، بحسب شاب سوري يعمل في القطاع السياحي في أربيل منذ نحو خمس سنوات.
يقول الشاب إن أكثر ما يميّز المطاعم والمقاهي السورية في أربيل هو نوعية المأكولات والأطعمة التي تقدّمها، فهي تختلف إلى حد كبير عن نظيراتها العراقية والكردية. ويوضح أن “المطبخ السوري مرغوب، ولهذا هناك إقبال على المطاعم السورية وطلب على وجبات مثل التبولة والفتوش والمشاوي والكبة”.
إلا أن هذا الإقبال لا ينعكس دائماً استقراراً على العاملين في القطاع. فالشاب نفسه يشير إلى أن العمل داخل هذه المطاعم لا يخلو من المصاعب، موضحاً أن كثيراً من العاملين السوريين يتقاضون أجوراً تختلف أحياناً عن أجور نظرائهم العراقيين، وأن عدداً منهم يعملون من دون عقود ثابتة أو ضمانات واضحة، ما يجعلهم أكثر عرضة لفقدان وظائفهم عند تراجع الحركة أو حدوث أي تغيّرات اقتصادية.
ويقول عامل سوري آخر في أحد مطاعم أربيل إن أوضاع السوريين العاملين في قطاع المطاعم تأثرت خلال العامين الماضيين بعد تشديد بعض إجراءات الإقامة الخاصة بالسوريين. ويوضح أن مسألة الإقامة والعمل أصبحت أكثر تعقيداً بالنسبة إلى بعضهم، الأمر الذي انعكس على شعورهم بالاستقرار والأمان.
ويضيف أن بعض العاملين السوريين يتجنبون السفر إلى سوريا حتى لزيارة عائلاتهم، خشية فقدان إقاماتهم أو مواجهة صعوبات عند العودة إلى إقليم كردستان، بينما يفكّر آخرون في الهجرة إلى دول أخرى بحثاً عن فرصة أكثر استقراراً.
ولا يقتصر حضور هذه المطاعم على المشهد الاقتصادي وحده، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية في المدينة. فإلى جانب الوجبات والمقبلات التقليدية مثل الكبة والمشاوي والحمص والتبولة، تقدّم مطاعم سورية وجبات منزلية مثل ورق العنب والمحاشي وغيرها من الأطعمة التي تعكس المطبخ السوري التقليدي. وتختلف ساعات العمل من مطعم إلى آخر، لكن معظم هذه المطاعم تصبح وجهة رئيسة للجلسات الليلية، حيث يجتمع الزبائن لتناول العشاء ثم شرب الشاي أو القهوة مع الأرجيلة.
وبالإضافة إلى الأطعمة السورية التقليدية، أصبحت الأرجيلة عنصراً أساسياً في المشهد العام للمقاهي والمطاعم في أربيل، حتى باتت تُشاهد خارج الإطار السوري وحده، لتتحول إلى جزء من ثقافة الجلوس المسائي في المدينة.
لكن هذا الاستقرار الظاهر يبقى هشّاً أمام التحولات السياسية والأمنية في العراق وسوريا. إذ يقول عاملون في القطاع إن حياتهم اليومية تبقى مرتبطة أيضاً بهذه التطورات، ولا سيما مع وقوع حوادث أمنية وسياسية خلال الفترة الماضية، وهو ما ينعكس مباشرة على شعورهم بالاستقرار وعلى فرص العمل داخل المطاعم والمقاهي.
وتقول سيدة سورية ثلاثينية تعمل في مطعم سوري بأربيل إن الأحداث السياسية في المنطقة تؤثر في المطاعم السورية والعاملين فيها. وتضيف: “مع اشتداد المواجهات العسكرية بين قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد والجيش السوري في كانون الثاني/يناير الماضي، امتنع المئات من سكان إقليم كردستان عن التردد إلى مطاعمنا، ما أدى إلى خسائر مادية”.
وتشير السيدة السورية إلى أن مثل هذه التطورات دفعت عدداً من المطاعم إلى الاستغناء عن عمالها، لأسباب مادية وأخرى مرتبطة بصعوبات تجديد الإقامات.
ويعيش في إقليم كردستان نحو 263 ألف لاجئ سوري، وفق بيانات حكومة الإقليم والأمم المتحدة، منهم قرابة 92 ألفاً في المخيمات، بينما يعيش الباقون داخل المدن. وقد انخرط السوريون بشكل ملحوظ في سوق العمل في أربيل وعموم مدن الإقليم، خصوصاً في القطاع السياحي وقطاع المطاعم والمقاهي، حيث أصبحوا جزءاً أساسياً من هذا المجال الحيوي.
ومع عودة آلاف السوريين من إقليم كردستان إلى بلدهم عقب سقوط نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع إلى الحكم، تأثرت المطاعم والمقاهي السورية بهذه التحولات، سواء من جهة تراجع بعض اليد العاملة أو تغيّر أنماط الاستهلاك داخل الجالية السورية نفسها.
وخلال العامين الماضيين، شهد قطاع المطاعم في إقليم كردستان تراجعاً في الحركة بنحو 35%، وفق تصريحات مسؤولين في جمعية الفنادق والمطاعم لوسائل إعلام محلية. غير أن هذا التراجع لم يؤدِ إلى إغلاق جماعي للمطاعم، بل تمثّل في انخفاض عدد الزبائن وزيادة الضغط على النشاط اليومي.
كما تأثرت بعض المطاعم السورية الصغيرة بعودة جزء من السوريين أو بتغيّر أنماط الاستهلاك، بينما حافظت المطاعم الكبرى على استقرارها لاعتمادها على الزبائن المحليين والعائلات.
هكذا، تبدو المطاعم السورية في أربيل قصة نجاح ظاهرة في مدينة اعتادت استقبال موجات الهجرة والعمل. لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة العامل السوري الذي يقف خلف هذا النجاح، إذ يبقى الطرف الأكثر تأثراً بأي تغيّرات اقتصادية أو قانونية أو سياسية، في ظل قلق مستمر من الإقامة والعمل والمستقبل داخل الإقليم.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



